المزيفون

عبد اللطيف مبارك

عبد اللطيف مبارك

رائحة الرطوبة والبارود المنسي كانت تملأ سماء حي الأربعين، بين الأزقة التي شهدت أعتى المعارك وصمدت جدرانها أمام صواريخ المدافع. هناك، تحت أقدام البيوت الآيلة للتقطير من القِدم، ينفتح عالم آخر لم تلمسه الشمس منذ عقود.

​وقَف المحقق الشاب “عمر” عند فتحة الملجأ المهجور، يمسح بكتفه غبار السنين عن اللوحة المعدنية المتآكلة التي تحمل تاريخاً غائراً: 1967. كان بلاغ الأهالي عن رائحة غريبة تتصاعد من تحت الأرض مجرد بداية لخيط سيسحب أحشاء التاريخ السويسي برمته.

​نزل عمر درجات السلم الحجري المتهدم، يرافق ضوء كشافه الضعيف. وفي أعمق نقطة بالملجأ، كانت الجثة.

​رجل مسن، يجلس على كرسي خشب ذي مساند، ترتدي جثته معطفاً عسكرياً قديماً. لم تكن الجثة مشوهة، بل بدت وكأن صاحبها نام للتو، ولولا الطبقة الكثيفة من الشمع والمركبات الكيميائية التالفة التي كانت تغطيها لكشفت حقيقتها للوهلة الأولى. بجوار الجثة، وضع صندوق معدني صدئ يحوي حافظة جلدية ضخمة.

​فتح عمر الحافظة ليجد أوراقاً ووثائق تعود لعام 1973، تقارير سير المعارك، وبرقيات مشفرة تحمل توقيع “الرمز”؛ الرجل الذي تحول في السويس إلى إله إغريقي لا يمس، الفدائي الكبير “الشيخ مهران” الذي تملأ صوره الميادين، والذي يُروى للأطفال كيف قاد المقاومة الشعبية ودحر الدبابات عند مدخل المدينة.

​لكن الوثائق كانت تقول شيئاً آخر… شيئاً يقلب الموازين:

ليلة المذبحة الكبرى عام 1973، لم يكن مهران بطلاً. كان هو من أبلغ عن إحداثيات الفرقة الفدائية الوطنية الأولى، وباع  أصحابه مقابل الخروج الآمن والتغطية على خيانته ليُصنع منه بطلٌ قومي. أما الرجل الملقى أمامه في الملجأ، فلم يكن سوى السكرتير الخاص بالفرقة، الذي احتفظ بالدليل القاطع على هذه الخيانة.

​ارتجفت يد عمر. كيف يقدم هذه الحقيقة لشارع الأربعين؟ الشارع الذي يرى في مهران شرفه وكرامته.

​على مدار أسبوع كامل، تحولت حياة عمر إلى جهنم.

بدأ يتلقى اتصالات غامضة من شخص يهمس بصوت حاد وواثق، يدله على تفاصيل الملف، ويحثه على تحقيق العدالة: “لا تخف يا عمر، الأسطورة المزيفة يجب أن تسقط، اتبع الأوراق وسجل التاريخ الحقيقي لحق دماء الشهداء.”

​وفي الشارع، كانت المظاهرات الغاضبة تحيط بمقر التفتيش مجرد انتشار شائعات عن “محاولة تشويه رمز المدينة”. تعرض عمر لمضايقات، وسيارات مظللة بدأت تطارده في أزقة السويس ليلاً تريد دفن الملف وقتله. كان الصراع يمزقه بين واجبه النزيه كرجال قانون، وبين الخوف من تدمير السلم الأهلي لمدينة عاشت على تضحيات أبطالها.

​لكن المتصل الغامض كان يدفعه باستمرار، يزوده بالمعلومات ويكشف له عن تحركات الجهات التي تحاول طمس القضية، حتى جاءت اللحظة الحرج.

​في ليلة ممطرة، تسلل عمر إلى مكتبة التوثيق القديمة بالحي ليطابق التوقيع الأخير على عقد الصفقات الغامضة التي دلّه عليها المتصل. وهناك، في عتمة المكتبة، انتظر حقيقة القاتل الذي اغتال المسن في الملجأ.

​سمع وطأة أقدام واثقة. تحرك الكشاف، ليتفاجأ بـ “الشيخ مهران” نفسه يقف أمامه، متكئاً على عصاه الآبنوسية، بكامل هيبته ووقاره الذي يحفظه الصغار والكبار.

​ابتسم عمر بمرارة وقال وهو يرفع مسدسه:

• ​”انتهت اللعبة يا شيخ مهران. المتصل دمر كل خططك، والجثة في الملجأ أخرجت وثائق خيانتك لليلة 1973، وقريباً ستُحاكم بتهمة قتل هذا المسن لإسكات الحقيقة.”

​ضحك الشيخ مهران ضحكة هادئة، مليئة بالسخرية والقسوة، ثم جلس على أحد المقاعد وقال بثبات:

• ​”يا لك من غبي يا عمر… هل تظن أنك تحقق في جريمة حدثت البارحة؟”

​تقدم مهران خطوات، وواصل بنبرة أثلجت الدماء في عروق عمر:

• ​”الرجل في الملجأ لم يُقتل الأسبوع الماضي. لقد قتلته بيدي عام 1973، وتحفظت على جثته بمواد محنطة دخل ذلك الملجأ المغلق منذ الستينات حتى لا يجدها أحد! لكن الزمن غدار، والمواد تآكلت والرائحة بدأت تفوح، وكان عليّ أن أتخلص من الجثة والملف بطريقة تضمن لي الخروج للأبد من هذه الدائرة.”

​اتسعت عينا عمر صدمة:

• ​”ماذا تقول؟ ومن كان يتصل بي؟ من كان يوجهني؟”

​ابتسم مهران وأخرج من جيبه هاتفاً صغيراً، وضغط على زر إعادة الاتصال، ليرن هاتف عمر في جيبه.

• ​”أنا من كنت أحدثك يا عمر…” قالها مهران وهو يخطو نحو عمر. “أنا من استدرجتك للملجأ، وأنا من جعلتك تفتح الملف وتركز على الجثة. لقد احتجت لـ ‘محقق مخلص’ يمتلك عقيدة العمى القانوني، ليربط الجثة بشخص آخر… فشخصيتي النافذة وضعت أدلة قاطعة في مكان الجريمة تتهم غريمي السياسي الحالي بقتله حديثاً. لقد استغليتك لتصفية حسابي الحاضر، ولتغطية جثتي القديمة!”

​تراجع عمر للخلف، يصدمه هذا الكم من الدهاء الشيطاني، لكن مهران لم ينتهِ بعد. قرب وجهه من عمر، وقال بصوت كالكتيز المسموم:

• ​”أتدرك ما هي النكتة الحقيقية في هذه القصة يا ابن الأربعين؟”

​سكت عمر، نَفَسه متقطع، بينما أكمل مهران:

• ​”في ليلة المذبحة… عندما سلّمت إحداثيات الفرقة الفدائية للعدو، كان قائد تلك الفرقة هو قائدك الحقيقي، الرجل الذي تركته ينزف تحت الدبابات لأصعد أنا على جثته وأصبح ‘الرمز القومي’… ذلك القائد كان جدك! لقد استخدمتك اليوم لتكمل ما بدأته مع جدك قبل عقود: بنيت مجدي على دمه، وأنهيت خوفي الأخير بجعلك أداتي ومطيتي دون أن تدري!”

​سقط المسدس من يد عمر.

​في جدران حي الأربعين العتيقة، وعلى وقع أضواء الميادين التي تتلألأ فيها صور “الرمز” الشامخ، وقف المحقق الشاب وسط العتمة، مدركاً أنه لم يكن يسعى خلف الحقيقة لرد الاعتبار، بل كان الحفيد الذي قاده قاتل جده ببراعة ليجهز على آخر ما تبقى من شرف العائلة.

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع