محمد سالم عبادة
“هكذا وأنا أفتح الأربعين بفكّيَّ مثل زجاجة صودا وأشرب عُمرًا يفور بلذةِ مخمورةٍ واثقة
أستعدُّ لأذكر تجربة الفوضويِّ الذي أجهضت حدسَه بالسعادة فئرانُ أحلامه النافقة”
بهذين السطرين في منتصف القصيدة الافتتاحية “فئران” يهيئنا عادل محمد لتلقّي ديوانه الصادر عام 2023 عن دار اسكرايب للنشر. وفي السطرين تتشابك الصوَر خالقةً بيانًا شِعريًّا منتشيًا، على الرغم من الإحباط الجليّ في السطر الثاني. الصورة مركَّبةٌ، فالاقتراب من سنّ الأربعين هنا ليس اقترابًا، بل هو اقتحامٌ عنيفٌ، والأربعون/ زجاجة الصودا ملأى بعُمرٍ مضى، ومتى فُتحت الزجاجة لن يسع الشاعر إلا أن يشرب العمر/ يستعيد ذكرياته في تلذذ وثقة، وهي ثقة لا يقلل منها وعيه بأن تجربته الفوضوية كان مآلها إلى الإخفاق، فحدسه بالسعادة قد أُجهِض، وأحلامه التي يبدو أنها بالغت في الطوباوية كانت سبب ذلك الإجهاض، إذ قضَت على ذلك الحدس بطاعونٍ من الحوادث، وانتهَت الأحلام بدَورها، كأنها فئرانٌ نفقَت، فيا لَقسوة التصوير وإدهاشه في الوقت نفسه!
وهكذا تتأسس لحظة بلوغ الأربعين –سن الرؤية النافذة وبلوغ المرء أشُدَّه- بصفتها شرفةً للحاضر، يطل منها الشاعر على ماضيه. وتصحبنا هذه الحالة في كثير من قصائد الديوان بدرجات متفاوتة.
ففي “الرقص على سلّم الأمنيات” ترتكز القصيدة على الاستثناءات منذ سطرها الأول “إلا قليلًا”. لكننا لا نلبث أن ندرك مراوغة هذا المستثنى الذي يبدو أنه ليس قليلًا تمامًا، إذ يقول “ضِحكه إلا قليلًا، لم يزل يتذكر الأصحاب والزمن/ الندامَى”، فتذكُّر ما مضى على هذا النحو كفيلٌ بأن يقطع الضحك ويحجِّمه؛ ويقول “مجده إلا قليلًا، لم يزل يتذكر الأضواء وهي تميل عنه”، وما أقساها من عبارة! فماذا يبقى من المجد إن كانت الأضواء قد مالت عنه حقًّا؟! وهكذا تمضي القصيدة، غارسةً قدميها في اللحظة الحاضرة، ومجترّةً ماضيًا من شأن استدعائه أن يقوّض الضحك والشعور بالمجد والحُب والدهشة.
وفي “لا تُهدِ ديوانًا إلى امرأة” نجد إطلالًا على الماضي من علياء الشاعر الذي يلوم نفسه على انبساطه إلى الآخَر، سواءٌ أكان الآخَر هو الصديق أم المرأة التي يحبها، فهو يقول مجرِّدًا من نفسه مخاطَبًا “لا تُهد ديوانًا إلى امرأةٍ ولا لصديقك الأغلى ولا للناس”. ويُتبع ذلك بإعلان الكيان الوحيد الجدير بالإخلاص من منظور الشاعر، وهو الشِّعر “ابدأ بشِعرك وانتهِ الوقت الذي تقِف القصيدة فيه دون تكلُّفٍ ومراس.” ثم إنه يختم القصيدة بأن يتدارك نصيحته بكيانٍ آخَر حقيقٍ بأن يُهدى إليه الديوان: “لا تُهده إلا لأمّك؛ وحدها لن تقرأ المأساة إلا وابتسامتها تفكّ كلامك الموزون من أثر التباس.” والواقع أنّ الأم هنا أقرب إلى أصلٍ غيبيٍّ كلّي المعرفة، فهي الوحيدة التي تقرأ خلال المأساة أعمق أعماق ذات الشاعر.
وفي غمرة اجترار الماضي تأتي قصيدة “وحدي تمامًا” معبِّرةً عن تأمُّل الذات الشاعرة حاضرها، وسطرًا وراء سطرٍ تتكرّس حقيقة أنّ هذه الذات حبيسة زنزانةٍ انفراديّةٍ من الوجود، فها هو ذا يقول: “وحدي تمامًا، ليس لي من أستغيث به إذا انقلبَت على الأسفلت مركبتي أو انفجر الإطار..” إلى أن يُعرب عن ضيقه بهذه الوحدة وتحرُّق شاعريّته إلى أن يشاركه الآخرون وجوده كي تنمو قصيدته كما يحبّ: “وحدي تمامًا، والقصيدة بذرةٌ تحتاج تربتكم وماء القُرب والشغف/ النهار”. وحين يأتي أوان ختام القصيدة يلفتنا إلى أنّ هناك حلًّا يُخرجه من هذا الحبس الانفراديّ: “لي نسخةٌ أخرى من المفتاح تحت الباب، تعرفها الحوائط، لا أبوح بها فأخشى، أو أداريها فأخشى، وحدكم سترونها في آخر البيت/ القصيدة، فامكثوا عند الجدار”. إنه يلوِّح بهذه النسخة فحسب، ويشير إليها من بعيدٍ دون أن يصرِّح بها، وهي ماثلةٌ في نهاية شِعره حسب ما يقوله، فما عسى أن تكون هذه النسخة؟!
يبدو من استقراء الديوان، ومن وضع ظواهر قصائده جنبًا إلى جنبٍ، أنّ النسخة الموعودة من هذا المفتاح هي اكتمال المشروع الشِّعري للشاعر. فبعد أن أطلعَنا على ما يجلبه اجتراره ذكرياتِه من حزنٍ وألمٍ، وبعد أن كرّس للشِّعر إخلاصه ونزّهه عن أن يُهدى إلى أحدٍ غير تلك الأمّ/ الأصل الكلّيّ المعرفة بذات الشاعر، يظهر أنّ الشِّعر هو ديوان نفسه وكنز روحه وبصمته الأبقى في العالَم ومستودع أسرار وجوده، ومن ثمّ فلا بدّ أن يكون المفتاح المذكور في نهاية “وحدي تمامًا” هو شِعر عادل محمد، فنسخةٌ منه في نفس الشاعر، ونسخةٌ منه قريبةٌ من عقل القارئ ووجدانه إن أخلص القراءة واتّجه إلى هذا الشِّعر راغبًا حقًّا في معرفة مُبدعه.
مساءلة الشِّعر:
في عدة قصائد نجد الشاعر يسائل شِعره عن جدواه، ويعاتب المخاطَبين به. ففي “لِمن غنائي؟” تبدأ القصيدة بهذا السؤال، ليجيب الشاعر بخَطابيّةٍ مقصودة “لكم، والصاعدِين معي”. إنه سؤالٌ لائمٌ عاتبٌ، يواجه به الشاعر جمهوره المحتمل، ليؤكّد أنه على الرغم من إخلاصه للشِّعر الذي تحدّث عنه في “وحدي تمامًا”، يكتب للناس، ولا سيّما لمن يشاركونه الصعود. ولا ريب أنّ مفردة الصعود تحتمل طيفًا واسعًا من التأويلات، فقد يكون مقصودها جيل الشاعر الصاعد معه، أو طبقته الاجتماعية التي ينتمي إليها خلال حراكه داخل المجتمع، أو الناطقين بالضاد ممّن يشاركونه التاريخ والمصير، أو الإنسانيّة جمعاء في كدحها إلى غايةٍ واحدةٍ، يختلف تعريفها باختلاف المنظور. ويُتبع هذا السؤال العاتب عباراتٍ تؤكِّد أنّ الشاعر قد حاول كثيرًا أن يجمع إليه مفردات العالَم وموجوداته، فكأنه لم يتوجه إلى البشر فحسب بشِعره، بل إلى الوجود بأكمله:
“كم قلتُ للماءِ يا فوّارةُ استمعي
وقلتُ للأنجم اللاتي سرَت وقلَت
شدّي حزام الظلام الآن واجتمعي
وقلتُ للناس لمّا لم يكن معهم
من النشيد سوى بالٍ ومتّسِعِ
إنّي هنالك، صوتي قِربةٌ، ويدي
كأسٌ، وعينيَ نهرٌ غير منقطِعِ”
وفي هذا البيت الأخير تعبيرٌ موفَّق عن مزيجٍ من الفَناء في العالَم والإخلاص للشِّعر، فصوت الشاعر ويده وعينه عطاءٌ وبذلٌ لا ينقطع، ووعدٌ بالسُّقيا لمن يطلبونها. ثمّ تأخذ القصيدة السؤال إلى مداراتٍ أخرى ألصق بمتطلّبات الحياة اليومية وإلحاح الحاجات الدنيا، فتقول:
“هل ينفع الشعرُ مَن آذانهم جوعَى؟
وهل تغطيهموا في عريهم رُقَعي؟”
وسرعان ما يعقّب الشاعر على السؤال بحكاية حوارٍ بينه وبين الناس/ الجمهور المحتمَل، موضوعه التقابل بين إهابته بهم أن يستجيبوا لباعث الشِّعر فيرتقوا إلى سدرة التلقّي الجَماليّ، وردّهم عليه محاولين شدَّه إلى الأرض حيث نداء الحاجات الدنيا، فيقول:
“قلتُ اصعدوا، فتنادَوا أن تعالَ لنا
الأرضُ أولى بنا من كلِّ مرتفعِ”
لكنّه بالرغم من هذا التقابل الحادّ بين ندائه وردّهم، يتحبّب إليهم ببيان أنّ شِعره منهم وبهم، فهو نابتٌ من أرضهم؛ فبعد أن يقولوا “اهبط إذا شئتَ”، يردّ “شِعري مثل نخلتكم”. فيقولون في نبرة استهزاءٍ غير مبالية “واصعد إذا شئتَ”، فيردُّ “نخلي غير مبتدَعِ”، ويعقّب:
“مجازُ ما خلّفَته الريحُ وانفرطَت
به المعانيَ من ساهٍ ومندفِعِ”
ولسان حاله يقول إنّ شِعره به عيوب الناس، فهو ليس إلا مرآتهم، يرون بها السهو والاندفاع وما تتركه رياح الحوادث في النفوس والعقول. ويأتي ختام القصيدة مصدِّقًا مأساة الشاعرية التي تفتقد روح التلقّي، فيقول
“لمن غنائي؟ لنفسٍ لستَ تعرفها
لو اختبرتَ المها لاحتطتَ للسبُعِ!”
فهو بذلك يسخر من نفسه ومن توجُّهه بشِعره إلى الناس، فالحقيقة أنه لا يعرف حقيقة أحدٍ من متلقِّيه، ولا يدري المها من السِّباع!
وفي “رابطة مستمعي زامر الحيّ” يسائل الشاعر تجلّيات المثَل القائل “زامر الحيّ لا يُطرب”، فيقول:
“أنبياءٌ هاجروا وبكَوا
في الوداع المسلكَ المتعَبْ
عالِمٌ لم يُبق نكرانُه
غير أن يختلّ أو يهربْ
شاعرٌ من وردةٍ ودمٍ
لم يرَوا إيقاعه الأعذبْ”
إلى أن يدافع عن زامر الحيّ بقوله “لمعة النجمات مدهشةٌ .. لكن الشمعُ الوفِي أطيَبْ” في استعارةٍ تمثيليّةٍ بليغةٍ تجعل الشاعر/ زامر الحيّ شمعًا قريبًا من متناول جمهوره، طيّبًا في تفاعله مع احتياجاتهم؛ ثمّ لا يلبث أن يُنهي القصيدة بالتوحُّد مع هذا الزامر، في تصريحٍ مباشرٍ، فيقول: “جرّبوني، قد أكون أنا .. زامر الحيّ الذي يُطربْ”، وهو على مباشرته يعيِّن موقفًا مهمًّا من مواقف الشاعر إزاء جمهوره المحتمَل، فهو يُهيب بهذا الجمهور أن يعيره سمعه ويلتفت إليه بروحه، ويعِد بأن يُطربه ويحقِّق وعد الشمع الوفيّ الطيّب.
الخروج إلى الهمّ الجمعي:
يَخرج الشاعر من ذاته ليتقمّص ذواتٍ أخرى أو يتأمّل مواقف الآخَرين في عدد من القصائد. ففي “صديقي أنبوب الرايل” –والرايل هو أنبوب التغذية الأنفيّ المعِديّ- يتقمّص ذات رجلٍ مريضٍ مرضًا مزمنًا، مضطرٍّ إلى استخدام هذا الأنبوب فترةً طويلةً تعدُّ بالأعوام، فيخاطب الأنبوب مؤنسنًا إيّاه: “على مدار هذه السنين والمواقف الطويلة/ لم أشكُ من مرافَقة/ لم أشِ عنك قطُّ بالمضايقة…” إلى أن يصل إلى حاضرٍ يشهد حدثًا جديدًا يحتاج فيه إلى التخلّي عن الأنبوب ليبدو أنيقًا: “اليوم في المساء قد تزورنا جارتنا الجميلة/ أحتاج فسحةً بمفردي/ أن لا تراني عالقًا على خطى ذراعك النحيلة”. لكنّه لا ينسى أن يختم القصيدة بحتمية عودة الأمور إلى ما كانت عليه: “وسيَراكَ لاحقًا غدي!”
وفي “أمين المخازن ذو الساق الواحدة” يتأمّل موقف مَن تحمل القصيدة وصفَه من مسافةٍ فلا يتوحّد معه، متتبّعًا أفكاره منذ لحظة تصفيقه لأمين المخازن السابق في حفل تقاعُده، مرورًا بحماسه وتأهُّبه لشَغل هذا المنصب خلَفًا للأمين السابق، ثمّ ذكرياته البعيدة التي ربطَته بحياة القطارات التي أفقدَته ساقه قبل أن يعمل في السكك الحديدية “في ذلك الزمان/ لاحت له القاهرة البعيدة/ وشدّه الرغيف للقطار ذي السنابك..”، إلى أن ينتهي إلى الموقف الحاضر “لكنّه بعد الصراخ والوعود والوعيد/ أصبح مسؤول المخازن بسكّة الحديد/ ولم يعد في العمر إلا شعلةٌ هزيلة/ لكنّها ستُحدِث احتراقْ.”
والواقع أنّ يوم زيارة الجميلة في “صديقي أنبوب الرايل”، وترقية ذي الساق الواحدة إلى منصب أمين المخازن في القصيدة الثانية، يتجاوبان أيَّما تجاوبٍ مع تلك اللحظة الفارقة التي لخّصها السطر الشعريُّ الذي بدأ به المقال، والذي يفتح فيه الشاعرُ الأربعين بفكَّيه، ويَشرب عُمره ملتذًّا به! فبالرغم من خروجه من حبس الوجود الانفراديّ إلى هموم ذواتٍ أخرى في هاتين القصيدتين الأخيرتين مثَلًا، فإنّه قد اختار من حياة بطلَي القصيدتين –واعيًا أو غير واعٍ- لحظتين تبدوان فارقتين تمامًا، كلحظة بلوغ الأربعين. إنهما يعاينان عُمرهما الماضي من شُرفة الحاضر، وتُسكرهما المعايَنة مع انتظار ما ينجلي عنه الموقف الحاضر: وقوع الجارة الجميلة في حبّ المريض، أو تجلّيات المجد الوظيفيّ الحكوميّ على الترتيب!
ختامٌ هادئٌ لا يخلو من حُبوط:
بعد نشوة اللحظات الأربعينية الفارقة، ينتهي الديوان بقصيدتين تركِّزان معنى الحُبوط. ففي “مزاج” التي تصف صعودًا سحريًّا للشاعر إلى سماء الوجود الشِّعري “رفعتُ يديَّ إلى كِتف نجمٍ، سندتُ فأتعبَني بوحُه المتواصلْ”، نراه حين يغالبه الحنين إلى من تركهم على الأرض يقول لنفسه “وقُل للبلاد التي لم تزل حفنةٌ من خطاك عليها: أشيحي بوجهكِ عن دمعيَ المتسائل”، إلى أن يختتم بقوله: “أراك تُراجع ما تصطفيه، وتفرغ عينيك من دمعها قبل أن تتخاذلْ”، في إيماءةٍ إلى القناعة بالأمر الواقع، والكفّ عن النظر إلى مَن على الأرض. وأخيرًا في “استعمالٌ لمرّةٍ واحدةٍ” التي يحمل الديوان اسمها، يظهر احتياجٌ لم يعبَّر عنه من قبلُ في الديوان، وهو الاحتياج إلى الصداقة المؤقتة أو الرفقة السطحية، فيقول: “إنّما.. أين يكمن مَن نستعير صداقته رحلةً واحدة؟/ ويمرُّ كأن لم يكن غير أُذنٍ ستذبلُ في رحلةٍ عائدة؟!”، ويقول: “كن رديفًا خفيفًا يجاملني بالسكوت ولا أتّقي في الخلاف نِقاشهْ/ يا صديقي الذي سوف أنساه بعد اللقاءْ/ انسَني، لا تصافح ونحن على عتبات البكاءْ” إلى أن يختم ختامًا بالغ القسوة في تصريحه بانخفاض سقف طموحه إلى القرب من الناس، قائلًا: “لا أريد سوى صحبةٍ عابرةْ/ رفقةٍ في قطارٍ يشكّلها الحظ ثم تفتتها الصافرة/ بعد أن يشرب الجار خمري، وأشرب من صمته قدر ما أمهلَته الحُشاشة.”
لا يسع المتلقي إلا أن يشعر بتلك المرارة الطافحة التي يختزنها الديوان، والتي عبّر عنها الشاعر في عشرة أبحرٍ عروضيّةٍ بمهارةٍ لم تُخفِ صدقه. ولا أظننا نخطئ قراءة هذا العِيان الشِّعري للماضي من شُرفة الحاضر، عِيانًا قمينًا بأن تصطرع في لحظته مشاعر النشوة والحبوط والإشفاق واللهفة، وبقيةٌ من أمل، وتهيمن عليه المرارة بالرغم من هذا المزيج الرهيب.
السبت 16 شوّال 1447 ه – 4 نيسان/ أبريل 2026م





















