حين ترتجف اليد ولا يسقط الكأس.. فيزياء الخوف واسترداد الذات في قصيدة سارة وهبة

hend mohsen

د. هند محسن حلمي

تقول الشاعرة:

“المرة دي بكتب بخوف

وكأن فيه إنذار

إن الصُحف هتجف

وهتُرفع الأقلام ..

والوقت قطر وفِكري ع القضبان

والدقيقة ماهيش بسيطة

في الوقت ده الثانية عُمر ..

وعمري زي ما قالها “دنقل”

قاعد بيسقط ورقة ورا ورقة من نتيجة الحيطة

بكتب وعيني مغمضة ..

وإيديا علي قلبي اللي دلدق دمه في كعابي

خايفه افتّح ألاقي شمسي خلاص بتشرق من نواحي الغرب

فكّرت أسلّم .. فكرت ..

فكّرت ألحق نفسي … وبصيت لنفسي قولت يا غُلبك

في إيديا كاس متعبي باللي كان نفسي اكونه

أدلُقه ؟

مفيهوش ذنوب ..

احلام بريئة صافية زي الماية

بعيدة زي الطيف ..

مش قادرة اسيبه

ولا قادرة أدوقُه

إيديا مرعوشه

بِتوقّع الأشياء بشكل مخيف

خرمت وداني الصفارات

الأمنيات دلوقتي في طيارات الورق

والحبل فالت من إيديا

محتاجني أسرع من كده

وانا سرعتي اضعف كتير من سرعته في الهوا

جلدي بيفتّح مسامه لحفرة ورا حفرة

صبري حبّات ع الشجر واستوى

اهرب ؟!

هاتصدقي ؟

مش دي أنا ولا مبدأي

الشيلة شيلتي

وانا

طول عمري بجري بشنطتي وما برميهاش

مع إني ممكن اجري أسرع لو رميتها

بس اخاف لساعتها قلبي يمد إيده بره صدري

يغمي عيني يضلني في الجاي

يزرع في روحي الخوف علي اللي اترمى

وارجع طريقي بالندم والعمى

ما ينوبني إلا إنّ نَفَسي اتقطع

مش هجري لأ

انا لسه ماسكة الكاس وإيدي بترتعش

هدلُقه جايز ذنوبي بجد ..

فتّحت عيني في اتجاه النار والخسوف والحشد

قلبي لمّ الدم من جسمي

إيديا ثبتت وعدلت تاني الكاس

بفرك عينيا بنادي علي اسمي

سمعت نفسي لوحدي من غير ناس

فيه خبط زي البوابات

أصوات هوا وأنفاس

ده شكل قلبي ودي الرئة ودي إيه كمان ؟!

انا كنت حاسة ..

دي ضلوعي حتماً مش خسوف الأرض

شكراً يارب فيه فرصة لسّه .

هخرج أواجه نفسي علي فِعلها

دي مش طريقة للعقاب السوي

دي النكسة ..

لولا إن عيني فتحت صدفة

كنت انسلخت علي يد أشباه البشر

واتوزّعت أشلاءي في انياب الطيور

كنت انتهيت م الشعور والنور

كنت اتنزعت زي الثمر مابيتنزع م النوى

كنت اختفيت في النار

ومشيت بجسمي الفاضي يعايرني الهوا”.

 

في البدايةِ ليست كل القصائد ابنةَ الطمأنينة؛ فبعضها يُكتب من جهة اليقين، حيث تعرف اللغة طريقها قبل أن تخطو، وبعضها يولد في المنطقة الحرجة التي تتجاور فيها الرغبة في الكلام مع الخوف من انقطاعه. وفي هذه المنطقة تحديدًا تكتب سارة وهبة قصيدتها؛ لا بوصفها ذاتًا تقف خارج خوفها فتصفه، وإنما بوصفها ذاتًا تدخل إلى قلبه، وتترك اللغة تتشكل تحت وطأة الرجفة، حتى يغدو الخوف ليس موضوع القصيدة وحسب، بل جهازها العصبي، وإيقاعها الخفي، وقوة الدفع التي تحرك صورها من مشهد إلى آخر.

فمنذ العتبة الأولى: «المرة دي بكتب بخوف»، يتحدد الميثاق الجمالي للنص. فالشاعرة لا تقول إنها تكتب «عن» الخوف، وإنما تكتب «بـ» الخوف؛ أي إن الانفعال ينتقل من حيز الدلالة إلى حيز التكوين. فالخوف هنا ليس شيئًا خارجيًا تستحضره اللغة، بل حالة تدخل في نسيج اللغة ذاتها، فتجعل الجملة متوترة، والصورة متحركة، والإيقاع أقرب إلى تتابع الأنفاس منه إلى انتظامها. ومن ثم تصبح الكتابة فعلًا مقاومًا لاحتمال الصمت، وتصبح القصيدة محاولة لإنقاذ الصوت من اللحظة التي يوشك فيها على الانطفاء.

ولهذا تأتي إشارات «الصحف» و«الأقلام» محملة بأكثر مما تقوله في ظاهرها؛ إذ يبدو النص وكأنه يكتب على حافة جفاف الكتابة نفسها. والمفارقة أن الخوف من انطفاء اللغة هو الذي يشعلها؛ فكلما اقترب الصمت، أصبح القول ضرورة، وكلما بدا العدم أكثر اقترابًا، أصبحت الكتابة صورة من صور التشبث بالوجود. وهنا تتولد المفارقة المؤسسة للقصيدة: الشاعرة تكتب لأنها تخاف ألا تستطيع الكتابة. أي أن الخوف من فقدان اللغة يتحول إلى طاقة لاستعادتها.

ومن هذه العتبة يتأسس التوتر البنائي للنص كله؛ إذ تتحرك القصيدة بين ثنائيات متقابلة: السقوط والإمساك، الانفلات والتشبث، السرعة والعجز، الصمت والقول، الفناء والاستمرار، الهرب والمواجهة. غير أن هذه الثنائيات لا تبقى أفكارًا مجردة، بل تتجسد في أشياء وحركات وأعضاء؛ فتتحول الحالة النفسية إلى فيزياء محسوسة، ويصبح القلق شيئًا يمكن رؤيته وهو يتحرك داخل فضاء القصيدة.

ولعل الزمن هو أول القوى التي تضغط على الذات الشاعرة. في قولها: «الوقت قطر وفِكري ع القضبان»، لا يرد الزمن بوصفه إطارًا محايدًا للتجربة، وإنما يتحول إلى قوة مادية مندافعة، بينما يوضع الفكر على القضبان؛ أي في مسار لا يملك مغادرته. إن الشاعرة لا تقول إن الوقت سريع فقط، بل تمنحه جسدًا واتجاهًا وقوة دفع، ثم تجعل فكرها محاصرًا داخل حركته. وهكذا يتحول الزمن من مفهوم مجرد إلى فضاء ضاغط.

ومن هذه الزاوية يمكن الإفادة من مفهوم ميخائيل باختين عن «الكرونوتوب»؛ فالزمن والمكان هنا لا يعملان منفصلين، وإنما يتداخلان في صورة واحدة تجعل الزمن مكانًا للحصار، وتجعل المكان امتدادًا للإكراه الزمني. القطار يحمل سرعة الوقت، والقضبان تمنح الفكر حدود حركته، فتغدو الذات كأنها تجري داخل زمن لا تستطيع أن تنزل منه.

لكن الزمن لا يظل خارج الجسد؛ إذ سرعان ما يتحول إلى خبرة داخلية: «والدقيقة ماهيش بسيطة / في الوقت ده الثانية عُمر». هنا تنتقل القصيدة من الزمن الموضوعي إلى الزمن المعاش؛ فالثانية لا تساوي قيمتها الحسابية، وإنما مقدار ما تحمله من خوف ووعي وانتظار. إن الخوف لا يوقف الساعة، لكنه يعيد تشكيل الإحساس بمرورها؛ فيضغط المستقبل داخل اللحظة، ويستدعي الماضي إليها، ويجعل الثانية أوسع من عمرها.

ثم تأتي إحالة أمل دنقل: «وعمري زي ما قالها دنقل / قاعد بيسقط ورقة ورا ورقة من نتيجة الحيطة»، لتمنح الزمن هيئة بصرية. فالعمر لم يعد رقمًا أو تاريخًا، بل أوراقًا تتساقط أمام العين. والإحالة هنا لا تعمل كزخرفة ثقافية، وإنما كتفاعل تناصي يعيد إنتاج صورة شعرية سابقة داخل تجربة جديدة؛ فالورقة ليست مجرد وحدة من الزمن المنقضي، وإنما علامة على تناقص الإمكان، وعلى ذلك الإحساس الخفي بأن ما يسقط من نتيجة الحائط لا يعود.

