آسر حريري
(1)
قُربَ الظَّلام،
قُبَيلَهُ بثوانٍ،
تدفَّقَتْ مياهُ نهرِنا المُعوَّج،
متثاقلةً، كئيبة،
تختلجُ برعونةٍ لزجة،
تهمسُ:
“سُدًى أحلامُ البَطش،
عروسُ الافتداء،
وصلواتُ البُلهِ الساهِمين.”
تململَ الجَمعُ المُتطير،
وتساءلوا عمَّا إذا كان ممكنًا
أن يُقلَّهم القاربُ إلى القريةِ الجنوبيّة،
حيثُ يملِكُ النائمون هناك بالليل
ترفَ أن تطلعَ عليهم شمسُ النهار.
يُجيبُهم الصيّادُ الخبيث:
“إنّ هذهِ الأشلاء
غُصونُ صفصافٍ مبتورة،
وهذهِ الدماء
لِحاءُ جِذعِها الثخين.
إنها أبدًا، أبدًا، لا تعودُ لبشر،
هَيّا إلى مضاجعِنا، فغدًا نهارٌ طويل.”
لِما بدا أنَّه احتمالُ “قيامةٍ” ما،
قرعَ الجُندُ النواقيس،
أقلعَ الرجالُ –مؤقتًا– عنِ البغاءِ والنبيذ،
ولبِسَت نساءُ القريةِ أرديةً أكثرَ سوادًا
تحسُّبًا لحدادٍ طويل،
ثم قال الشيخُ للصبية:
“هو ذا الفوهرر وجنوده
على وشكِ أن يعودوا من جديد،
فلأيِّ مَثوًى تُؤثِرونَ الهرب؟”
هتفَ التلميذُ في آخرِ الصف:
“حيثُ أزرعُ شَتلتي، أنام،
وحيثُ أنامُ،
أمُوت.”
(2)
القمرُ ليسَ بدرًا،
وليسَ في المحاق،
بل مُحتَجِبٌ في صومعتِه السماوية،
يُطلُّ من الكُوَّةِ ضجِرًا،
بتقاسيمِ مَن هو غيرُ راض،
فقط
لأنّنا توقّفنا عن إيمانِنا الطفوليّ
بأنَّ بإمكانِه أن يمنعَ موتَنا.
نَعيقُ الغربان،
أبخرةُ الرمادِ الخانق،
أشجارُ السروِ مكسورةُ الجذوع،
أوشحةُ النساءِ المُـمزقة،
ونَعلٌ جلديّ، مقاسُه عشرون،
شوهدَ منقوعًا في دمِ صاحبِه الصغير،
هذه حصيلةُ كوابيسي،
رغمَ أني، لا أنام!
(3)
“هذه التي نبتت هنا“،
تقولُ الغانيةُ ذاتُ الصوتِ المبحوح،
“هي زهرتي.
همستُ لها –والظلمةُ حالكة–
بما تبقّى من أمنياتي البريئة،
على رأسِ القائمة:
شخصٌ يسمعُ نحيبي،
ويُربّتُ على ظهري مواسيًا.
هذا أقصى ما يتمناهُ قليلُ الحيلة،
لقاءَ هذا المعروف،
أقتطعُ له من صرّتي الضئيلة،
أو ربما أُمنّيه بليلةٍ بين ذِراعَيّ.”
ثمّ انكبَّت تنشبُ أظافرَها في التراب
بنيةٍ مُبهمة.
زَعَقَ درويشُنا في الأزقّة:
“نامَ مَن في الجُبة!
مَن في الجُبة نام!
ربّما غادرَ خِلسة.
هل رأى أحدُكم قطتي الضَّريرة؟
مفقوءةَ العينين، خطَت مضطربةً عتباتِ سلّمِنا.
يا لبُؤسِها وبُؤسي!!
أفي الليلةِ الأولى؟
أما احتملتْ ليلةً واحدة تعجزُ فيها
عنِ التفرقة بين الليلِ والنهار،
بينَ البيتِ والسجن،
بينَ يديّ ويدِ الغريب؟“
زعيقٌ ضوضائي،
أنّةٌ مكتومة،
تختلطُ بصُراخِ رضيعٍ وصلَ إلى حياتِنا التعيسة للتو.
قالت القَابلة، وبينما تُهدهدُ الرضيع:
“يا للطفلِ الصغيرِ الماكر،
استقبلَ العالمَ أوّل ما استقبلهُ بإِسته!
لقد فهمَ باكرًا ما يستحقُّ هذا العالمُ أن نُعاملهُ به.”
بُهِتَ شرطيُّ الحارة،
عجوزُنا الستيني،
فاستلَّ من تحتِ الأنقاضِ ما بدا أنهُ كرسي،
وارتكزَ عليهِ بمؤخرةٍ نحيلة،
عاقِدًا ساقَيهِ بتشنّج،
ثمّ سحبَ من عَقِب سيجارتِه بشراهةٍ، ونفث،
حتى طَفرتْ عيناهُ بالدمع.
كان –آنذاك– يُؤنبُ نفسَه،
سمعتُه يقول:
“فشِلتُ في العُثورِ على قِطّةِ الدرويش،
رغم أنّي،
فتّشتُ حتى بجيبِ سروالي.
في الصباح، إن كان مِن صباح،
وإن قُدّر أن أعيش،
أتقاعدُ طواعيةً.
وكيفَ لا، وقد كنتُ كلّما نظرتُ إلى قِطٍّ مشرّد،
وجدتُه مفقوءَ العينَين!”









