لان سامانثا تشانغ
ترجمة: ممدوح رزق
أثناء حديثي مع صديقة عزيزة، ليست كاتبة، ذكرتُ أنني كثيرًا ما فكرت في أهمية الحياة الداخلية. صديقتي، وهي طبيبة متزوجة من أستاذ جامعي مرموق وأم فخورة لطفلين رائعين، بدت في حيرة من أمرها. سألتني: “ماذا تقصدين بـ’الحياة الداخلية’؟ عندما نقول إن شخصًا ما لديه ‘حياة داخلية ثرية’، أليس هذا تعبيرًا عن أنه يبدو فوضويًا من الخارج؟”. بالنسبة لها، وصف شخص ما بأنه يمتلك حياة داخلية ثرية هو مجاملة مبطنة، تشبه المراوغة التي كانت سائدة في الصين الماوية، حيث كان الناس يقولون عند محاولة وصف شابة غير جذابة: “إنها وطنية جدًا”.
يُجسّد سؤال صديقتي الضغط الهائل الذي يُمارَس على الناس في هذا المجتمع لامتلاك حياة خارجية قوية ومُحصّنة. في نيويورك، قد يشمل ذلك العقارات والمدارس الخاصة. وفي آيوا، قد يتضمن وجبات عشاء عائلية منتظمة، مُعدّة من نباتات برية صالحة للأكل يتم جمعها شخصيًا. بدأ هذا الضغط منذ عهد مؤسسي بلادنا، الذين آمن الكثير منهم بوجود المختارين، أي بفكرة أن بعضنا مُقدّر له الخلاص، ومن ثمّ يمكن توسيع هذه الفكرة منطقيًا لتشمل أن بعضنا ليس كذلك. ولأننا لا نملك، ونحن على قيد الحياة، أي وسيلة لمعرفة من منا مُقدّر له ذلك الخلاص، فمن المهم أن نتصرف كما لو أننا من هؤلاء المختارين.
لا أقصد لوم أحد على رغبته في امتلاك عقارات فاخرة، أو أطفال وسيمين، أو حيوان أليف أنيق. إنما أشير فقط إلى أن الناس يعيشون في قلق، بل وخوف، بشأن ما إذا كانت حياتهم الخارجية كافية. من السهل الاعتقاد بأنه إذا كنا نبدو بمظهر جيد، فربما تكون حياتنا ذات معنى، أو حتى مباركة. أينما ذهبنا، نرى دلائل على ذلك. عند المشي على ضفاف نهر السين، يرى المرء عشرات الأشخاص من جميع أنحاء العالم يقفون وظهورهم للمنظر، يبتسمون برجاء وهم ينظرون إلى هواتفهم. تُشترى ملايين من عصي السيلفي بدافع الأمل والخوف.
تتفاقم هذه المخاوف لدى الكُتّاب الجدد الذين يُعرّضون أنفسهم للخطر عند مشاركة أعمالهم مع الآخرين، لا سيما بعد نشر كتاب. تربينا على الاعتقاد بأن نشر كتاب هو نهاية سعيدة لرحلة طويلة من العمل والاجتهاد، ولكن وفقًا للعديد من الكُتّاب الجدد الذين تحدثت معهم مرارًا خلال هذه العملية، فإن النشر ليس سوى بداية رحلة التعلّم لكيفية التعامل مع العالم ككاتب مُعلن، وهو عكس صناعة الفن، ويتطلب المثابرة على حماية تلك الذات الداخلية التي انبثق منها الفن في المقام الأول.
فجأةً، يجد الكاتب حديث العهد نفسه مضطرًا لبذل جهدٍ مضنٍ لوصف ما كتبه. يلجأ البعض إلى قراءة التاريخ والنظريات والعلوم بحثًا عن مفرداتٍ تُنير إبداعاتهم. أعتقد أن هذا الكفاح ينبع من أن ردة الفعل الصادقة تجاه صناعة فنٍّ ذي معنى غالبًا ما تكون الصمت. فنحن نصنع فنًّا عن ما لا نستطيع فهمه بأي طريقة أخرى. والمنتج النهائي أشبه باللؤلؤة، كاملة وجميلة، لكنها صامتة عن ذاتها. لقد منحنا الكاتب هذا الجزء من أعماقه، وغالبًا ما يكون بلا تفسير، لا شيء يُقال عنه. في كثير من الأحيان، لا يملك الكاتب نفسه أدنى فكرة عمّا أبدعه.
لا يهم ذلك بالنسبة للمؤلفين الجدد، الذين يواجهون خطر فشل كتبهم ما لم يواصلوا التغريد، وإلقاء النصوص (إن حالفهم الحظ)، وقراءة المراجعات (إن حالفهم المزيد من الحظ)، وكتابة عشرات المقالات القصيرة، والامتثال لجلسات الأسئلة والأجوبة التي ستبقى متاحة على الإنترنت إلى الأبد. أصبح نشر الكتب أكثر شيوعًا من أي وقت مضى، وبات معروفًا للجميع ما إذا كان كتاب المرء قد حظي بالترويج كمنتج جدير بالمتابعة على مواقع إلكترونية معينة، أو ما إذا كان قد اُختير في قوائم الكتب المفضلة، أو قوائم المبيعات، أو في مئات من قوائم الحصاد نهاية العام أم لا. هذا فضلًا عن موسم الجوائز، وهو ما قد يجعل الكاتب المحظوظ الذي يصل إلى المرحلة النهائية يشعر وكأنه وصيف في مسابقة جمال. ذات مرة، وصل كاتب إلى المرحلة النهائية لكنه لم يفز بجائزة كبيرة، كان يسير في أحد شوارع مدينة آيوا. وتوقفت سيارة بجانيه،، فُتحت نافذتها ثم صاح أحد الركاب، وكان أحد أعضاء قسم اللغة الإنجليزية، في وجه الكاتب قائلًا: “لقد سُرقت منك الجائزة!”
لو أتيحت لي الفرصة لتقديم نصيحة واحدة لكاتب ناشئ، لأكدت على ضرورة التمسك بالحياة الداخلية. كثيرًا ما أتذكر اقتباسًا رائعًا لـ جي كي تشيسترتون، نقله إليّ الكاتب المبدع كيفن بروكماير، الذي أعتبره من أنجح كتّابنا في حماية الذات التي يكتبون عنها: “لكنني مهتم أكثر بحقيقة داخلية، وكما ذكرت سابقًا، فإن الحقيقة الداخلية تكاد تكون عصية على الوصف. علينا أن نتحدث عن شيء يكمن جوهره في أن الناس لا يتحدثون عنه؛ لا يقتصر الأمر على الترجمة من لغة أو خطاب غريب، بل من صمت ملغز.”
جزء كبير من عملي كمعلمة ومرشدة ينصب على نُصح الكُتّاب بعدم القلق. إن تعلّم عدم الإفراط في القلق أمر بالغ الأهمية، ليس فقط لأننا لا نملك سيطرة تُذكر على الكتاب بعد نشره، بل لأن هذا النوع من القلق يُعيق الإبداع. نعيش في ثقافة تنشر فيها صحيفة “وول ستريت جورنال” مقالًا في صفحتها الأولى عن طبيب جلدية يُزيل البثور على يوتيوب، ويحصد 2.4 مليون مشترك. بصفتنا حُماة لحياتنا الداخلية، علينا تحصين أنفسنا من ذلك الجزء التلقائي فينا الذي يستجيب قائلًا: “2.4 مليون مشترك!”. علينا بدلًا من ذلك أن نتذكر كلمات سانت إكزوبيري: “ما هو جوهري لا تراه العين”. علينا أن نحفظ أنفسنا من ذلك الجزء المُسيطر الذي يُقيّم ويُحدِد ويُصدر الأحكام.
الحياة الداخلية هي الطفل الذي يزدهر في فضاء هادئ، خالٍ من الوصايا. قد لا تحظى الحياة الداخلية باهتمام كبير في الأوساط الاجتماعية، لكنها ثمينة. لا يمكن العثور عليها في أي شخص آخر، ولا يمكن لأحد رؤيتها. إنها سرّ. وكما قالت السيدة باسيل إي. فرانكوايلر: “لكن يجب أن تخصص أيامًا تسمح فيها لما في أعماقك بالتضخم حتى يلامس كل شيء. ويمكنك أن تشعر به في كامل كيانك. إذا لم تكرّس وقتًا لذلك، فإنك ستراكم الحقائق فحسب، وستبدأ بالإلحاح في داخلك. يمكنك أن تُصدر ضجيجًا من خلالها، لكنك لن تشعر بتلك الحقائق أبدًا. إنها جوفاء.”
تمسّك بذلك الجزء منك الذي دفعك في البداية إلى الكتابة. تشبّث بذاتك تلك خلال تقلبات “المسيرة المهنية”. حياة الإبداع ومسيرة الكتابة أمران منفصلان، ومن الضروري الحفاظ على الأولى. إن مهارة البقاء الأهم لأي شخص مهموم كليًا بالإبداع الفني هي تعلم كيفية حماية هذه الحياة الداخلية من العالم. اعتز بنفسك، واصنع لنفسك ملاذًا ذاتيًا حيث يُسمح لك بنسيان حياتك المنشورة ككاتب. تنفّس بعمق. داخل هذا الملاذ، يختلف الزمن، فهو مرن وقابل للتشكيل. يتيح لنا ثنيه، وتسريعه، وإبطائه، والقفز للأمام والخلف، كما تفعل عقولنا. يمكننا العودة إلى أفكارنا وذكرياتنا، واختيار الأكثر أهمية بالنسبة لنا. ثمة همس متوهج، كصوت خافت ينبعث من باطن صَدَفَة.
Literary Hub
7 أغسطس 2017
……………………………..
*لان سامانثا تشانغ: مؤلفة رواية “عائلة تشاو”The Family Chao الفائزة بجائزة “أنيسفيلد – وولف للرواية. وقد أُعيد مؤخرًا إصدار طبعة الذكرى الخامسة والعشرين لمجموعتها الأولى جوع Hunger عن دار نشر “دبليو. دبليو. نورتون وشركاه”. وهي أيضًا مؤلفة روايتي “كل شيء طُوي، لا شيء ضاع “All Is Forgotten, Nothing Is Lost و”الإرث” Inheritance الفائزة بجائزة “بين” للكتاب المفتوح .PEN Open Book Awardنُشرت قصصها القصيرة في مجلات “هاربرز Harper’s Magazine “و”أتلانتيك”The Atlantic وفي سلسلة “أفضل القصص القصيرة الأمريكية”. حصلت على زمالات من الصندوق الوطني للآداب، ومؤسسة غوغنهايم، والأكاديمية الأمريكية في برلين، كما حازت جائزة الآداب والفنون من الأكاديمية الأمريكية للآداب والفنون. تقيم في مدينة “آيوا” بولاية آيوا، حيث تُدرّس وتُدير “محترف آيوا للكتاب”Iowa Writers’ Workshop .






















