عبدالله السلايمة
تقدّم مجموعة «نوافذ الضوء» (الهيئة العامة للكتاب، 2023) للقاص محمد صالح البحر نصوصًا قصصية تُبنى على تحويل التجربة اليومية إلى أثر وجودي، بحيث لا تُروى الحكاية بوصفها حدثًا مكتملًا، بل بوصفها بقايا تجربة تُستعاد في الوعي. تعتمد هذه القراءة مقاربة رمزية-وجودية، تنظر إلى عناصر السرد (الضوء، المكان، الأشياء، الزمن) بوصفها أنظمة دلالية تنتج معنى الفقد أكثر مما تنتج معنى الحدث.
تضم المجموعة سبع قصص: «المقعد الخالي»، «نوافذ الضوء»، «بيت مريم»، «أثر المحبة»، «وحدي معهم»، «لم أعد أصدقهم»، «الشرفة». ويُلاحظ أن هذه النصوص، رغم اختلاف موضوعاتها، تتقاطع في بنية شعورية واحدة تقوم على استعادة الماضي، وتآكل الحاضر، وتحوّل الزمن إلى دائرة مغلقة.
يتبدّى هذا التصوّر منذ البداية في عبارة دالة: «كل ما يحدث – وما سيحدث لاحقًا – حدث بشكل أو بآخر من قبل.»
وتكتسب هذه الجملة وظيفة تأسيسية، إذ تُفرغ الزمن من خطيته، وتعيد إنتاجه بوصفه تكرارًا وجوديًا لا حركة تطورية.
تتجلى مركزية المكان في قصة «بيت مريم»، إذ لا يُقدَّم البيت بوصفه فضاءً جغرافيًا محايدًا، بل بوصفه خزانًا للذاكرة يعيد تشكيل علاقة السارد بما فقده. في هذا السياق، لا يؤدي المكان وظيفة الخلفية السردية، بل يتحول إلى عنصر فاعل في إنتاج المعنى واستدعاء الماضي.
وتبلغ هذه الوظيفة ذروتها في لحظة استعادة الأشياء داخل الصندوق القديم، حيث يقول النص: «كل اشيائي الصغيرة التي ظننت أنها ضاعت… تتجسد الآن بين يدي.»
هنا لا تعود الأشياء مجرد أدوات مادية، بل تتحول إلى علامات وجودية، تُعيد بناء الذات عبر الاسترجاع. ويعزز النص هذا التحول حين يراكم تفاصيل الأشياء: صورة، خاتم، دفتر، طاقية صوف، بحيث لا تصبح العناصر مفردات وصف، بل «أرشيفًا للحياة.»
وفي موضع آخر من القصة، يتأسس شعور الفقد عبر مفارقة الوجود/الغياب: «كنت أظن أنني فقدت كل شيء، لكنني أكتشف الآن أن كل شيء كان ينتظرني.»
هذه الثنائية (الفقد/الانتظار) تُحوّل البيت إلى كيان حيّ، لا إلى مكان ساكن.
وبالمقارنة مع نصوص مثل «الشرفة»، حيث يُقدَّم المكان كمساحة تأمل خارجي، يتضح أن «بيت مريم» أكثر كثافة رمزية، لأن المكان فيه يتداخل مع الهوية الشخصية ولا ينفصل عنها.
لا يُقدَّم الضوء في المجموعة بوصفه عنصر إنارة، بل بوصفه حالة انتقالية بين الإدراك والانمحاء. فهو لا يكشف بقدر ما يُربك الرؤية، ويجعل المعنى غير مستقر.
في «نوافذ الضوء» تتجلى هذه الوظيفة في الصورة التالية: «طين من الضوء يسقطان من نوافذ السماء.»
تقوم هذه الصورة على مفارقة دلالية: الضوء الذي يُفترض أن يكون شفافية يتحول إلى «طين»، أي مادة كثيفة ملتبسة. وهكذا يُعاد تشكيل الضوء بوصفه عنصرًا ماديًا يشارك في إنتاج العتمة بدلًا من نفيها.
ويتعزز هذا البُعد في مقطع آخر: «كانت النوافذ لا تفتح على الخارج، بل على شيء في داخلي يتشقق بصمت.»
هنا يصبح الضوء مرتبطًا بالانقسام الداخلي للوعي، لا بالعالم الخارجي، ما يحوّله إلى أداة لكشف التصدعات النفسية لا لتوضيح الواقع.
تقوم لغة محمد صالح البحر على امتداد الجملة وتكثيف الصورة، بما يجعل النصوص أقرب إلى السرد الشعري. يظهر ذلك في مقاطع عديدة من «بيت مريم»، حيث تتراكم الجمل بشكل تأملي:
«كنت أفتح الصندوق ببطء، كأنني أفتح طبقات من حياتي، كل طبقة تعود بي إلى زمن لم أعد أعرف كيف خرجت منه. »
هذا الامتداد اللغوي لا يخدم الحدث بقدر ما يعمّق الحالة الشعورية، ويحوّل السرد إلى حركة داخلية.
وفي موضع آخر: «الأشياء الصغيرة لا تموت، إنها فقط تنتظر أن نعيد لمسها لنفهم لماذا تركناها خلفنا.»
تُظهر هذه الجملة كيف تتحول اللغة إلى أداة تأمل، لا إلى وسيلة إخبار.
لكن هذا التكثيف الشعري، رغم قيمته الجمالية، يؤدي في بعض النصوص مثل «أثر المحبة» إلى إبطاء الإيقاع السردي، حيث تتقدم اللغة على حساب الفعل.
يمكن تمييز مستويات متعددة داخل المجموعة، تعكس اختلافًا في آليات بناء السرد ودرجات الاشتغال الرمزي. ففي «نوافذ الضوء» و«بيت مريم» يتكامل الرمز مع الحدث، بحيث تنبثق الدلالة من داخل البنية السردية دون افتعال خارجي. أما في «وحدي معهم»، فيبرز الميل إلى التعميم التأملي، حيث تتقدم الفكرة لتصبح محورًا مباشرًا يوجّه النص. وفي «أثر المحبة»، تتراجع الحركة السردية لصالح الامتداد الشعوري، ما يخفف من حدة التوتر الحكائي.
في المقابل، تميل «المقعد الخالي» و«الشرفة» إلى بناء مشاهد قصيرة مكثفة، أقرب إلى اللوحة السردية التي تلتقط لحظة شعورية أكثر مما تبني حدثًا ممتدًا.
ويكشف هذا التفاوت في مجمله عن اختلاف في درجات التحكم بالبناء السردي، مقابل هيمنة الاشتغال الرمزي في بعض النصوص على حساب تطور الحدث.
تُشكّل الذاكرة الإطار العميق الذي تنتظم من خلاله العلاقات في المجموعة، إذ لا تعيش الشخصيات الحاضر بوصفه زمنًا مستقلًا، بل بوصفه امتدادًا لما سبق من تجارب وظلال ماضٍ مستمر.
يظهر ذلك في إعادة إنتاج الماضي داخل الحاضر، كما في جملة: «لم يكن ما أراه جديدًا، بل نسخة أخرى من شيء أعرفه جيدًا.»
بهذا المعنى، يصبح الزمن غير قابل للتجزئة، وتتحول التجربة الإنسانية إلى طبقات متداخلة من الاسترجاع.
ختامًا، تقدّم «نوافذ الضوء» مشروعًا سرديًا يقوم على تحويل الواقع إلى شبكة من العلامات الرمزية، حيث لا تُروى الحياة بوصفها حدثًا، بل بوصفها أثرًا مستمرًا للغياب. وتبرز قوة المجموعة في قدرتها على إعادة إنتاج العلاقة بين الإنسان وذاكرته، وعلى جعل الضوء والمكان أدوات لقراءة الانكسار الداخلي لا الواقع الخارجي.
ولا تشتغل المجموعة على «ما يحدث»، بل على «ما يبقى بعد أن يحدث»، وهو ما يمنحها طابعًا تأمليًا يجعل السرد أقرب إلى مساءلة وجودية منه إلى حكاية تقليدية.








