ناصر اللقاني*
منذ اللحظة الأولى في “باتمان حلوان”، الرواية الأحدث لطارق إمام، سوف يتلاعب بنا الزمن، لن نعرف ماذا تعني كلمة “الآن”، تلك الكلمة التي تسير معنا طيلة رحلة الحياة، تمنحنا الثقة في الوعي والإدراك حتى نطمئن إلى حواسنا وعقولنا، ثم تخلط أوراق الماضي والمستقبل على طاولة الحاضر، إقراراً وإنكاراً.
“الآن”، تلك الكلمة السائلة أحيانًا والرخوة دائمًا، والتي تستمد سلطتها من تأرجحها بين داخلنا وخارجنا.
منذ اللحظة الأولى أيضاً، سوف تتلاعب بنا اللغة، سوف تأخذنا إلى مستوى آخر من مستويات الوعي والإدراك، وسوف تنقلنا إلى آفاق ملتبسة، ستفقدنا الثقة في معانيها بعد أن أفقدنا الزمن الثقة في اتِّجاه سريانه، سوف نشهد واقعاً غير الذي نظن أننا نعيشه: “هل يتغيَّر الواقع إذا تغيَّرت اللغة؟”
الرواية الصادرة مؤخراً عن “منشورات تكوين” بالكويت والعراق، وفي طبعة مصرية خاصة عن “ديوان للنشر” بالقاهرة، ليست مجرد نص عن حكايات باتمان وشخصياتها المعروفة من الأخيار والأشرار، ليست إسقاطاً لها على أرضنا وواقعنا، ولكنها عن إسقاطنا نحن على أرض تلك الحكايات وواقعها، لعلنا نلقي نظرة على أنفسنا من جديد، لعلنا ننزع أثواب الإثم والبراءة، ونبحث عن هواء آخر غير الذي نتنفسه: “هواء مُعادٌ لمدينةٍ تتنفس زفيرَها”.
حكايات الناس والمدينة
ينطلق طارق إمام من واقعة شهيرة حدثت في حلوان سنة ٢٠٢٢؛ واقعة (باتمان حلوان) التي بدأت كمزحة بين مستخدمين مراهقين للسوشيال ميديا وانتهت بمأساة. يجرَّ إمام الحادثة عشر سنوات إلى الأمام، إلى سنة ٢٠٣٢، ثم يعيد إسقاطها على الحاضر مرة ثانية، ليختبر ما علق بها من بقايا المعاني التي لم يُفرغها حدوثها الأول، وما لحق بها من أردية الطهر والدنس التي لم يفرزها حدوثُها الثاني.
ستقابل كل شخصيات مرويات باتمان المعروفة، وستقابل نسخهم التي تعيش على أرض حلوان: ستتعرف على چو وباتمان وچوكر، وعلى سيلينا وكاتوومان وسيلينى وباتجيرل، وعلى الضابط وبطريق وفالكون، وثناء وسناء، وعلى المحامي العام وتو فيس، وعلى رجل الألغاز وفزّاعة ورجل التقويم وآيفي السامة وغيرهم.
ستسأل نفسك: كيف أقرأ هذه الرواية؟ حول من تدور الفكرة والأحداث؟ حول چو أم سيلينا؟ أم حولنا نحن؟ ستحاول تتبع الزمن، مرة من خارج الشخصيات ومرة من داخلها، وستحاول فهم اللغة، واللغة الموازية، وستحاول الترجمة، وربما سوف تتعلم اللغة السيلينية، وتتحدثها بطلاقة:
“ومثلما اختلقت سيلينا قبل سنوات ترجمةً خاطئة واعزها الخوف، شَرَعت كاتوومان الآن تختلق ترجمةً جديدة خاطئة، واعزها الجهل”.
ستظن أن عشر سنوات قد مرت من دون أن نشعر، ومن دون أن يشعر چو، أو يوسف، أو (ي.ت.س.) أحد الطلاب الأربعة أصحاب واقعة ٢٠٢٢، فقد أمضى منها خمس سنوات قابعاً داخل مصحة أركان للمخبولين (آركام الرواية) وقضى الخمس الأخرى هائماً في زمكان حلوان (جوثام الرواية)، ستعود إلى محل الباروكات ومحل الحلاقة، ثم ستأتي إلى محطات المترو، ومصنع الكيماويات، ومدن الملاهي، والكابريتاچ، والملهى، ومقبرة السيارات، وبيت سيلينا، وغرفة ثناء.

ستسمع الصوت يأتي من داخل رأس چو أو ربما من خارج السرد ذاته، مرّات ومرّات: “اخرس”، و
سيتحول چو “من ذاتٍ مقذوفةٍ في الوجود إلى دور مصنوع في قصة”.
ستجد السرد ينهمر من فوق أسطح أروقة الواقع ودروب الخيال ومسامات الوعي، ملتحفاً بشخصيات حكايات باتمان، الأخيار والأشرار، ملتقطاً بين الحين والآخر قطراتٍ تتساقط من سطور ألف ليلة وليلة.
ستستمتع بتلك الحوارات حول أشباه المشاهير، أشباه الزعيم وإمام الدعاة والعندليب وفخر العرب والكنج والهضبة ونمبر وان، عندما كان الأشباه يجوبون الشوارع ومحطات المترو.
ستحيا زمنين وتتحدث لغتين، بين الخارج والداخل، وربما ستقرر في النهاية أن تمضي مع سريان الزمن إلى الأعلى واتجاه اللغة إلى الداخل، بعد أن تحاول قراءة المعنى في كل فصل من فصول الرواية، وتحديد الاسماء والمسميات، والوجوه والأقنعة، وفرز شخصياتها الكنائية وشخصياتها الاستعارية.
“بيأسٍ متنامٍ، أصبح عثور چو على أبيه مجرد غطاء للعثور على المدينة”: يواصل طارق إمام انشغاله بالمدينة، بتلك الفضاءات الذهنية والنفسية والوجدانية والزمانية والمكانية، بالأضواء والظلال؛ ماذا يحدث في المدينة، ماذا يحدث للناس والأماكن، للزمن واللغة والأفكار والمعاني، مع كل الاحتمالات المفتوحة على الوجود، أو ربما المفتوحة على العدم.
غابةُ المرايا المزدوجة
يغرقنا السرد في فيضان من الثنائيات والازدواجات، ثنائيات الشخصيات وازدواجات المشاهد السردية، ستحاول أن ترفع رأسك وسط فيضان السرد كي تلتقط بعض الأنفاس، وستتفاجأ بأن تلك الشخصيات التي تَثَنَّيَت قد ازدوجت مرة أخرى، وهكذا ستمضي مع لعبة التثني والازدواج إلى النهاية:
“انقلبت حياتها في ليلة من معاون نيابة ينتظر مباشرة قضيته الأولى في نيابة حلوان، إلى راقصة تستعد لـ”نمرتها” الأولى في ملهى مشبوه”.
مع انشطار الشخصيات، ستحتاج لأن تجد شخصية كي تقف بجوارها، تتشبث بها، تري ذلك العالم بعيونها، ستجد شخصيات تخرج من شخصيات، ستتملكك الحيرة، وستتقلب بينهم لتحاول أن تعرف أي زاوية رؤية هي الحقيقة، ستدرك لاحقاً أنه لا توجد حقيقة واحدة، أو ربما لا توجد حقيقة على الإطلاق، ستجرفك الافتراضات حتى تظن أنه لا يوجد واقع أصلاً: .
“شاشة بداخل شاشة، تشعر بأن الواقع يبتعد”.
ستجد أزواجاً من المشاهد السردية لسيلينا وغيرها، تتكرر بنفس السيناريو والحوار مع اختلافات طفيفة، ستحاول أن تفهم اختلافات اللغة والترجمة، ستشعر بأن شخصيات تلك المشاهد قد تمردت على الكاتب نفسه، فطفقت ترتجل وتخرج عن النص، وتلعب أدوارها كما يحلو لها:
لا أحب أن أكون حياة معادة، أُفضِّل بالمقابل أن أكون حاضراً مبدداً”. “
ستتابع الإعلام، حلوانتيوب وحلوانتوك وحلوانفون، وفالكون برودكشن وچوكرز شو، وستقرأ صحف حلوان الثلاث، وستسير في كل الأماكن، وستهرب من كل الرموز والدلالات، من كل الأحياء والأموات.
هكذا يحيلنا النص إلى شخصيات خيالية عديدة من شخصيات حكايات باتمان المقروءة والمرئية، وكذلك إلى شخصيات حقيقية مثل عادل إمام والشيخ الشعراوي وعبد الحليم حافظ ومحمد صلاح ومحمد منير وعمرو دياب ومحمد رمضان وويجز وحمو بيكا، وغيرهم.
وتُقدِّم لنا “باتمان حلوان” تجربة فريدة وبارعة، عندما تدمج الكوميكس في سياق السرد، ما أضاف جانباً بصرياً للتلقي، ساهم في تأكيد الحالة الذهنية والنفسية لدى القارئ، كما منح نهاية سينمائية لصفحات الرواية، مغامرة جريئة تستحق تحية خاصة.
وتبلغ الدهشة وتفكيك الإيهام ذروتهما حين تكشف الرواية أن سيلينا تعشق أعمال طارق إمام، إذ تناص السرد مع مجموعته البديعة “أقاصيص أقصر من أعمار أصحابها” (أقصوصة س،ج النوافذ)، حين كانت على علم بالسؤال والجواب، وحيث سنعرف أيضاً أن أباها الضابط يصادر أعماله!
بطلة الرواية تعشق أعمال كاتبها، وأبوها يصادر تلك الأعمال، يا له من جنون فاتن!
بين طاوية لاو تسو التناوبية وعدمية نيتشه التفكيكية
الطاوية فلسفة صينية قديمة، من أهم مفاهيمها الين واليانج اللذين يصفان كيف أن القوى المتضادة في الكون ليست متصارعة لكنها في الواقع متكاملة ومترابطة ومتناوبة وتعتمد على بعضها البعض ولا يمكن لأحدهما الوجود دون الآخر. بالمقابل، فإن العدمية النيتشوية هي فلسفة ترى أن القيم والمبادئ التقليدية قد فقدت سلطتها ومعناها في العصر الحديث وقد قدمت تمهيداً جذرياً لفلسفات ما بعد الحداثة من خلال تحطيم الأصول الثابتة لمفاهيم العقل والأخلاق والحقيقة وكشف زيفها التاريخي:
“لطالما استحوذت عليه فكرة أن كلّ يوم يعيشه هو في حقيقة الأمر يومٌ فائض، هو مدين به ليس للوجود، وإنما للعدم الذي أخطأه”.
في هذه الرواية، يحاول طارق إمام طرح السؤال الفلسفي الأخطر (من خلال الفلسفتين المذكورتين) واختباره داخل الرواية: هل يكون بإمكان باتمان أن يصبح چوكر؟، ثم استخدم شخصيات حكايات باتمان كعدسة فلسفية لاستكشاف قضايا ومعضلات أخلاقية واجتماعية، وطرح أسئلة عن الإنسان والهوية والعدالة، من خلال ما حدث في عشر سنوات ظاهرة، بخلاف سنوات أخرى مضمرة، تمكَّن بعدها چوكر من السطو على أحداث الرواية واستولى على القارئ، فهو ليس مجرد صورة لمهرج مجرم أو حتى قاتل شنيع، لكنه يمثل النقيض الأيديولوجي الكامل لباتمان، والأداة التي يمكنها اختبار صلابة القيم الإنسانية للمجتمع، فلسفياً ونفسياً، بل يمكنها حتى إثارة التساؤل حول باتمان نفسه؛ هل هو تلك الشخصية الجيدة والصائبة والفاضلة، التي ذهبت إلى حدود بعيدة في التفاني لدوره ومهمته؟
“هو أيضاً صار بدوره شخصاً آخر _عزَّى نفسه _ وبتطرفٍ حدِّي، فقد وقف أمام هذا الباب لأول مرة وهو باتمان، ويقف أمامه الآن وهو چوكر”.
تثير “باتمان حلوان” إشكاليات وتنكأ أسئلة احتارت معها الفلسفة، وانشغل بها المفكرون:
“ما الذي يجعل أولئك الباتمانز عقلاء؟ هل مظهر أشخاص بأقنعة وطاويط أكثر معقولية من مظهر أشخاص بوجوه مهرجين؟ إنهم متطابقون أيضاً، وإن كانت يد چوكر هي من حوَّلت المتهمين إلى شخص واحد، أيّ يدٍ حوَّلت هؤلاء؟ إنهم مجانين بدورهم، لكنهم، ببساطة، ينوبون عن جنون السلطة، ذلك الجنون الذي للمفارقة، يكتسب مسماه من أكثر ما يميز العقل: النظام”.
ستندمج مع جنون المدينة، وستصبح واحدًا منهم، أقصد باتمان أو چوكر، كاتوومان أو باتجيرل، ولست متأكداً هل سيكون بمقدورك أن تختار من ستكون؟
كلّكم باتچوكرز حقيقيون الآن، ومن أراد أن يقتل باتچوكر.. فليقتل الجميع”. “
الرواية تموج بالرؤى الفلسفية المتنوعة فوق ما ذكرته هنا، وعناوين الفصول (الحلقات) تشي بذلك، حتى أنني عندما وصلتُ إلى الحلقة الأخيرة، ووجدت عنوانها هو (الوجود والعدم)، أيقنت أن أمامي قراءة ثانية للرواية.
…………………….
*ناقد مصري