ومن الزمن إلى الجسد، تتحول القصيدة من التفكير في الخوف إلى تجسيده. «إيديا مرعوشه»، «خرمت وداني الصفارات»، «جلدي بيفتّح مسامه لحفرة ورا حفرة»؛ عبارات لا تشرح الخوف بقدر ما تجعله مرئيًا. فاليد ترتعش، والأذن تُخترق، والجلد ينفتح، ثم يظهر القلب والرئة والضلوع. وهكذا يتحول الجسد الأنثوي في النص من مجرد وعاء للتجربة إلى جهاز معرفي يستقبل العالم ويعيد تفسيره.

وهنا تصبح خصوصية حضور الجسد مهمة، لا بوصفها «أنوثة» نمطية، ولا باعتبار أن للمرأة خوفًا مختلفًا بالضرورة، وإنما لأن الشاعرة تجعل الجسد نفسه وسيطًا للرؤية. إن ذاتها لا تدرك العالم من خارجه، بل من داخل نبضها واضطرابها وتوتر أعضائها. وفي ضوء ميرلوبونتي، يمكن القول إن الجسد هنا ليس شيئًا تمتلكه الذات فحسب، بل هو الطريقة التي تسكن بها العالم وتختبره.

ولهذا يبدو الخارج في القصيدة وكأنه يتشكل وفق الداخل؛ النار تكبر، والخسوف يقترب، والحشد يضغط، والصفارات تخترق، لأن الوعي نفسه يعيش حالة من الاستنفار. إن العالم لا يظهر كما هو، بل كما تراه الذات في لحظة خوفها.

ثم تأتي اللحظة التي ينكشف فيها هذا الالتباس بين الداخل والخارج:

«ده شكل قلبي ودي الرئة ودي إيه كمان؟!

أنا كنت حاسة.. دي ضلوعي حتمًا مش خسوف الأرض».

هنا لا تتغير الأشياء؛ الذي يتغير هو نظام الرؤية.ما بدا خسوفًا كونيًا يتكشف بوصفه ضلوعًا، وما بدا كارثة خارجية يعود إلى خريطة الجسد. إن الشاعرة تستعيد في هذه اللحظة قدرتها على تسمية ما يحدث، وباستعادة التسمية تستعيد جزءًا من السيطرة. فالنجاة هنا ليست اختفاء الخوف، وإنما اكتشاف اسمه الحقيقي.

وهذا الاكتشاف يقودنا إلى البؤرة الرمزية الأكثر كثافة في القصيدة: الكأس.

«في إيديا كاس متعبي باللي كان نفسي أكونه».

هنا تتجاوز الصورة استعارة الحلم إلى استعارة الهوية. فالشاعرة لا تقول إن الكأس يحمل «ما تتمنى»، وإنما يحمل «اللي كان نفسي أكونه». أي أنه يحمل صورة الذات الممكنة؛ المرأة التي كان يمكن أن تصير إليها، والحياة التي كان يمكن أن تعيشها، والاحتمال الذي لم يتحول بعد إلى واقع كامل.

الكأس، بهذا المعنى، ليس وعاءً للحلم؛ إنه وعاء للذات المحتملة. ولهذا يصبح سؤال «أدلُقه؟» سؤالًا وجوديًا. هل تتخلى عن احتمالها لكي تنجو؟ هل يصبح التخلص من الحمل وسيلة لحماية الجسد، أم يصبح خسارة لما يمنح الجسد معنى الاستمرار؟

ومن هنا تأتي المفارقة الأكثر قسوة:

«مش قادرة أسيبه

ولا قادرة أدوقه».

إنها ليست فقط عاجزة عن التخلي عن حلمها؛ إنها عاجزة أيضًا عن الاستمتاع به. وكأن الخوف من فقدان الشيء الثمين قد يجعل الإنسان قريبًا منه جسديًا، بعيدًا عنه وجدانيًا. يصبح ما نتمسك به أكثر الأشياء التي نخشى أن نعيشها.

وهنا يتحول الكأس إلى رمز مزدوج: ما يمنح الحياة معناها، وما يجعل فقدانها مخيفًا في الوقت نفسه.

وتأتي الشنطة لتفتح طبقة أخرى من هذا البناء الرمزي: «طول عمري بجري بشنطتي وما برميهاش / مع إني ممكن أجري أسرع لو رميتها».

 

إنها ليست مجرد حقيبة؛ إنها ذاكرة محمولة، أرشيف شخصي، تاريخ صغير تسحبه الذات خلفها. ولذلك فإن التخلص منها قد يمنح الشاعرة خفةً حركية، لكنه قد يسلبها شيئًا من تعريفها لنفسها.

هنا لا تصبح الخفة قيمة مطلقة، ولا يصبح الثقل شرًا مطلقًا؛ فالقصيدة تسأل ضمنيًا: ماذا لو كان بعض ما يثقلنا هو نفسه ما يحفظ صورتنا عن أنفسنا؟

يمكن للمرأة أن تصل أسرع إذا ألقت حقيبتها، لكنها قد تصل إلى مكان لا تعرف فيه من تكون.

ومن ثم لا يصبح السؤال: «كيف أنجو؟»، بل: «كيف أنجو دون أن أفقد نفسي؟»

أما الحبل، فيدخل إلى المنظومة الرمزية من جهة الانفلات: «والحبل فالت من إيديا / محتاجني أسرع من كده». إذا كان الكأس يمثل ما تتمسك به الشاعرة، والشنطة ما تحمله، فإن الحبل يمثل ما يوشك أن يفلت منها.

إنه رمز لكل ما لا ينتظرنا: فرصة، زمن، علاقة، حلم، أو حتى صورة من صور الذات.

لكن الشاعرة لا تواجه هذا الانفلات بادعاء قدرة مطلقة، وإنما تعترف: «وأنا سرعتي أضعف كتير من سرعته في الهوا».

وهذه الجملة بالذات تمنح النص صدقه؛ لأن البطولة هنا لا تقوم على إنكار العجز، وإنما على الاعتراف به ثم اتخاذ القرار رغم وجوده.

ومن هنا تأتي:

«اهرب؟!

هاتصدقي؟

مش دي أنا ولا مبدأي».

إن السؤال يتحول من سؤال نجاة إلى سؤال هوية. الهرب قد يكون أسهل، لكنه لا يشبهها. وبذلك يصبح الخوف امتحانًا أخلاقيًا للذات الشاعرة: هل أختار ما يحميني فقط، أم ما يحفظ صورتي عن نفسي أيضًا؟

وهنا تبلغ القصيدة مركزها الفلسفي والجمالي:

«أنا لسه ماسكة الكاس وإيدي بترتعش».

إنها الجملة التي يمكن أن تُقرأ باعتبارها المفتاح البنائي للنص كله.

اليد ترتعش، لكنها لا تترك.

وهنا تعيد الشاعرة تعريف القوة من داخل الهشاشة. فالشجاعة ليست يدًا لا ترتعش؛ لأن اليد التي لا ترتعش قد تكون فقط يدًا لم تدرك الخطر. أما اليد التي ترتجف ومع ذلك تظل ممسكة، فهي يد تعرف الخوف وتختار رغم وجوده.

ومن هنا تتشكل «فيزياء الارتعاش» التي تحكم النص: القطار يتحرك، الزمن يندفع، الأوراق تتساقط، الحبل ينفلت، اليد ترتجف، الصفارات تخترق، الجلد ينفتح، النار تشتعل، الخسوف يظهر. كل شيء تقريبًا في حالة حركة أو سقوط أو تهديد بالانفلات، بينما يظل هناك مركز واحد يقاوم هذه الفوضى: الكأس في اليد.

إنه مركز الثبات داخل كون متحرك.

ولهذا لا يكون الكأس مجرد رمز للحلم، بل يصبح مقياسًا لاستمرار الذات. سقوطه يعني أكثر من سقوط شيء مادي؛ يعني سقوط الإمكان الذي يحمله. أما بقاؤه فلا يعني أن الخطر انتهى، وإنما يعني أن الشاعرة لم تفقد بعد قدرتها على الاختيار.

وهنا تتصل هذه البنية بمفهوم «الوكالة» أو استرداد القدرة على الفعل؛ فالذات لا تستعيد السيطرة على العالم، لكنها تستعيد السيطرة على موقفها منه. لا توقف القطار، ولا تعيد الحبل، ولا تجعل الشنطة أخف، ولا تمنع الزمن من إسقاط أوراقه، لكنها تستطيع أن تقرر: لن أترك الكأس.

وهذه النقلة من «ما يحدث لي» إلى «ما أختار أن أفعله بما يحدث لي» هي أعمق حركات النضج في القصيدة.

ومن هنا أيضًا تتخذ عبارة «هخرج أواجه نفسي على فعلها» أهميتها؛ فالمواجهة لم تعد مع خطر خارجي فقط، وإنما مع الذات التي قد تتحول، تحت وطأة الألم، إلى خصم لنفسها. وحين تقول: «دي مش طريقة للعقاب السوي / دي النكسة»، فإن القصيدة تفتح منطقة أكثر عمقًا من الخوف نفسه: منطقة العقاب الداخلي.

فالإنسان قد ينجو من الحدث، لكنه يواصل معاقبة نفسه عليه.

ومن هنا تصبح النجاة الحقيقية مزدوجة: الخروج من الخطر، والخروج من الحرب الداخلية.

وتأتي «شكراً يارب فيه فرصة لسه» باعتبارها نهاية لا تعلن انتصارًا مكتملًا، وإنما تستعيد الإمكان. وكلمة «لسه» هي جوهر هذه النهاية؛ فهي لا تقول إن كل شيء أصبح بخير، بل تقول إن الباب لم يُغلق.

إنها كلمة صغيرة، لكنها تحمل فلسفة كاملة: ما دام هناك «لسه»، فثمة إمكانية.

ولهذا فإن نهاية القصيدة لا تمنح القارئ خلاصًا نهائيًا، بل تمنحه فرصة. وهذا أكثر نضجًا من النهايات التي تغلق الجرح بجملة مطمئنة؛ لأن الحياة نفسها لا تمنح دائمًا خاتمة مكتملة، وإنما تمنح أحيانًا مساحة أخرى للمحاولة.

ويكتسب تكرار «كنت» في المشاهد الختامية دلالة إضافية؛ فهو يؤسس زمنًا احتماليًا، زمنًا لما كان يمكن أن يحدث ولم يحدث. فـ«كنت» تفصل بين الواقع والسيناريو البديل، بين الكارثة التي وقعت في الوعي والكارثة التي لم تقع في الواقع.

وهنا تقف الشاعرة بين حياتين: حياة عاشتها، وحياة كان يمكن أن تعيشها. والوعي هو اللحظة التي تفصل فيها بين الاثنتين.

ومن هذا المنظور يمكن قراءة العناصر المادية في النص — الماء، الهواء، النار، الجسد — بوصفها عناصر تتحول من مادتها الفيزيائية إلى طاقات نفسية وتخييلية. فالماء في الكأس يحفظ الإمكان، والهواء يدفع نحو الانفلات، والنار تستحضر الفناء، والجسد يستقبل هذه القوى ويعيد صياغتها في صورة إحساس.

وهنا يمكن استدعاء شعرية باشلار لا باعتبارها مرجعًا تزيينيًا، وإنما لفهم كيفية انتقال المادة من حضورها الحسي إلى حمولتها التخيلية. فالعنصر في النص لا يبقى عنصرًا؛ يتحول إلى حالة من حالات النفس.

وبذلك لا تكون القصيدة مجرد قصيدة عن الخوف، وإنما قصيدة عن إعادة تسمية الخوف.

في البداية يبدو العالم هو الذي ينهار، ثم نكتشف أن جزءًا من الانهيار كان في طريقة رؤيتنا للعالم.

في البداية يبدو الزمن عدوًا يطارد الشاعرة، ثم يصبح فضاءً يتعين عليها أن تختار موقعها داخله.

في البداية يبدو الكأس عبئًا يهدد قدرتها على النجاة، ثم يتحول إلى دليل على أن ثمة شيئًا يستحق أن يُحمل.

وفي البداية يبدو ارتعاش اليد علامة ضعف، ثم ينكشف بوصفه الوجه الآخر للقوة.

