محمد العرفي
الموتُ كالحِرباء
يُغيّرُ جلدَهُ كيفما يشاء
بانفصالٍ تامٍ
عمّا نعرفه
يجوبُ الأصقاعَ
ليلًا ونهارًا
متخفّيًا
يأتي
مرّةً حادثًا
يطرقُ بابَ العجلة
ومرّةً مرضًا
يستعيرُ جسدًا
ثم لا يعيده
يُقنعُ الجنين
أنّ الخارجَ غابة
وألّا يمسَّ الأرض حيًّا
ويُطمئنُ المسافر
أنّ ثمّةَ عائلةً
قبل نهايةِ السِّكّة
يوهمُ المريض بالتعافي
ثم يزوره
في أوجِ فرحته
بمغادرةِ الفراش
مرّةً بعد مرّة
يقصدُ
من لهُ ومن لا عليه
فيه من الالتباسِ ما يُفزع
وفيه من الحقيقةِ
ما يُجبرُ الضحية
على الانتظار
دون دفاع
الموتُ لا يحتار
ولا يراجعُ قراراته
يمضي
ولا يلتفتُ إلى الخلف
في كلِّ أرضٍ
لهُ أثر:
نارٌ تأكلُ ظلَّها
جوعٌ يمدُّ يدَهُ للعظم
بحرٌ
يتدرّبُ على الغرق
الموتُ كالصاروخ
في سرعته
حدّته
ودقّةِ تنفيذٍ
لا تُخطئ
ومن بلدٍ
إلى بلد
يقطفُ الأسماء
كما لو أنّها
ثمارٌ ناضجة
ففي فلسطين
يُحاصرُ
مسلمًا ومسيحيًا
بنارٍ لم يُرَ مثلُها
وجوعٍ مستنصريّ
فبأيِّ طريقٍ
يختارُ لهما المغادرة؟
أَيحبسُ أنفاسهما
خوفًا من النار؟
أم يشقُّ صدورهما
عطشًا؟
وفي طريق عودتهِ
التي لا نعلمها
يمرُّ بروسيا
وأوكرانيا
يخطفُ عشراتِ الأرواح
ثم يمضي إلى اليمن
عبر المحيط
أو باب المندب
في الجبال
صراعٌ حادٌّ هناك
لكنّ عينَهُ أبعد:
يختارُ من السودان
ثلةً أخرى
فلا أحدَ يسأله: لماذا؟
ولا يُجيب
فبرغم كلِّ هذه الأعداد
لا ينسى الصومال
ولا ينسى شرودَهُ
في العراقِ وسوريا
يمضي
كأنّه فكرةٌ
تتعثّرُ في الاستقرار
فيطلبُ المزيد
وقبل أن يغادر
يمرُّ بلبنان
يتخفّى بين تلال الأرز
ومنحدراتها
الموتُ كالريح
منذ الأخوين آدم
حتى آخر روح
لا نوافذ تمنعه
ولا رصاصٌ يردّه
حتى الستراتُ الواقية
أمامَهُ
ورقاتُ توت
أثَمّةَ رادارٌ
يتتبّعُ أثره؟
أم أنّ التكنولوجيا
في عراءٍ مفتوح؟
الموتُ كالساعة
لا تُخلِفُ موعدًا
ولا يتوقّفُ عقربُها
إلّا بعطبها
***
الموتُ غايةُ الضعفاء
ما يتسرّب
الحياةُ ومضة
برقٌ
ورعدٌ
بلا مطر
قطعةُ معدنٍ
سقطت من يدِ طفل
صورةٌ
لم تُحمَّض
مزحةٌ
لم تُضحك أحدًا
سرابُ بئرٍ
في القفار
لعبةُ رضيعٍ
لا تُستبدل
عندما يمل منها
عُقمٌ
كأرضٍ بور
لا وارث فيها
ولا موروث
الحياةُ كيومٍ
يُمسِي غدًا
والغدُ ماضٍ
لا محالة
والأمسُ أمسى
وانتهى
الحياة لحظة
في مطلعها
ونعومةُ أظافرها
وشروقٌ
يسيرُ إلى غروبه
بين شهيقٍ
وزفير
وبين صرختين
من سوادٍ
إلى شروقٍ تدريجي
ومن شروقٍ
إلى سوادٍ متقطّع
تحت كلّ خطوةٍ
تعثّر
وفوق كلّ حركةٍ
انقطاع
الحياةُ مأساةٌ
وفواتُ أوان
وهذا
ما يُحزننا جميعًا
نستفيقُ معًا
وننامُ بكلّ ما نملك
ولا سرّ فيما أقول:
النهارُ
لا يستطيع البقاء
والليلُ
يستقلُّ القطار
قبل موعده
الحياةُ سجينةُ
الأراضي السبع
ولا مفرّ
من قبضتها
فلا تنخدعوا:
الضحكاتُ
على الأفواه
عواقبُها
كُحلٌ سائل
على الوجنات
لا نور
يُضيءُ العتبات
ولا نوافذ
تُغنّي بالفرح
لا شيء يدوم:
لا عطر
لا حُمرة خدود
لا لمعان جباه
لا الأسودُ يبقى
ولا الموفُ
ولا الأسواق
ولا المآذن
ولا أجراسُ الكنائس
لا بيتٌ بطول
ولا فيلّا بعرض
ولا مطبخٌ
أمريكيّ
أو أوروبي
سننسى
مبكّرًا
حتى الطعام
والعصوين
والشوكة
الحياةُ كألمٍ سريع
مثل وخز إبرة
لا تُرى عيانًا
وإن رأيتَها
فهي مرآة
أو ظلّ
أو انعكاسُ بحيرة
الأولُ مهدّدٌ بالكسر
الثاني يُقطَعُ بعابر
والثالثُ
بحجرٍ صغير
يرتبك ويختفي
ولو كان بحجم الجبال.
…………………..
*شاعر من مصر








