محطات في رحلة قطار الحياة

كريمة الحفناوي

جمال الطيب

مقدمة

أدب السيرة الذاتية هو فن نثري يروي فيه الكاتب قصة حياته أو جزءاً منها، معتمداً على الذاكرة لتوثيق الأحداث الشخصية، والمشاعر الداخلية، والتطور الفكري، بأسلوب أدبي يجمع بين الواقعية والسرد القصصي، ويهدف هذا النوع إلى تقديم صورة صادقة عن تجربة إنسانية فريدة، ومن أبرز خصائص أدب السيرة الذاتية هو أنه يتمحور حول شخصية الكاتب (المؤلف، الراوي، والبطل).. فهم في الحقيقة شخص واحد.

جاءت هذه المقدمة كاستهلال لقراءة في كتاب “مشوار الحياة.. يوميات صيدلانية”، للكاتبة “د. كريمة الحفناوي”، والصادرة عن “دار النسيم للنشر والتوزيع”- القاهرة- 2025م. والذي تروي من خلاله سيرتها الذاتية ومشوارها الطويل في معترك الحياة، بداية من مرحلة طفولتها، وما شهدته سنين العُمر بعدها من أحداث على المستوى الخاص وذلك بما مرّ في حياتها من أحداث تنوَّعت بين الفن وعشقها للمسرح، والدراسة وحصولها على بكالوريوس الصيدلة من جامعة القاهرة، والسياسة واشتغالها بالعمل السياسي وسنوات السجن التي قضتها خلف أسواره. على المستوى العام بما شهدته البلاد من أحداث سياسية واقتصادية. محطات عديدة توقف عندها قطار الحياة الذي استقلته الدكتورة “كريمة الحفناوي”.

المحطة الأولى (المرحلة الابتدائية)

بدأت الموهبة لدى “د. كريمة الحفناوي” منذ الطفولة المبكرة في الغناء والتمثيل، ودفعتها موهبتها لدخول الإذاعة وهي ما زالت في السنة الابتدائية.

المحطة الثانية (المرحلة الثانوية)

في أواخر عام 1969 قامت بغناء تتر المقدمة والنهاية لبرنامج “ماذا لو” بإذاعة الشعب، من إخراج “محمد سمير حسني”، في عام 1970 قامت ببطولة مسلسل “صندوق الدنيا”، من تأليف الشاعر “سمير عبد الباقي”، وغناء “عدلي فخري”، ومن إخراج “محمد سمير حسني”، والذي تمت إذاعته طوال شهر أبريل على موجات إذاعة الشعب. بانتهاء المرحلة الثانوية وعلى مشارف المرحلة الجامعية، و في السادس من أكتوبر من عام 1971، تم الزواج من “محمد سمير حسني” مقدم البرامج والمعدّ والمخرج بإذاعة الشعب، قبل دخولها الجامعة بعشرة أيام، والذي تعرّفت عليه عن طريق الشاعر “شوقي حجاب”. وأثمر الزواج بنتين: الأولى (نسرين “السبت 17 مايو 1980″، والثانية (رشا “الخميس 5 نوفمبر 1981”).

المحطة الثالثة (المرحلة الجامعية)

جاء دخول كلية الصيدلة، كتبعيات لحادثة وقعت لوالدتها، تقول عنها: “كانت أمي فوق في الصندرة (وهي عبارة عن مكان تحت سقف المطبخ، أو أحد الحجرات لتخزين الأشياء، وأحيانًا “الكراكيب” التي لا نحتاجها، وأيضًا خزين البيت من السلع الغذائية)، وأثناء نزولها فوق السلم الخشبي انزلقت إحدى قدميها ووقعت على رأسها من ارتفاع يصل لثلاثة أمتار (واتفتحت دماغها) وبدأت تنزف، وسالت الدماء على بلاط الصالة وصبغته باللون الأحمر… . “لقد حزنت على أمي حزنًا كبيرًا جعلني أتمنى، أو ربما أصمم، على أن أدخل كلية الطب أو الصيدلة”

 (ص10). تفاعلت في الجامعة مع الحركة الطلابية وقامت بكتابة المقالات في الصحافة بالجامعة، وانضمامها إلى اعتصام الطلبة في قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة في يناير 1972، وكذلك الانضمام لنادي الفكر الاشتراكي، لتقرر بعدها الانضمام للعمل العام وممارسة دور سياسي منحاز لهموم الناس وقضايا الوطن.

مجموعة “أهالي المعتقلين”

تعرفنا الكاتبة بالمجموعة، قائلة: “تكونت في هذه الفترة (عام 1972) مجموعة (أهالي المعتقلين) والتي قامت بدور كبير خلال هذه الفترة.. وبعدها لعدد من السنوات، في كل الاعتقالات التي طالت الحركة الطلابية، حيث قاموا بعديد من المهام، الاتصال بأسر المعتقلين وترتيب زيارتهم، ودخول احتياجاتهم داخل السجن من أكل وملابس، وكتب وأوراق وأقلام للطلبة، وأيضًا الاتصال بالمحامين وحضور الجلسات، وكانوا حلقة الوصل بين المعتقلين وأهاليهم، والمهتمين من السياسيين والمثقفين خارج أسوار السجن”. (ص22).

المحطة الرابعة (النشاط المسرحي وجماعة الدراما)

تروي: “وفي أواخر صيف عام 1973 اتفق مجموعة من الفنانين والأصدقاء على تكوين جماعة مسرحية، وتم تأسيس “جماعة الدراما” بالتعاون مع المركز الثقافي السوفيتي. بدأت الجماعة أول عروضها “في حب مصر” تاليف وأشعار سمير عبد الباقي، وألحان وغناء عدلي فخري، وشاركنا معهم أنا وسمير في العرض الثاني “كانت وهتفضل مصر” وفي العديد من الأمسيات والمسرحيات”. (ص23).

المحطة الخامسة (الفن والدراسة والسياسة)

 “وبجانب دراستي في الكلية التي تتطلب وقتًا ومجهودًا.. بين المحاضرات والمعامل، حافظت على نشاطي السياسي، وأيضًا انضممت للجنة الفنية بالكلية وشاركت في بطولة مسرحيتين مع الزميل مجدي أحمد علي، الأولى مسرحية “الغريب” عام ١٩٧٣، والثانية مسرحية “عبور” تأليف حمدي عباس وإخراج الفنان محمد متولي عام 1974″. (ص25).

 التعثر في الكلية وسنوات السجن

كان لنشاط “د. كريمة الحفناوي” السياسي وتعرضها للاعتقال أثره السلبي على انتظام دراستها بكلية الصيدلة. تتحدث عن هذه السنوات من مشوار حياتها، فتقول عنها: “تم القبض عليَّ في شهر فبراير ١٩٧٣ في إحدى مظاهرات الجامعة، وتم اعتقالي لمدة شهر في مديرية أمن الجيزة وثلاثة أشهر في سجن القناطر، وطبعًا لم أستطع حضور الامتحانات في هذا العام وكان لابد من إعادة السنة”. (ص25).. تواصل: “ثلاثة أشهر من مارس إلى أواخر شهر مايو عام ١٩٧٣، قضيتها في سجن القناطر، عقب القبض عليَّ في شهر فبراير، بعد خروجي من الجامعة على رأس مسيرة كبيرة إلى حي بين السرايات المجاور للجامعة”. (ص25).. تستكمل:

“عقب هروبي بعد إغلاق الجامعة في ١٩ يناير ١٩٧٧، أصدرت جامعة القاهرة ( وأنا هاربة) في ١٤ فبراير ١٩٧٧ قرارًا برفدي من بكالوريوس الصيدلة نهائيًّا، حيث جاء بالتحريات (تزعمت مظاهرات الجامعة في ١٨ يناير)، وكان لابد من رفع قضية أمام القضاء المستعجل للطعن على القرار، وفي مايو صدر الحكم بوقف القرار ورجوعي إلى الجامعة بعد أن ضاعت عليَّ امتحانات العملي، ولكن ما زال هناك أمل في دخولي بعض المواد في التحريري والشفوي، فقررت دخول الامتحان في بقية المواد (واللي يحصل يحصل). (ص43).

المحطة السادسة (مسرح الثقافة الجماهيرية)

انضمت الكاتبة كممثلة مسرح إلى كتيبة فناني مسرح الثقافة الجماهيرية والتي ضمت مجموعات من المخرجين المتميزين فنيًّا وفكريًّا، والتي آمنت بأن الفن رسالة وأخذت على عاتقها نشر الرسالة عبر مسارح وقصور وبيوت ونوادي الثقافة الجماهيرية في كل محافظات ومدن و قُرى ونجوع مصر. تختتم دكتورة “كريمة الحفناوي” هذه المرحلة العُمرية الحافلة بالأحداث في مجالات الفن والسياسة والدراسة، بقولها” “قضيتُ سنوات الدراسة بين المدرجات والمعامل وامتحانات العملي والتحريري والشفوي والمؤتمرات السياسية، واشتراكي في عضوية نادي الفكر الاشتراكي عام 1976، والمظاهرات والاحتجاجات، والوقوف على خشبة المسرح في الثقافة الجماهيرية، حتى تخرجي في دور نوفمبر عام 1978 متأخرة عامين عن دفعتي التي تخرجت في 197، حيث كان عليَّ إعادة سنة أولى نتيجة للقبض عليَّ وذهابي إلى السجن كما أوضحت من قبل عام 1973، وفي عام 1977 وأنا في بكالوريوس الصيدلة تم رفدي نهائيّا من الجامعة باعتباري أحد قيادات انتفاضة 18و19 يناير 1977”. (ص39).

المحطة السابعة (بداية مزاولة العمل الحُر)

فور تخرج الدكتورة من الجامعة أواخر عام ١٩٧٨، التحقت بالعمل بشركة القاهرة للأدوية، ولكنها لم تستمر في العمل طوبلا، فقد تم رفدها بعد شهرين من العمل، بعد تقرير أمن الدولة يتعلق بنشاطها السياسي، بعدها لم يكن أمام “د. كريمة الحفناوي” سوى الاتجاه إلى العمل الحُر بعد أن أُغلقت أمامها أبواب المصالح الحكومية، فكانت البداية بقرية “مزغونة” بمركز البدرشين بمحافظة الجيزة.

صيدلية “مزغونة”

 تم الافتتاح في يونية عام 1979، وتم تسميتها بــ “صيدلية الأمل الجديدة”.. “بالتدريج بدأ أهالي مزغونة والقرى المجاورة يثقون بي وبالصيدلية”. (ص55). وتقول الكاتبة عن تجربتها هناك: “اعتبرتني نساء المنطقة شيئًا كبيرًا وعظيمًا، ووجدت كل واحدة منهن صورتها في الست الدكتورة، التي تقف نِدًّا بند للرجال، وتعمل وتحقق استقلالها الاقتصادي، وكنت أعلم في داخلي أن كل واحدة منهن تجد في شخصي السيدة التي حطمت القيود التي تكبل المرأة منذ زمن طويل”. (ص47). بعد أربع سنوات في قرية “مزعونة”، بعدها انتقلت صيدلية الأمل إلى قرية برنشت، وتم افتتاحها في فبراير من عام 1984. إلى “برنشت” تصحبنا الكاتبة وتعرفنا بشخصيات قابلتها كانت تتردد على الصيدلية، نجد أنفسنا نحبها ونتعاطف معها، لم يفقدها الفقر إنسانيتها.

الخِلفة وعدم الإنجاب

أكثر ما تعانيه المرأة الريفية هي مشكلة الخِلفة وعدم الإنجاب كما ترويها الكاتبة على لسان المترددات على الصيدلية، في حواراتها معهن، الأولى تُدعى “سيدة علي درويش”:

“- طب يا سيدة إنتي عندك أولاد؟

– لأ.. أنا اتطلقت علشان ما بخلَّفش، وهو كان بيطلَّع عيني وياخد فلوسي، ودلوقتي قاعدة مع أخويا، وأمي ست كبيرة وقاعدة بمشنة خُضار.. وأهو ربنا بيرزقها”. (ص88).. والحالة الثانية من المترددات على الصيدلية، ترويها لنا الدكتورة: “جلست على الكرسي وهي غاضبة ومنفعلة، والدموع تملأعينيها، وخرجت الكلمات من فمها كطلقات الرصاص في كل اتجاه:

– كنت متجوزة، وقاعدة معاه ومبسوطة 24 قيراط، وروحت أنا وجوزي لأحسن دكاترة في باب اللوق وقال له الدكتور:

– ده مفيش دودة واحدة (حيوانات منوية) عشان تخلَّف.

قلت لها موضحًا:

– هذه معناه أنه السبب في عدم الإنجاب.

لم تلتفت لكلامي واستطردت غاضبة:

– تصورى.. بعد ما تحملته ده كله.. بعد عشرين سنة، طلقني واتجوز عليّ، ومن ساعتها ربنا ملرضيش عنه،اتجوز 3 مرات، وكل واحدة يتجوزها سنتين ويسيبها”. (ص113/114). فالرجل هناك أبعد ما يكون عن السبب، فالعيب دائمًا ما يلحق بالمرأة هناك.

طرائف الزبائن اللائي يترددن على الصيدلية:

من فصل بعنوان “البرشام اللي بيشخلل”، تروي لنا “د. كريمة” هذه الطرفة من إحدى المترددات على الصيدلية: “وسط هذا الزحام والأصوات المتداخلة، والنداءات المرتفعة داخل الأجزاخانة، إذا بصوت فتاة ينادي عليَّ:

– إديني يا ست الدكتورة البرشام اللي بيشخلل.

استدرت سريعًا، لتقع عيناي على فتاة جميلة، اكتست بشرتها باللون البرونزي، عيناها واسعتان لونهما أخضر ذات كحل طبيعي، شعرها أسود بلون الليل، مجدول على شكل ضفيرة تكاد تصل إلى خصرها، وفي يدها العصا التي تسوق بها الأغنام، فتاة من فتيات البدو الذين يسكنون الجبل غرب القرية، ويقومون برعي الماعز والأغنام.. يطلقون عليهم الغجر.. تواصل” ومددت يدي وأعطيتها علبة البرشام (بولدولاكسين) أقراص مُليَّنة من إنتاج شركة القاهرة للأدوية، وكان وقتها يوضع في عبوة بلاستيك لونها أبيض مستديرة، عندما تهزها تشخل”. (ص103/104). ومن فصل بعنوان “اللبوس الأسمر بيجيب الولد”، نتواصل مع خفة الدم للمترددات وتفاعل الكاتبة معهن وتفهمها لمطالبهن، تقول: “”فوجئت بامرأة أخرى تدخل عليَّ الأجزاخانة وتطلب مني بصوت خافت لبوس للالتهابات المهبلية وقالت: والنبي يا ست الدكتورة أم عبد الرحمن جارتنا ما كانتش بتخلَّف وراحت للداية كتبت لها لبوس، وبعدين ربنا خد بإيدها وخلفت. ذهبت بدوري إلى أحد الرفوف وأحضرت لها نوعًا من اللبوس المهبلي، وشرعت في شرح طريقة استعماله.

تناولت العلبة بين يديها وأخذت في فتحها، ثم شهقت وقالت لي راجية:

– لأ.. لأ.. مش ده يا ست الدكتورة، أنا عايزة اللبوس الأسمر لأن أم عبد الرحمن لما خدته جابت الولد”. (ص119).

 شخصيات بالكتاب تحبها وتتعاطف معها

فتحية.. بائعة الخُضار

زوجة ماسح الأحذية.. “يسعل سعالًا شديدًا ينبىء عن مرضه بالسل، كان يمشي منحني الظهر وعلى ظهره عِدة مسح الأحذية، لديهم أربعة أولاد وبنتين، أكبرهم في العاشرة من عمرها……..”في المغرب تركب فتحية القطار “القشَّاش” من محطة مزغونة، تذهب إلى سوق الخُضار والفاكهة في الفيوم، وترجع من الفيوم حاملة على رأسها البضاعة في عز البرد قبل منتصف الليل، يقابلها زوجها على المحطة (علشان يشيل عنها) وفي الصباح الباكر تجلس فتحية تحت شجرة وارفة تظلل عليها وتحميها هي وأولادها من قيظ شمس الصيف، على شط الترعة المقابلة للصيدلية، تبيع الخُضار وتسترزق، وتكرر هذا المشوار كل يومين. (ص75/76).

 سيدة علي درويش

تقول عنها الكاتبة: “سيدة باين عليها الشقا، من صغرها وهي بتشتغل، هي مواليد ١٩٥٧، كان عندها ٢٧ سنة، ملامحها طيبة، وتعرف تتكلم بلباقة ودايمًا مبتسمة، وحنونة جدًا على الأطفال، وسمارها جميل، وقلبها طيب، واستطاعت في وقت قصير أن تستحوذ على حب أهالي برنشت، ورغم أنها لا تقرأ ولا تكتب، لكنها شاطرة لبلب في الحساب، وعندها سرعة بديهة تعرف أماكن الأدوية من شكل العلبة، وتحفظ سعر كل علبة أكتر مني”. (ص89).

عم عثمان

“أول مرة اتعرفت على عم عثمان في شهر (برمهات) عام ١٩٨٠ في الربيع، لما دخل أجزاخانة مزغونة وفي إيده (بؤجة) أي قطعة من القماش الأبيض النظيف، كان بداخلها بضع ثمرات من خُضار قدَّمها لي وقال: صباح الخير يا ست الدكتورة، النهاردة الصبح لقيت في الغيط خمس حبات قرع (كوسة) ودي البشاير، قلت أجيبهملك علشان أنا متباشر بيكي، متكسفيش إيدي وخديهم”.(ص91/92).

الست أم عبده

عجوز تجاوزت الخامسة والسبعين من عمرها، تشي ملامحها والتجاعيد التي على وجهها بذلك. تقول عنها: “وفي إحدى المرات، دخلت وبيدها كيس أعطته لي وقالت: خدي دول عشان بناتك.

كان الكيس يحتوي على عشر بيضات، وبضع حبَّات من الطماطم، وعندما مددت لها يدي بالنقود رفضت وقالت: إنتي زي بنتي، ودول ليكي محبة من غير فلوس، والنبي تاخديهم، ده النبي قبل الهدية. وبعد إصرار منها.. أخدت الكيس.

وتكررت هذه الزيارات بعد ذلك، وفي المرة الأخيرة قالت وهي خارجة من الأجزاخانة:

– ده أنا بأحوشهم لك من الفرخة الوحيدة اللي عندي. وبعد هذه المرَّة لم أرها بعد ذلك، وعندما سألت عنها قالت لي (سيدة): دي ماتت، ماتت من أسبوعين. (ص111/112).

أم سعيد

أم سعيد الداية وكاتمة الأسرار والستر على الخطايا التي قد تسبب فضائح وقد تؤدي للقتل في الكثير من الأحيان، كحالة الفتاة التي فُضت بكارتها إثر علاقة غير شرعية، أو المرأة التي قامت بإجهاضها بعد حملها سِفاحًا في غياب زوجها. قد نتفق أو نختلف مع هذا الدور الذي تلعبه، لكنها تراه دورًا إنسانيًّا يحتم عليها القيام به، فالله أمر بالستر، كما تؤكد في حديثها مع الدكتورة، فتقول: “شوفي بقى يا دكتورة.. أنا لو جاتني واحده لازم أستر عليها، لأنه أنا عندي إيمان بالله، وإنتي عارفة إحنا ولايا واللي يستر على واحدة ست أو بنت تنفتح له أبواب الجنة، وعلشان كده أنا باعمل ده بثوابه، آه ما بطلبش فلوس.. لكن إذا حد أداني ما بقولش لأو خير وجاني، نعمة.. أرفضها. لم أتمالك نفسي من السؤال مدفوعة بالفضول: إيه اللي بتعمليه علشان تجهضي واحدة من غير دكتور أو عيادة أو إمكانيات؟ رمقتني بعينيها الواسعتين وأجابت:

– إزاي أقول لك.. ده سر المهنة”. (ص121).

طقوس القرية

من خلال تواجد “د. كريمة الحفناوي” بقرية “برنشت” تعرفنا على بعض طقوسها ومنها ما يُسمى بــ “ليلة الحنة”، كما ترويها “سيدة”: “شوفي يا ست الدكتورة.. إنتي فاكرة إن الحنة معناها ليلة الحنة قبل ما العروسة تتزف لبيتها بيوم؟

أيوه هي دي ليلة الحنة.

– لأ يا ستَّي.. هنا سِلو بلدنا (عادتنا) إن الحنة زي الجمعية، اللي يحتاجها يقبضها علشان الناس تعرف تقضي مصلحتها، يعني الحنة تتعمل مثلاً لما يبقى واحد عايز يشتري ميكروباص يشتغل عليه، أو عايز يسافر يشتغل بره، أو عايز يجهَّز بنته، أو عايز يشتري حتة أرض، أو عايز يشتري بقرة أو جاموسة، أو عايز يبني بيت، أو عايز يطاهر ابنه ويعمل ليلة لله”. (ص138). فنجد أن هذا الطقس دليل على التكاتف والتكافل بين الأهالي، وكذلك التكاتف في الملمات التي تصيب المكلوم، فتقول: “أحب أن اقول لكم إن الفلاح رأس ماله الأرض التي يزرعها، وعدد المواشي التي يمتلكها، وحينما تَنفق جاموسة أو بقرة، وخاصة لو كانت (عُشر) أي تحمل جنينًا في رحمها، فهذا معناه خراب ديار ويبدأ الأهل والجيران في الذهاب إلى بيته، وتقديم واجب العزاء، وتمتلىء الدار بالحزن والغم، وطبعًا التكاتف والتعاون والتكافل في بلادنا وقُرانا المصرية من الطباع الأصيلة، حيث يبدأ أهالي القرية في جمع النقود لتعويض الرجل وأهل البيت الحزين”. (ص86/87).

وداعا “برنشت”

أوائل أبريل من عام ٢٠١2م، بعد قضاء ثمانية وعشون عامًا هناك، تُنهي الدكتورة “كريمة الحفناوي” مشوارها المهني، بعد قضاء ثمانية وعشرون عاما بقرية “برنشت”، لتتفرغ بعدها للعمل العام.

الختام

يُحسب للدكتورة “كريمة الحفناوي” تسليط الضوء على تفاصيل وهيئة وملامح الشخصيات (بورتريهات) فتقول عن شخصية “سيدة علي درويش”: “دخلت صاحبة الوجه البشوش والابتسامة العريضة ذات الخامسة والخمسين عامًا، ملامحها مصرية جذابة، عينان واسعتان لونهما أسود وأنف حاد وفم كبير، لون بشرتها خمري جميل، جلبابها أسود طويل، وعلى رأسها منديل، مُطرز بخرز أحمر وخرج النجف الأخضر، وعليه الطرحة السوداء”. (ص99)، كما جاءت اللغة لتخلط بين العامية والفصحى، مزيج يحطم الحاجز الذي قد يفصل القارىء عما يقرأه، فتتماهى مع الأحداث وتتفاعل وتبتسم وتحزن حسب الحدث الذي تقع عليه عيناك، فيسقط الحاجز الرابع بلغة المسرح. لم تتقيَّد “د. كريمة الحفناوي” باللغة سواء فصحى أو عامية، فجاء السرد مزيجًّا بينهما، مما يجعلك تتماهى مع الأحداث، تتفاعل، تبتسم، تحزن بما يتناسب مع الحدث خاصة في الحوارات التي يحفل بها الكتاب. فجاء السرد ينساب دون قيود، يغلب عليه البساطة، مما أكسبه المصداقية يخترق طريقه إلى القلب والعقل. الكتاب من خلال سرد السيرة الذاتية أو مشوار الحياة كما أطلقت عليه الكاتبة، يُعدّ شهادة على جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والفنية في فترة من تاريخ مصر، وعن عالم من المهمشين والبسطاء الذين لا يرِد ذكرهم في كتب التاريخ، فهم لا ملوك ولا زعماء تسطَّر سيرتهم صفحات التاريخ، زيفًا وخداعًا، في بعض الأحيان، ولكنها شخصيات إنسانية مليئة بالشجن في أبهى صورها. كتاب “مشوار الحياة.. يوميات صيدلانية” هو رحلة كفاح وعزيمة وإصرار مرّت من خلالها الكاتبة “د. كريمة الحفناوي” بمحطات عديدة، ولا زالت، أطال الله عمرها، تواصل مسيرتها ومشوارها في الحياة.

جمال الطيب

13 مقال
كاتب وناقد مصري

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع