د. حمزة قناوي
ما إن نقرأ اسم (محمد شيا) على غلاف ديوانه “اعتذار متأخر”، فإنَّ سُؤالين متلازِمينِ يطرحان نفسيهما على ذهن المتلقي: كيف يرى الفيلسوف الشعر؟ وكيف يتأثر الشاعر بالفلسفة؟ سؤالان مترابطان يحق لنا أن نطرحهما ونحن نقرأ ديوان الأديب الفيلسوف الدكتور (محمد شيا) صاحب الإسهام الأكاديمي المتنوع من ناحية، وصاحب المشاريع التحديثية الثقافية التعليمية من ناحية أخرى، فهو صاحب المباحث الفلسفية في الأدب، والرؤية المنفتحة على الآخر، يتنقل برؤية عميقة في طرحه ما بين الفلسفة الخالصة والأدب الفلسفي والثقافة والسياسة، ثم من كل ذلك يؤلف لنا شعراً مميزاً، ترى هل تحتاج الفلسفة إلى الشعر؟ وهل يستغني الشعر عن الفلسفة؟ وكيف إذا اجتمعا؟ وماذا عن القضايا اللغوية والتقنيات التعبيرية التي يستخدمها الشعراء في أشعارهم؟ كلها أسئلة تبدو مشروعة وتحتاج للبحث العميق في حالة الديوان الذي بين أيدينا.
فلنبدأ من النص الموازي، أقصد العنونة، التي تأتي خفيفةً وسريعةً وحاملةً لعُمقٍ من المعاني المتعددة، يعنون شاعرنا الفيلسوف ديوانه بـ «اعتذار متأخر»، مردفاً إياها بتسميةٍ إيضاحيةٍ للجنس النوعي الإبداعي: «مجموعة شعرية»، ولما كانت العنونة، بحكم موقعها في الصدارة، تمنح النص الأدبي هويته الرسمية، وتثير في نفس المتلقي رغبة التذوق وتدفعه نحو القراءة والتلقي([1])، فإنه يمكن فهم التصنيف النوعي للكتابة الإبداعية على أنها «مجموعة شعرية»، فتصبح أيضاً دالةً على كمية التغيرات والانتقالات التعبيرية الجمالية اللغوية التي سيتضمنها الديوان، أو على الأقل دالة على تبني الشاعر منهج الانتقالات والتغييرات التعبيرية عما هو معتاد في الكتابة النمطية السائدة، لتصبح الكتابة الشعرية بالنسبة له عملية انتقال دائم من حال إلى حال، وكذلك تكتسب معاني متعددة عند محاولة ربطها بالنصوص الموازية الفرعية، أي عنونة القصائد الاثنتين والأربعين.
إذاً من الأساسيات التي تحيل إليها العنونة التحول في مفهوم الشعر والشعرية، وهنا نجد الطابع الفلسفي لـ(محمد شيا) يفرض نفسه على شخصية الشاعر لديه، فيقدم لديوانه
بـ«مفهومي للشعر؛ ما الشِعر؟» وهذه أيضاً عنونة ثانوية متفرعة من العنونة الرئيسة، نربطها بالعنوان الثانوي: «مجموعة شعرية». إذاً بناء على مفهوم الشعر لديه يقدم لنا هذه المجموعة، وفي هذا التمهيد الصغير يُلخص لنا مفهومه عن الشعر، فالشعر من منظوره: فيه كل مواصفات الأدب، خاصةً من ناحية الصور والخيال والدهشة والشعور والعاطفة والانفعال، مع تراجعٍ للوزن والقافية، وهو ثقافة بكل معانيها ومكوناتها، وهو يومي وعادي وساذج، مكوناهُ الرئيسانُ الفكرة والصورة، تأثر الشعر بمتغيرات حياتنا، مما أضفى تعقيداً على الحالة الإبداعية والشاعرية، ومن ثم فالشعر انعكاس لتعقيدات الحياة، لا يفترض أن هناك شكلاً واحداً للشعر، وعناصر الإبداع الشعرية واسعة تقبل الإضافة اللانهائية لها، ويؤكد أن شعره هنا: « تحوّلاتٌ بين أقانيم ثلاثة، يستحيلُ فصلها، ولكن يمكن التمييز بينها: جمالية المكان، قسوة الذاكرة؛ و”التدخّلُ الثقافي” من دون تقصُّدٍ أو وعيٍ منّا»، وينبه لوجود تناقضات لم يقصدها الشاعر ولكنها جاءت نتيجة الصراع بين الحياة الصغرة (المايكرو) والكبرى الأوسع (الماكرو)، ثم يشير إلى أن مجموعته الشعرية ربما تكون قصيدة واحدة في تحولات بطيئة متصاعدة، ثم يؤكد أهمية الشعر في مواجهة ضغوطات الحياة في عصر المركنتيلي السلعي، خاصة في شرقنا الأوسط المحاصر بالحرائق.
