سوار خوالد
يُمكن أن تكون رواية “ميثاق النساء” للكاتبة اللبنانية حنين الصايغ أسهمت في أنسنة المجتمع الدرزيّ في لبنان وبشكل عام، ويُمكن أنها وضعته في إطار معارفنا ومداركنا وكان خارجها لأسباب تاريخية وسياسيّة واجتماعيّة. بالنسبة لي كانت قراءة الرواية فرصة كي تتغيّر نظرتي لهذا المجتمع وتتعمّق. فقد بدت لي الرواية أعمق بكثير من مجرّد رسمِ حدودٍ للمرأة، أو تبيان الفوارق بين “الجُهّال” و”العقّال”، وهو أمر لم أنكشف عليه من قبل، رغم عملي لردح من الزمن في إحدى مدارس قرية كفر سميع المختلطة، وملاحظتي للفروقات الموجودة بين الفئتين من حيث اللباس وطرق التفكير، وحتى في الكلام! باعتباري سِوار القارئة، أعترف أنني طويت غلاف الرواية وخرجت منها من باب آخر تمامًا.
لم تستوقفني قضية المجتمع المغلق بقدر ما استوقفتني أمل. بل ربما الأدق أن أقول: استوقفتني نفسي في أمل. دخلت الرواية قارئةً، وخرجت منها وفي داخلي جملة لم تكف عن التردد: “أنا لم أقرأ هذا الكتاب؛ هذا الكتاب قرأني”. قرأ الكتاب فيّ أشياء لم أكن قد منحت نفسي الوقت ولا الطاقة الكافييْن للتفكير فيها. أضاء زوايا كنت أمرّ بمحاذاتها سريعًا، ربّما لأن الوقوف أمامها طويلًا كان سيعني أن أغرق في سيل من الأسئلة لم أكن مستعدّة لها.
لم تكن حياتي حياة أمل، ولا بيئتي بيئتها، ولا أريد أن أحمّل التشابه أكثر ممّا يحتمل. ومع ذلك، كان ثمّة شيء يتكرّر على نحو مُربك: أن تبدأ الفتاة وظائفها الكبرى في الحياة قبل أن تعرف نفسها بما يكفي. بما أنني تزوّجتُ بعمر الثامنة عشرة! أذكرُ آنذاك بحكمِ أن العريس ابن عمي من الدرجة الأولى، لم يشأ أبي أن تدوم العلاقة دونَ تأطيرٍ مناسب لها، فشجعني على الزواج وإن كان مبكرًا! وعلّل ذلك أنني سأبقى بجانبهم، ولن أستقلّ كليًا أو أحمل مسؤوليّة لا تزال أكبر مني! فهم موجودون بجواري لدعمي المطلق. لن أنكر ذلك أو أنكر حدوثه واقعًا، لكن بعد سنواتٍ عديدةٍ مرّت تسكنني الرغبة في أن أعود إلى تلكَ النقطة التحوليّة لأُفهم أبي أنَّ الأمر أكبر بكثير ما اعتقده وقاله لي يومها! وهنا على وجه الخصوص رأيتُ أبي في ملامح والد أمل! ثم هزّتني جملة قالتها أمل لزوجها عن أن فتاة في السادسة عشرة لا تستطيع أن تتبيّن معنى الحب. وتراءت لي نفسي مرةً أخرى!
ليست المسألة في عدد سنوات العمر وحدها بل في ذلك العمر الذي يمكن فيه للفتاة أن تتّخذ ـ أو تُدفَع إلى اتخاذ ـ قرارًا سيعيد تشكيل بقية حياتها، في وقت لم تتشكّل فيه هي نفسها بعد! كيف تعرف ماذا تريد من شريك حياتها وهي ما زالت تكتشف ماذا تريد هي من الحياة؟ كيف تميّز بين اختيارها وبين ما تراكم حولها من إلحاح وتوقّعات وضغوط؟ ثم تمر السنوات، ويصبح ما حدث حياةً!
ومن أكثر العلاقات التي أقلقتني في الرواية علاقة سالم الزوج بتطور أمل. كان يدعمها، نعم، لكن دعمه بدا لي مشروطًا في كثير من الأحيان. وكلما أرادت أن تتقّدم خطوة، كان عليها أن تعود إلى طاولة المفاوضات من جديد. هنا، لم يعد التعليم في الرواية بالنسبة إليّ مجرد دراسة أو شهادة. أصبح سؤالًا عن حقّ الإنسان، وهنا المرأة، في أن يتطور دون أن يحتاج في كلّ مرة إلى انتزاع الإذن من جديد كي يفعل. كم هو مرهق أن تشعر المرأة أن عليها في كلّ مرحلة جديدة أن تشرح لماذا تريد أن تتعلّم، أن تعمل، أنها تريد المزيد من المساحة، ولماذا لم تعد قانعة أو مكتفية بالنسخة التي كانت عليها قبل سنوات. هنا كانت المواجهة بين أمل وسالم في نهاية علاقتهما، أنّها لم تعد تلك الفتاة الصغيرة، وأنَّها تغيّرت وتطوّرت، ولم يعد ممكنًا أن يستهزئ بها وأن يسأل ما إذا كانت أعلم منه وأفهم! مواجهة عبرتني عدّة مرّات. فكيف يفهم الزوج أنَّ الزوجة لم تعد بعمر السادسة عشرة أو الثامنة عشرة، بل تقدّمت سنًا، ونضجت علمًا وفهمًا وجرأةً!!
الأشد إيلامًا من فصول الرواية أن الأمر لم يتوقف عند عقل أمل ومستقبلها بل وصل إلى جسدها. أزعجتني الطريقة التي بدا فيها جسدها، أحيانًا، وكأنه أمر مفهوم ضمنًا في العلاقة الزوجيّة. كأن وجود الزواج يكفي لإسقاط السؤال عن رغبتها وإرادتها هي. ثم جاءت محاولات الإنجاب والتلقيح الاصطناعي لتجعل ذلك السؤال أكثر إلحاحًا: مَن يتحمّل الألم؟ ومَن الذي يقرّر أن الجسد قادر على محاولة أخرى؟ وجدت نفسي أسأل وأنا أقرأ: متى يصبح جسد المرأة لها تمامًا؟ ورغم كل ذلك، لم أستطع أن أكره سالم كراهية كاملة. تسلّلت إليّ نحوه لحظات قليلة من الشفقة والتعاطف. ربما هنا بالذات نجحت حنين الصايغ في جعل الشخصيّة إنسانية حقًا؛ فالأشخاص الذين يؤلموننا ليسوا دائمًا أشرارًا خالصين. قد يكونوا مثلنا، يحبّون ويتألّمون ويخافون ويشعرون بالحرمان أيضًا. لكن ألم إنسان مثل سالم لا يمحو الألم الذي يسبّبه للآخرين.
ثم جاء الجزء الذي كان أشد وطأة عليّ من كل ما سبق: اكتئاب أمل، التقوقع، أشهر الفراغ، الانفصال عن الذات، الغربة عنها، جلدها. ذلك الشعور القاسي بأنك تتحرّك طوال الوقت، بينما أنت لا تتقدّم فعلًا. عرفت هذه اللغة بحقّ. فأنا التي أكملتُ لقبًا أكاديميًّا تلو آخرَ جامعيًّا، مع فيضٍ من الدورات والشهادات هنا وهناك، لا أزال ألتفت إلى ذاتي، لأجدها لم تبرح مكانها! لهذا ربّما أنني بكيت في صفحات لم تكن بالضرورة أكثر صفحات الرواية مأساوية. كان البكاء، أحيانًا، يأتي من دقّة التوصيف؛ من أن شخصًا كتب لك شعورك الذي عشته، لكنك لم تعرف كيف تمنحه اسمًا في حينه.
كم من السنوات يمكن أن تمرّ على الإنسان وهو ينجز واجباته، يؤدّي أدواره، يربّي، يتعلم، يعمل، ينهض في الصباح وينام في المساء، وتبدو حياته من الخارج ممتلئة بالحركة، بينما يسأله صوت في الداخل:
وأنا؟ إلى أين وصلتُ أنا؟
ولهذا ربما كان ظهور حامد في الرواية بالنسبة إليّ أكثر من مجرّد تطوّر عاطفيّ في الرواية. نعم، سأعترف: حسدتُ أمل عليه. لكنني حين فكرت في الأمر، اكتشفت أنني ربما لم أحسدها على رجل بقدر ما حسدتها على الشعور الذي مثّله وجوده. وأخيرًا، هناك مَن يراها ويشعر بها. يلتفت إلى عقلها وكلماتها وأسئلتها، إلى المرأة التي أصبحتها. أن يكون تطورها سببًا للاقتراب منها لا شيئًا ينبغي التفاوض حول حدوده. وأن تكتشف بعد سنوات طويلة أنها ما زالت قادرة على الشعور، وعلى انتظار حديث، وعلى الاشتياق، وعلى أن يكون حضور إنسان ما قادرًا على جعل يومها مختلفًا عن الأمس. ربما لهذا كان حامد مهمًّا بالنسبة إليّ: لأنه أعاد السؤال مِن “مَن يُحبّ أمل؟” إلى سؤال أكثر عمقًا: “كيف تشعر أمل عندما تكون محبوبة؟
هنا تجاوزت الرواية حدودها تمامًا. وجدتني لا أسأل عن أمل، بل عن نفسي: كيف أريد أن أشعر وأنا محبوبة حقًّا؟ كيف أعرف أنني شاعرة بنفسي؟ حاضرة بأفكاري ومشاعري؟ لا لكوني فردًا داعمًا للأسرة، بِكر العائلة، وأختًا لثلاث غيرها؟ وما الفرق بين أن تمر الحياة كسنين مهرولةً بين اثنين، وبين أن يعيشاها معًا؟
ثم جاءت مصادفة صغيرة كان يمكن أن تكون مجرد رقم، لكنها أصابتني في مكان شديد الحساسية. ثلاثة عشر عامًا. ثلاثة عشر عامًا من زواج أمل وسالم. وأنا أقرأها بالتزامن مع ذكرى زواجي الثالثة عشرة. تزامنٌ جاءَ بدقّة لم تكن لتكون أدقّ من ذلك، حيث صادفت الذكرى في السابع من أيلول. لا أريد أن أجعل من الرقم نبوءة، ولا من الرواية خريطة لحياتي. لكن بعض المصادفات لا تدلّ على ما سيحدث؛ إنها تجعلنا فقط ننتبه إلى ما يحدث بالفعل! فجأة عرفت تمامًا عنى ثلاثة عشر عامًا. عرفت كم يومًا يمكن أن تحتوي، وكم مرّة يمكن للإنسان خلالها أن يؤجل سؤالًا، وكم يمكن للحياة أن تصبح مألوفة حتى نظنّ أن المألوف هو الممكن الوحيد. ومع ذلك، لا أريد أن أخرج من «ميثاق النساء» بأيّ استنتاج عن الزواج، ولا عن الرجال، ولا حتى عن الحب. خرجت منها بسؤال عن الذات. عن تلك النسخة من الإنسان التي قد تضيع بهدوء بين الأدوار والواجبات والسنوات، ثم يكتشف فجأة أنه يشتاق إليها: إلى طاقته وحيويته وبهجته وتطلعه إلى الحياة. ربما لهذا لم تكن أمل بالنسبة إليّ بطلة رواية وحسب. كانت مرآة. والمرايا الصادقة لا تخبرنا ماذا علينا أن نفعل. إنها تمنعنا فقط، بعد أن نرى، من الادعاء أننا لم نرَ!
ولهذا، عندما طويت غلاف «ميثاق النساء»، لم أشعر أنني أنهيت رواية. شعرت أن الرواية بدأت شيئًا في داخلي. وللمرّة الأولى منذ زمن، لم يكن السؤال الذي تركته لي: ماذا حدث لأمل؟ بل: ماذا حدث لي أنا؟
9 أيلول 2026















