طارق فراج
“تسوّق لنفسها بطريقة مخفية، وتقسم كل يوم إنها لن تكون كوم الدار مهما حدث، مَن لا تتزوج يعتبرونها حائطًا من الدار كل من يدخل يمسح يده به، لن يكون هذا مصيرها مهما كان، تعمل مكان الجميع، تطبخ وتخبز وتحمم الأطفال وتغني وتعدد، وهذا حظها من الدنيا! لا وألف لا، لم ولن تقبل ولن تذهب لضريح ولي لتستنجد به أو تستجديه، ستأتي بالولي بل به وبضريحه لعندها، تقرأ وتكتب لأنها ابنة أبو عبده وزوجها السابق يفك الخط بالعافية، مرحة بلسان حاضر، لطالما حاول أن يخيفها بعينين بهما حَوَل زائد مسكونتين بالشر واللصوصية الكاذبة، وهي جميلة الوجه والقد، عود مستوٍ، عود لدن بوجه مدهون بالزبدة طوال الوقت، امرأة حية شعنونة تحب الحياة، تزوجت ووقعت قرعتها في ابن عم حرامي، لم يكن عيبًا لكنه لم يكن لصًّا على المستوى المطلوب الذي تستطيع أن تتباهى بلصوصيته التي ترفع من قدر العائلة، بل كان “حرامي عِفش” بتعبيرها الأثير. خرجت من الطلاق ببنتين لم تكونا بنات الحب ولا الألفة وحلفت أنها لم “تبوسه” مرة خلال ثلاث سنين”.
سنوات النمش لوحيد الطويلة رواية تستدرجك إلى ريف شمال مصر المنسي، لتجد نفسك أمام عالم كامل له قوانينه الخفية وأساطيره الحيّة، وصراعاته التي لا تختلف في جوهرها عن الصراعات الكبرى في تاريخ الإنسانية: بين الفرد والجماعة، بين الجسد والسلطة، بين الهوية والإقصاء.
يستقطب عنوان الرواية الانتباه منذ الوهلة الأولى؛ حيث يمتلك النمش في اللغة العربية— تلك البقع الصبغية التي تزحف على الجلد— بُعدًا استعاريًّا لا يُستهان به، ويغدو في يد الطويلة محورًا دلاليًّا شاملًا تتكثّف حوله رؤية الكاتب الإبداعية بأسرها. تضيف السنوات بدورها إلى هذه الصورة بُعدًا زمنيًّا يحوّل المرض العابر إلى مصيرٍ ممتد، والحالة الفردية إلى تجربة جيل بأكمله.
في هذه الرواية، تتقاطع أجناس أدبية متعددة: سيرة ذاتية مُقنّعة، وملحمة عائلية، وشهادة اجتماعية، ووثيقة أنثروبولوجية؛ وهذا التشعب الجنسي ذاته يكشف عن رغبة الكاتب في بناء نصٍ لا يختزل في قراءة واحدة، بل يفتح أمام القارئ فضاءات تأويلية متعددة.
تنطلق هذه القراءة من افتراض مفاده أن النمش ليس مجرد عرضٍ جلدي أو سمة شكلية، بل هو دال رمزي يتقاطع فيه الجسد مع السلطة، والهوية مع الإقصاء، والذاكرة مع الزمن. كما نحاول من خلالها الكشف عن بنية سردية تتشابك فيها أصوات الأجيال، وعن فضاء روائي يحوّل الهامش الجغرافي والاجتماعي إلى مركز ثقافي حقيقي، وعن صورة المرأة بوصفها فعل يتجاوز حدود الظل الذكوري.
*
تنتمي الرواية إلى ما يمكن أن نسميه أدب الهامش؛ ذلك الأدب الذي يمنح الطرف المنسي من الخريطة صوتًا ومكانة وحضورًا. لا يكتفي النص بتصوير الريف موضوعًا خارجيًّا يراقبه أهل المدينة عن بُعد، بل يسكن القارئ داخل منطق هذا العالم وقوانينه الداخلية، حتى يغدو هذا الهامش مركزًا حقيقيًّا لا بديلًا مُعوِضًا:
“نعيش في قلب البراري بل في القطعة التائهة أو المنسية منها، حيث الناس، أغلب من الغُلب، يعيشون في نهار قصير، وليل يسرح فيه اللصوص وأبناء الحرام والثعالب”. هذه الجملة ليست مجرد وصف مكاني؛ إنها بيان ثقافي متكامل يكشف عن منظومة قيمية قائمة على التوازن الهش بين الإنسان والطبيعة والجريمة، وعن وجود اجتماعي يستمد شرعيته من التكيّف مع عالم متوحش لا من القانون الرسمي.
حين نتأمل اللوحة التي يرسمها الطويلة: “مدرسة المكاوي لتخريج اللصوص”. هذه المؤسسة الموازية للدولة ليست هزلًا أو تهكما سطحيًّا، بل هي تشريح دقيق لآليات نشوء السلطة وتغلغلها في ظل غياب الدولة. فالمكاوي لم يكتفِ بالسرقة؛ بل أسّس “أكاديمية” لها شرعيتها الرمزية ونظامها الداخلي وشهاداتها وامتيازاتها، وهو ما يجعله أقرب إلى نموذج ماكس ويبر (Max Weber) في تحليل السلطة منه إلى نموذج الخارج عن القانون. والأشد دلالةً أن هذه المؤسسة لا تنهار بوفاة مؤسسها، بل ترثها المكاوية زوجتُه، وتحكم قبضتها على زمام الأمور بما يكشف عن قدرة المؤسسة على تجاوز الفرد وتحويل كاريزما السلطة إلى بنية مستدامة.
تجسّد شخصية عم عبد القوي واحدة من أكثر الشخصيات إثارةً للتأمل في الرواية؛ فهو يمثل نموذج “البطل الوهمي”، ذلك الفرد الذي يستهدف الأسطورة ويخفق في بناء حقيقتها. والطويلة هنا يفعل ما هو أعمق من الرصد الاجتماعي؛ إنه يفكّك الأسطورة الذكورية للبطولة من الداخل، ليُظهر ما وراءها من هشاشة:
“ذهب رافعًا شاربه ونبّوته، تسبقه سيرته… أصبح فخرًا للعائلة في رمشة عين”.
غير أن هذا الفخر لم يصمد أمام ضربة رمزية واحدة؛ حين حلق البوليس نصف شاربه في ما يُعرف بـالسبتية، انهار الصرح كله. فالشارب — ذلك الرمز الجسدي للكرامة الذكورية — حين يمسّ يغدو مِنسأة بطولة بأكملها. وينتهي عبد القوي نائمًا على أكوام الأرز التي رفضها في شبابه، في إشارة شديدة الشاعرية إلى أن الهروب من الطبيعة لا يُفضي إلى الأسطورة، بل إلى الموت في أحضانها.
تُفصح الرواية عن بُعد نسبي عميق في التعامل مع ظاهرة النمش: “كان النمش قد بدأ يزحف على وجهي، لم أتجاوز العاشرة بعد… النمش يتسع، يكاد يغطي وجهي كله، لكن الرعب من أبي يمنع الألسنة أن تلعب بنمشي”. فالمجتمع يسعى باستمرار إلى تفسيره وإلصاقه بمرجعية ما، سواء أكانت ملوحة الماء في الكويت، أم الجدّ الفرنسي فيلمون جيلينتي الذي يُروى أنه ترك نمشه ميراثًا في جينات المنطقة. هذا البحث عن تفسير هو في حقيقته بحث عن إدارة الاختلاف وتطويعه ضمن منطق الجماعة؛ فما لا يُفسَّر يظل مُقلقًا، وما يُفسَّر يمكن تحييده. ويمتدّ النمش في الرواية ليتجاوز الفرد نحو الأسرة بأكملها: جدّ يغطيه النمش بعد المرض، وعمّ تظهر البقع على جسده قبل موته، كأن النمش إرثٌ وجودي لا يُورَث بالجينات وحدها، بل بالهزيمة والانكسار والمرور بالخسارة.
لا يقتصر التحليل السيميائي في الرواية على الجسد، بل يمتد إلى الفضاء الجغرافي نفسه؛ فكباري المنطقة — كوبري الظلام، كوبري جزر، وكباري المعشوقات — لم تحمل أسماء رسمية منحتها إياها الدولة، بل أخذت أسماءها من الحوادث والأجساد والعشق والموت. هذه التسمية الشعبية المضادة هي فعل مقاومة رمزي: الجماعة المهمَّشة تعيد إنتاج خريطتها الخاصة حين تعجز الخريطة الرسمية عن الاعتراف بوجودها.
يعتمد النص بنيةً سرديةً تتجاوز ترتيب الأحداث زمنياً حسب وقوعها الحقيقي (الخطية الكرونولوجية) إلى ما يمكن وصفه بـ”الزمن الحلزوني”؛ إذ تتداخل أزمنة السرد وتتشابك بطريقة توحي بأن الذاكرة لا تنتج خطًّا مستقيمًا، بل شبكة من الارتدادات والتوقعات. ويُتقن الراوي التنقل بين صوت الطفل الذي يعيش الحدث، وصوت البالغ الذي يستعيده ويُعيد تأطيره، في ثنائية تُشبه ما أسماه جيرار جنيت بالمفارقة الزمنية (anachronie)، وتمنح النص عمقًا تأمليًّا نادرًا في الرواية العربية. لا يعنمد السرد هنا على صوت الراوي المركزي؛ بل نجد كورالًا متعدد الأصوات؛ فشخصيات كعمّة فريال، وجدّ الاحتياطي، وعديلة، تمتلك كل منها رؤيتها الخاصة وأسلوبها في مواجهة العالم. وهذه التعددية — بمعنى باختين — هي ما يجعل الرواية فضاءً ديموقراطيًّا حقيقيًّا، يصغي فيه النص لكل الأصوات بما فيها تلك التي تتعارض مع الصوت المهيمن. ولعل أبرز هذه الأصوات الجانبية صوتُ عمّة فريال “شاعرة العائلة” التي تحوّل في كل أزمة المأساةَ إلى نشيد. حين طحن الطلاق الجماعي الأسرة ذات ليلة، أنشدت من قلب الركام:
“ضربة كانت من معلم
خلت الاستعمار يسلم”.
هذه الجملة المُضحكة الأليمة تُكثّف فلسفة شعبية بأسرها في التعامل مع الهزيمة: السخرية ليست هربًا من الألم، بل أداة لاستيعابه وتحويله إلى طاقة للبقاء.
تحتفل الرواية بالموروث الشفاهي مما يجعل منها نصًّا هجينًا يقع في المنطقة الخلاقة بين الكتابي والشفاهي؛ فالأغاني النسائية والأمثال والحكايات المتوارثة تتسلل إلى النص الروائي لتُشكّل طبقةً ثانيةً من الدلالة. وقصيدة عديلة الذاتية التي تردّدها دون أن يسمعها أحد وربما دون أن تسمع نفسها، تجسّد هذا التوتر الخلّاق بين الخطاب الداخلي والصمت الاجتماعي المفروض.
تحتشد الرواية بشخصيات نسائية ذات حضور استثنائي لا يمكن اختزاله في نموذج الضحية ولا في نموذج لبطلة. هؤلاء النساء يتحركن داخل المنظومة الأبوية القاهرة بذكاء ووعي وحيل لا تُرى دائمًا، مما يجعل صورة المرأة في الرواية من أكثر الصور تعقيدًا وإثارةً للجدل. تقدّم عديلة المطلّقة نموذجًا لافتًا في إدارة الهزيمة الجندرية وتحويلها إلى موقع قوة بديل:
“صار صدرها على الدوام مفتوحًا لكن أثداءها بحكم قرارها ووضعها وطردها لأنوثتها تدليا، سرقتهما الجاذبية لأسفل… وصار صدرها العرمرم المنتصب فيما مضى، العرمرم المتدلي الآن يحمل مفاتيح دولاب الفلوس وخزائن الغلة والمعيشة”.
هذه الصورة شديدة التكثيف تُقرأ على مستويين: مستوى واقعي مؤلم يرصد كيف تشيخ الأنوثة تحت وطأة القرار والاستسلام، ومستوى رمزي يكشف عن معادلة قسرية: المرأة تُقايض أنوثتها بسلطة مُتاحة. وعديلة لا تفعل ذلك من حرية بل من بقاء، لكنها تمارس سلطتها بكفاءة تجعل هذه السلطة حقيقية وإن كانت مستعارة.
تمثّل فريال نموذجًا مختلفًا: المرأة التي تستمد قوتها من الكلمة لا من المفاتيح. وظيفتها في العائلة هي الحفاظ على ذاكرتها الجماعية وتحويل أحداثها إلى خطاب شعري يُعزّز التضامن. في كل نائبة تعلو، وفي كل مسرّة تُنشد؛ وهي بذلك تؤدي وظيفة الكاهنة في المجتمعات القديمة: تربط الحاضر بالماضي، والألم بالمعنى.
تُشكّل المكاوية نموذجًا ثالثًا وأشد إثارةً من الناحية النقدية؛ فهي لم ترث سلطة زوجها بانكسار بل استعادتها بإرادة واضحة:
“لبست عمة زوجها وجلست في مقعده، تقول الحكايات إنها مع الوقت أخذت نبرة صوته بل وحشرجته”.
هذا التماهي الكامل مع نموذج الذكورة السلطوية يفتح نقاشًا نقديًّا عميقًا: هل هي مقاومة للنظام الأبوي أم استنساخ له؟ والطويلة يترك هذا التوتر مفتوحًا دون أن يُقدّم إجابة، وهو ما يمنح النص عمقًا وصدقًا.
يُقدّم النص الروائي مادة خصبة للقراءة النفسية، لا سيما في ما يخص الطريقة التي يتشكّل بها الوعي الفردي تحت وطأة الأبوة القاهرة:
“جملة واحدة من أبي كفيلة بحبس الأنفاس، بأن تحيل ضوء الشمس إلى عتمة، ونظرته التي تتبعها كفيلة أن تميد الأرض من تحتي… لا تعرف من أين تأتي، لكنك أينما تلفّتَ ستجده في وجهك. ظلّه كافٍ لأن يحدث الأثر المطلوب وزيادة”.
الأب هنا ليس شخصًا، بل نظامًا رمزيًّا؛ يسبقه ظلّه ويتجاوزه صوته، ويعمل بالرعب لا بالفعل المباشر. وهذا يُطابق ما أسماه لاكان “اسم الأب” (Nom du Père) بوصفه تلك الوظيفة الرمزية التي تنظّم الرغبة وتُرسي القانون في بنية الذات، مع فارق جوهري هو أن الأب في الرواية لا يحمي من الفوضى بل يُنتج فوضى من نوع آخر: فوضى الروح المقيّدة. ويتجلى بوضوح ما يمكن تسميته بـ”الرقابة المستبطَنة”؛ إذ يُحوّل الطفلُ الخوفَ الخارجي إلى حارس داخلي، فيُقيّد نفسه قبل أن يُقيّده أحد. يومان من السفر يُصبحان فسحة حرية مؤقتة لا تُعلن عن نفسها، وذلك الاختلاس الزمني هو تعبير مقنّع عن نزوع للانعتاق لا يجد له مساربَ معلنة. والطويلة لا يُدين الأب بل يرصده بعين الفنان التي ترى أعمق مما ترى عين القاضي. أيضًأ تتشكل الاستعارة الجسدية العمودَ الفقري لبلاغة الرواية؛ فلا تكاد صفحة تخلو من صورة تستحضر الجسد دالًّا رمزيًّا:
“شنبان يحميان العائلة من الساقطين”،
“صدر عرمرم يحمل المفاتيح”،
“ظل يتكلم بدل اللسان”،
“النمش يزحف كالغازي”.
الجسد في هذا النص معجم بديل للمجتمع؛ كل عضو فيه يحمل دلالة اجتماعية، وكل تحوّل جسدي يُشير إلى تحوّل في موازين القوى.
إذا كان الفنّ في أعلى تجلياته هو ما يجعل القارئ يحمل سؤالًا يتبعه طويلًا بعد أن يُغلق الكتاب، فإن “سنوات النمش” تؤدي هذه الوظيفة بامتياز. فالرواية في مجموعها ليست إجابةً عن سؤال، بل سؤالٌ كبير يستعرض نفسه على المدى الطويل: هل يمكن لإنسان أن ينعتق من النمش الذي رسمه المجتمع على جلده؟ ينتج وحيد الطويلة نصُا يمتلك مستويات متعددة تتلاقى ولا تتعارض: المستوى الواقعي المحلي الذي يرصد الريف المصري في القرن العشرين بعين الأنثروبولوجي الحسّاس، والمستوى الرمزي الذي يجعل من النمش دالًّا على كل إقصاء، والمستوى الفلسفي الذي يتساءل عن طبيعة الهوية وعلاقتها بالجسد والذاكرة والسلطة. وفي هذا التعدد يكمن سرّ قوة الرواية وقدرتها على مقاومة القراءة الأحادية؛ فهي ليست رواية الريف، ولا رواية المرأة، ولا رواية السلطة، ولا رواية الجسد وحده — بل هي كل ذلك في آن، كما أن الإنسان ليس شيئًا واحدًا بل مجموع ما رُسم على جلده وما استطاع أن يمحوه وما عجز. يبقى وحيد الطويلة في هذا النص رسّامًا للجداريات الإنسانية بامتياز؛ لا يكتفي بما يُرى، بل يذهب إلى ما لا يُرى، إلى ما تحت الجلد، وما وراء الصمت، وما خلف الخوف — ليُقدّم نصًّا يستحق أن يُقرأ بعمق، ويستحق أن يظل طويلًا في ذاكرة الأدب.