كان هذا تلخيصاً سريعاً لمجمل تمهيده الذي يعمل عمله الكبير في توجيه تلقي القارئ، وهو ما يذكرنا بما أشار إليه (إمبرتو إيكو) من أن النص بعد أن يُصنع يفرِض كيفيةً يُقرأُ بها، وتُعد إحدى مهام الناقد وصف حركات القراءة التي يقتضيها النص وفق (إيكو)، ليصبحا- النص وطريقة قراءته- مظهرين متكاملين([2])، ومن ثم فهنا يلعب (محمد شيا) الفيلسوف/ الناقد دوراً في توجيه القراءة لدى المتلقي، ويحيله إلى معنى غير مرأي للعنونة، بحيث تصبح التحولات ما بين القصائد وبعضها البعض، ومطلوب من القارئ هنا البحث عن ذلك الخيط الخفي، في نص يتسم بانفتاح أبعاد الشعرية، متحررٍ من شعرية الزحافات والعلل ومنفتح على أفق التنوع الإبداعي.
يشير الشاعر الفيلسوف إلى وجود رابط خفي من التحولات بين القصائد وبعضها البعض، فلنراجع عناوينها ومدة إمكانية استقراء هذا التحول، فعبر 42 عنوانا للقصائد تأتي على النحو التالي:
« مقامُ الحبّ / الشعرُ والشاعر / الضمير… قتيلاً / غنّيتُ صوفر / ليلةٌ شتوية / شتاءٌ فربيع / في استقبال الربيع/ أسرجتُ مهري / زمنُ الكورون / حبيبتي “الكمّامة” / العقلُ قبل النفس / ما مرّ بي / نعمة النسيان / تسألين أن أفرح / أحزاني / مللت / تحطمت سفينتي / فصل السنونو / صنوف الدهر / هل كان ظلماً/ حوار مع الشيطان/ مهما فعلتَ / لا معنى للأعياد/ هي الدنيا/ تأخرتَ كثيراً / لن تعرفَ السرَّ/ أنتم الشعراء/ الساعة الخامسة والعشرون/ لا حاجةَ كي تختار/ هجرتهُ حُبّاً/ سؤال الهوية/ اعتذار / لملمِ الأحلامَ / خطابُ وداعٍ متأخر/ لم يعد مهماً/ لو كان في يدي/ سقراط معلمي الأكبر/ “ما في حدا”/ ساعةُ الرمل/ شمسٌ في مغيب/ بماذا أناديكَ؟/ الورقة الأخيرة!»
ومن منظور إحصائي فإن شاعرنا لا يميل إلى العنونة الطويلة، بل يستخدم عادةً التركيب الثنائي المكون من مفردتينِ مسندة إحداهما إلى الأخرى، حيث بلغت العنونة ذات المفردات الثنائية نسبة 55% تقريبا من إجمالي عناوين القصائد تقريباً، في حين بلغت التسمية بالمفردة الواحدة أقل نسبة بمعدل 7% تقريباً، واحتلت العنونة بمفردات ثلاث نسبة 33% تقريباً، بينما بلغت نسبة التسمية بأربع مفردات 5% تقريباً، لتصبح العنونة الثنائية، والعنونة الثلاثية ثقلاً لتوليد المعنى في عناوين القصائد.
وتدور أفلاك العنونة بين معاني الحب، وتقلبات الشتاء والربيع، والمرض (الكورونا)، والفرح والحزن، والنسيان، والشيطان والهوية، والفكر الفلسفي ما بين سقراط والورقة الأخيرة، في موضوعات يوحي اختيارها بأنه تم بعناية، ومن ثم فالمعاني التي اختارها الشاعر لكي يؤلف حولها – هذا إذا افترضنا أن العنونة محور ثقل القصيدة وما يأتي من القصيدة هو توضيح لها باتباع نظرية النص الموازي ([3])- وسنكتشف فيما هو قادم كيفية بناء المعنى الشعري في نص القصيدة عند (محمد شيا).
يقول (رمضان الصباغ): «وظيفة الشاعر هي إضفاء الانفعال على الكلمة، بوضعها في سياق إيقاعي، ونفسي، يُحوِّلهَا عن معناها المألوف في الحياة اليومية أو لغة النثر، ويعطيها ما يمكن أن نسميه الكثافة، والقدرة على الإيحاء.» ([4])، ونجد هذا المعنى حاضرًا على نحو مزدوج في قصيدة «الشعر والشاعر»، فهو حاضر في الكيفية التي تم بها تشكيل القصيدة من ناحية، وفي المعنى الذي تم تقديمه في القصيدة، حيث تأتي القصيدة بشكل مقطعي من ثماني فقرات شعرية ، تؤكد معنى الرهافة لدى الشاعر، وفي الوقت نفسه يمثل نسيج الكلمات وسبك الألفاظ معًا رونقَ هادئاً مميزاً يجذبُ المتلقي إلى الإيقاع الهادئ عظيم التأثير في النفس، والذي لا ينفك عن توجيهه إلى تدرب المعنى المقدم، يقول:
“إن كان الروضُ
للبعضِ
لا يكفي،
فالشاعرُ
تكفيهِ زهرة!
تكفي هنيهاتٌ
بل لحظةٌ،
لا فرقَ،
حلوة
أم مُرّة!”
ما تتناوله القصيدة هنا رهافة الإحساس لدى الشاعر، وكيف أن أقل شيء قد يكون مفتاحاً كبيراً للتأثير في نفسه وروحه، ورغم أن الموضوع الذي يتناوله عقلاني بالأساس، من أحد الموضوعات التي أصبحت مسار البحث في نظرية الأدب المعاصرة، أعني موضوع الشعرية التي توسعت فيها النظرية الأدبية المعاصرة فجعلتها ممكنةً في كُلِ شيءٍ من حولنا، متى توافر فيها التعبير الجمالي، وهو ما جعل (أدونيس) يجعل من شروط القصيدة المعاصرة : «تأسيس نوع جديد من التعبير، بحيث تصبح القصيدة مثلاً كتابة جديدة، ليست وزناً بالضرورة، وليست لا وزناً بالضرورة، تصبح إيقاعاً وزنياً أو نثرياً وزنياً يمكن أن تمتزج فيه الأنواع بأكملها»([5])، وهذا التعبير الجديد نلمسه هنا في الحديث عن قضية عقلية بالأساس ألا وهي قضية “ما الشعرية؟”، ليتم صياغتها بنوع من التعبير المرهف متماساً مع زاوية حساسية الشعور ورهافته لدى الشاعر، فلو لم يستطع الشاعر أن يكون حساساً تجاه أقل المؤثرات، لما كان هناك شعر بالأساس.
إن الصورة التي يرسمها (محمد شيا) للشاعر هنا أشبه بصورة القائم على حراسة هذه الحياة، يتأمل ما فيها من معطيات، من دمعة طفل، أو عبير زهرة، أو وريقات حب، أو خيط فجر، هذه المعاني المرهفة يظل الشاعر منتبهاً لها طوال عمره، فمتى قبض على المعنى، وتملَّكَ عليه روحه وإبداعه، منحه عمره كله: « ويُهديهِ…. عمرَه !» بتعبير (محمد شيا)، وهذه القصيدة تعطينا مثالاً لكيفية تكوين الشعرية عبر تعالق الكلِم ببعضهِ البعض من ناحية، ورهافة الإحساس الذي يسم طبيعة شاعرنا من ناحية أخرى.
لكنَّ الإحساس لا يظلُ طوال القصائد بهذه الكيفية من الهدوء المتحكَّم فيه، هدوء نلمح من ورائهِ عقلية فلسفية راسية عميقة تستطيع أن تتحكم في الكلمات كيفما شاءت، لكن في بعض القصائد نشعر بأن الانفعال يتعالى ويتصاعد، حتى نلمس نوعاً من الصراع بين اللغة المعبَّر بها، والمعنى المراد توصيله، مثل ذلك في قصيدة «الضمير»، و«زمن الكورون» والتي أعتقد أنها كانت أكثر القصائد تكثيفاً انفعالياً، يقول فيها (محمد شيا):
“مات
يوم غاب الحقُ والعدلُ
فبات
مجردَ ذكرياتْ،
يومَ استقالَ الله
يأساً،
بل غضباً،
فصدّقنا وقلنا ماتْ،
“ماتَ” هللّنا،
وبأعلى الصوتِ نادينا،
وجَهَرنا
حقاً ماتْ”،
هذا العُنف اللغوي في تقصي فعل الموت حتى يتم إسقاطه على «الله» يوحي لنا بمقدار الفجيعة التي فجعها الشاعر في هذا المرض اللعين، لا ندري من اختطف من أقربائه أو أحبائه، لكن المعنى العام، يوحي بأن هذا الكون أصبح بلا مُنظِّمْ، بلا ضابط، بلا راحم يرحم الناس من فتك المرض اللعين، هذه الصورة أرى فيها خروجاً للسيطرة على العاطفة بعكس القدرة الهائلة التي أظهرها الشاعر طوال قصائد الديوان.
وهذه الصورة العنيفة عن “موت الله”، الفكرة الفلسفية الشهيرة، تتضاد مع صورة أخرى عاد فيها الشاعر ليقدم نقاشاً عقلياً عن وجود الله، ففي قصيدة «لن تعرف السر»، يقول:
“وحدهُ الخالقُ،
صاحبُ القلمِ،
رتّب الكونَ،
عجيباً،
بمقدارٍ وقدر!
وهو
لو شاءَ،
لكان هباءً
كلُّ ما تملُكُهُ،
فلا تختالَ
أو تغترْ!
وبعدُ…
لا تحزنْ،
فعفوُ ربّكَ
وِسعَ السماء،
بل هي لا شيءَ،
في عينَ علمهِ،
عينُ وجودهِ،
وفيهما
سرُّ الخلقِ
وكلّ الأمر!”
نلاحظ أن هذه القصيدة تأتي بعد قصيدة «زمن الكورون» بعام، وقد حرص الشاعر على تدوين تواريخ القصائد، وكان ذلك مفيداً جداً في فهم الكيفية النفسية المسيطرة على شاعرية الشاعر وطريقة نظرته للأمور، إذ تأتي هذه القصيدة بعد عام من فجيعة الكورون، والتي واضح أن الشاعر عانى فيها ويلات كثيرة، وتعرض لفقد كثير من المحبين، مما جعله يشعر بحالة من الارتباك والفوضى من حوله، لكن قصيدة «لن تعرف السر» تأتي بعد عام من الاستقرار النفسي الذي هدأت فيه النفس، وتأملت الواقع بعمقٍ أكبر، ولا ننسى أن بينهما قصيدة «حوار مع الشيطان»، والتي جاءت بدون تأريخ، لكن يبدو أنها تتوسط زمنياً القصيدتين، وكأن الشاعر قد أجرى نوعاً من التفكير العميق في مجريات هذا الكون، وفي مبدأي الخير والشر في حد ذاتهما، إذاً طوال الوقت نشعر بترابط فلسفي بين التعبير الشعري وبين الفكر المهيمن على القصائد، دون أن يؤثر ذلك على الصور والأخيلة وطريقة التقديم، والتي نلاحظ أسلوبياً تكوين القصيدة من المفردات اليسيرة السلسة ذات الأسلوب الرائق، فدائماً ما يكون السطر الشعري مكوناً من مفردة أو مفردتين، وهو أمر يتناسب إحصائياً مع الإحصاء المقدم حول العنونة، ويبدو أنه إحصاء دال على طريقة التعبير عند (محمد شيا) من توليد المعنى عبر المفرد المركب من اثنين أو ثلاث مفردات دون الميل إلى حشد كثير من المفردات، وهو ما أستنتج منه أن التكثيف هو أحد الشروط الشعرية التي ينحو إليها في طريقة تأليفه لقصائده، الاقتصاد اللغوي، مع الانفتاح الدلالي معياران حاكمان في طريقة توليد المعنى.
لكن كيف سيبدو الأمر شعرياً عند مناقشة موضوع فلسفي بحت، فهناك قصيدة تحمل عنوان: « سقراط معلمي الأكبر»، وهو موضوع فلسفي بحت، كيف يكون مثل هذا الموضوع الذي يصلح لأن يكون موضوعاً لمقالة علمية، قصيدة شعرية؟ فلنتأمل الطريقة والكيفية التي يعبر بها (محمد شيا) عن ذلك فيقول:
“نعم،
أقحمتُ رأسي
كلّ مقصلةٍ،
شجاعاً، أو غبياً،
لا أتنكّر؛
خيالياً كنتُ،
مرشدي
الشاعرُ المجنونُ،
وكلّ فيلسوفٍ
نقّبَ وتفكّرْ؛
جعلتُ سقراطَ
أستاذي،
المثالَ الملهمَ،
المدرسةَ،
وربما أكثر؛
ونسيتُ،
قلّ تجاهلتُ
أنهُ أعدِمَ بالسُمِّ
لأنهُ تجرّأ
وفكّر؛”.
مرة أخرى إنها طريقة التعبير، ونوعية الأسلوب الذي يصيغ به جوهر الفكرة، عبر تعبير مفارق محلق يبتعد بنا عن الجوهر الفلسفي دون أن يغادره، ويقربنا من الاستمتاع بالصورة المرسومة، إن السمة الأساسية لفكر سقراط أنه يرى أن المعرفة توجد داخل عقل الإنسان، وأن التمييز بين الخير والشر أمران يكمنان داخل العقل، والإعلاء لقيمة العقل هنا هي السمة الأساسية التي من خلالها يقدم لنا الشاعر قصائده أيضاً، لكن عبر التكثيف والاقتصاد اللغوي يصنع حالةً من حالات التعبير المغاير للمألوف العادي، وعبر التقديم والتأخير في عناصر الصورة، يرسم صورةَ مُفارَقةٍ، كمن يرسم لوحة تشكيلية ممتلئة بالعديد من التفاصيل، لكنها أيضاً مُراوغِة في أماكن ذكر التفاصيل، وفي كيفية تعاضد هذه التفاصيل معاً، ورغم أن سقراط تنتهي سيرته وقد حُكِم عليه بالإعدام ولم يرضَ بأن يخضع لقوانين أثينا، مما تسبب في موته، ورغم أن الشاعر يعدد أمثلة أخرى مثل ابن رشد، إلا أنه يختتم قصيدته باعتزازه وإكباره لهذا الفيلسوف الذي أعلى من قيمة العقل، وهو جانب آخر من جوانب عمل الشعرية، وهو تأطير الصورة جمالياً وتشكيلها على النحو العقلي الذي يرغب الشاعر في أن يوصلها لنا من خلاله.
إن مجمل الحالة التعبيرية التي يتناولها الديوان تقوم على فكرة استخدام الألفاظ اللغوية بنحو يخدم كلاً من الفكرة والصورة بطريقة يمتلك بها الشاعر القدرة والطلاقة اللفظية بشكل مكثف، دون تقعر في اللغة أو استخدام للألفاظ بطريقة تنفّر القارئ، مما يجعل ديوانه يحقق حالةً من التواصل الفريد مع روح وعقل المتلقي بطريقة إمتاعية – عقلية – وجدانية نادرة، يجد المتلقي نفسه عبرها مطالباً بالتفكير في القضايا الفلسفية العميقة التي يطرحها مؤلف الديوان من ناحية، ومستمتعاً بالجمال الإبداعي اللغوي من ناحية أخرى، وغائباً عن الوعي في خدرٍ يستلذ جمال تكون القصيدة في أغلب الأحيان، ومن ثم فهو ديوان استثنائي قوامه السلاسة والعذوبة واليسر، وجوهره عمق الفكرة وقوة الصورة ووضوح الرؤية لدى الشاعر، ومحاولته الجاهدة إيصال المعاني والمشاعر والانفعالات الكامنة بداخله إلى روح المتلقي بسلاسةٍ وعمقٍ لافتين.
………………………………
[1] – نادية هناوي سعدون: سيميائية العنوان في السرد الروائي الثيمة والبنية، مجلة كلية اللغات، جامعة بغداد، عدد 21، 2010م، ص1
[2] – أمبرتو إيكو: القارئ في الحكاية: التعاضد التأويلي في النصوص الحكائية، ترجمة: أنطوان أبو زيد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1996م، ص 10
[3] – العربي مصابيح: استراتيجية النص الموازي: العنوان من التعمية إلى التسمية، مجلة قراءات للدراسات والبحوث النقدية والأدبية واللغوية، كلية الآداب واللغات، جامعة مصطفى إسطمبولي، مجلد 2، عدد 1، شهر جوان، سنة 2009م، ص4
[4] – رمضان الصباغ: في نقد الشعر العربي المعاصر – دراسة جمالية، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، 2002م، ص 195
[5] – أدونيس: فاتحة لنهايات القرن، ط2، دار العودة، بيروت، 1980م، ص 246