وهنا تتجاوز سارة وهبة الخطاب التحفيزي المباشر؛ فهي لا تقول: لا تخافي. ولا تدّعي أن الشجاعة تعني غياب الخوف. بل تذهب إلى منطقة أكثر تعقيدًا وصدقًا: يمكن أن تخافي دون أن تمنحي الخوف حق تعريفك.

يمكن أن ترتجفي، دون أن تتركي.

يمكن أن تتعثري، دون أن تجعلي التعثر هويتك.

يمكن أن تكوني هشّة، دون أن تكون هشاشتك حكمًا نهائيًا عليك.

وهذه الصياغة تحديدًا هي ما يمنح حضور الذات الأنثوية في القصيدة فرادته؛ فالشاعرة لا تقدم «المرأة» بوصفها نموذجًا نمطيًا للقوة أو الضعف، وإنما تقدم امرأة بعينها تواجه خوفها بجسدها وذاكرتها ومبادئها واختياراتها. أنوثتها هنا ليست موضوعًا خارجيًا، بل جزء من خصوصية الصوت وتجربته، من غير أن تتحول إلى قيد على دلالة النص؛ إذ سرعان ما تنتقل التجربة من خصوصية صاحبتها إلى إنسانيتها الأوسع.

فالقصيدة لا تقول: هذه تجربة امرأة فحسب؛ وإنما تقول: هذه تجربة إنسان يكتشف أن أثقل ما يحمله قد يكون أكثر ما يخشى فقدانه.

وهنا تتجلى القيمة البلاغية الكبرى في تحويل الأشياء إلى حالات: الكأس ليس كأسًا، والشنطة ليست شنطة، والحبل ليس حبلًا، والقضبان ليست قضبانًا، والخسوف ليس خسوفًا.

كل شيء في النص يبدأ ماديًا، ثم يتشقق عن معنى آخر.

وهذا هو جوهر المجاز في القصيدة: أن تجعل الشيء يقول أكثر مما يسمح به اسمه.

فالكأس يقول: «هذه أنا التي أخشى أن أفقدها».

والشنطة تقول: «هذا ماضيّ الذي لا أستطيع أن أركض بدونه».

والحبل يقول: «هذا ما يوشك أن يفلت مني».

والجسد يقول: «هذا هو الخوف حين يعجز الكلام عن احتوائه».

واليد تقول أخيرًا: «وهذا ما اخترت ألا أتركه».

ومن ثم تبدأ القصيدة بالقلم وتنتهي بالوجود؛ تبدأ بالخوف من جفاف الصحف، وتنتهي باستمرار اللغة؛ تبدأ باحتمال سقوط الأشياء، وتنتهي ببقاء شيء في اليد؛ تبدأ باضطراب الرؤية، وتنتهي باستعادة البصيرة.

إنها حركة من الخوف إلى الوعي، ومن الوعي إلى الاختيار، ومن الاختيار إلى استرداد الذات.

ولهذا فإن الكأس هو أكثر من استعارة مركزية؛ إنه المجاز الذي تختبر القصيدة من خلاله معنى الإنسان نفسه.

فإذا سقط الكأس، لم يسقط الماء وحده، وإنما سقط احتمال.

وإذا بقي، لم يصبح العالم آمنًا، وإنما بقيت الذات قادرة على أن تقول: أنا ما زلت هنا.

وهنا تكمن قوة النص الحقيقية: لا في أنه ينتصر على الخوف، بل في أنه يرفض أن يجعل الخوف صاحب القرار.

فاليد ترتعش.

والحبل ينفلت.

والزمن يمضي.

والشنطة ثقيلة.

والطريق غير مضمون.

لكن اليد لا تفتح.

وهذه ربما أعمق صورة يمكن أن تمنحها القصيدة للشجاعة: أن تعرفي قيمة ما بين يديك إلى الحد الذي يجعلك تتمسكين به حتى في اللحظة التي لا تكفين فيها عن الارتعاش.

لقد كتبت سارة وهبة خوفها، فتحول الخوف إلى لغة، وتحولت اللغة إلى وعي، وتحول الوعي إلى اختيار، وتحول الاختيار إلى نجاة.

لكنها لم تقل إن النجاة تعني أن تتوقفي عن الخوف.

وهنا تحديدًا تبلغ القصيدة نضجها الإنساني والجمالي.

فالنجاة ليست أن تصبحي امرأة لا ترتجف.

النجاة أن ترتجف يدك، ولا يسقط الكأس.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع