القس عيد صلاح
للأدب قدرة فريدة على أن يكون مرآة للمجتمع، فهو يعكس قضاياه ومشكلاته، ويتيح حرية في الكتابة غالبًا لا تتوفر في أي وسيلة أخرى. ومن هذا المنطلق، تأتي رواية “صرخة جسد” لشهيناز المدني (دار نشر الدار، 2018، 306 صفحات) لتسلط الضوء على أزمة أخلاقية واجتماعية حادة. تدور الرواية حول دكتورة تعمل في الطب النفسي، طُلِب منها تقديم ندوة، فتبدأ بسرد ملفاتها وتحكي عن حالة بعد أخرى، سبع حالات مأساوية تكشف في النهاية أن موضوع الندوة هو “زنا المحارم”، وأن كل الحالات التي استعرضتها ترتبط بهذه القضية.
لغة الرواية بسيطة وليست عالية البلاغة، ولا تعتمد على الخيال المركب، لكنها تستخدم السرد المتواضع كأداة لرصد الواقع المؤلم، مؤكدة أن البلاغة أو الخيال الأدبي ليسا ضروريين لتسليط الضوء على أزمات المجتمع الخطيرة. ومن هذا المنطلق، يأتي هذا النوع من الأدب قبل أي مؤسسات دينية أو رسمية ليعلن جرس إنذار مبكر، دون أن يكون الحكم عليه أخلاقيًا أو دينيًا فقط.
بالنسبة لنا كمسؤولين وتربويين ورجال دين ومن يكونون في صدر المسؤولية، من المهم دراسة هذه الأعمال وفهم مثل هذه القضايا، لأنها تعكس مشكلات محتملة في المجتمع الذي نعيش فيه، وتساعد على التعامل معها بوعي ومواجهة تداعياتها قبل أن تصبح واقعًا ملموسًا.
في النهاية، لا تقدم رواية صرخة جسد مجرد حكايات صادمة بقدر ما تطرح مواجهة حقيقية مع أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا داخل المجتمع. فالرواية تستخدم السرد بوصفه أداة للكشف والتوعية، لتؤكد أن الأدب قادر على الاقتراب من المناطق المسكوت عنها بجرأة قد تسبق أحيانًا المؤسسات الدينية والاجتماعية في دق ناقوس الخطر. ومن خلال عرضها الإنساني والنفسي لهذه الحالات، تفتح الرواية بابًا للتأمل في مسؤولية المجتمع والأسرة والمؤسسات التربوية والرعوية تجاه حماية الإنسان وفهم أزماته العميقة، مما يجعل العمل ليس مجرد نص روائي، بل شهادة أدبية على واقع يحتاج إلى الوعي والمواجهة قبل الإدانة.








