ألعاب اللغة

محمد فكري الجزار
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

محمد فرحات
“١”
ظلت المواءمة بين قلبه وعواطفه الجياشة، وعقله وأطروحاته الصارمة، شغله الشاغل طوال رحلته الفكرية، ووثباته المقدامة ما بين أقصى اليمين لأقصى اليسار، مع النزعة الوجودية الصادقة لمصارحة الكون بتوجهه، وما يفرضه ذلك من التزامات وردود فعل تبدو متسقة مع ما اعتنقه بكل صدق.
مع هدفه الأسمى لإيجاد حل، موافقا لقناعاته ومعارفه وخبراته المتراكمة، لإشكالية الحرية في إطار شمولي إنساني للحرية، وممارستها كنمط حياة كلي، لا كما اختزلتها العقلية الشرقية والعربية منها خاصة في إطار الممارسة السياسية، لا كإيمان حقيقي بقضية الحرية السياسية الضيقة وإنما كسلوك لا يبعد كثيرا عن مناخ المكايدة، واحتكارها فيما بعد لفصيل سياسي أو اجتماعي أو طائفي يمارس الحكم. فالحرية عند “محمد فكري الجزار” خلاص شمولي لكل أزمات الحياة الإنسانية بكافة جوانبها وتنويعاتها.
يبدأ “محمد فكري الجزار” كتابه “ألعاب اللغة” المصنف على النقد الأدبي الحديث، بمقدمة سيرذاتية، بلغة اختزالية مكثفة للغاية، عن بدايات تكوينه كطفل، لأحد الأسر الارستقراطية (أعيان/ إقطاع) ولد مبتسرا، ضعيف البنية، ينتظر والداه بإشفاق وحسرة فراقه من ساعة لأخرى، إلا أن المعجزة تتحقق، وتكتب للجزار الحياة، فيما يشبه كرامات الأولياء.
وتجربة اعتقال والده العضو البرلماني الأشهر “فكري الجزار”، بعد وصفه لنكسة 67 أنها عار، ثم تجربة العزل السياسي.
لم تكن العلاقة بين المثقف الثوري العضوي “فكري الجزار” بابنه غير علاقة أستاذية وتلمذة، لينشأ الفتى بين جوانب مكتبة أبيه، يقضي ساعاته كلها، فمناقشات عاصفة بين الأستاذ وتلميذه.
وفيما يشبه الديالكتيك الجدلي يتنقل الثوري الشاب ما بين تيارات الإسلام السياسي كموضوع، لنقيضه اليسار الماركسي، ثم التصوف كمركب النقيضين. لم يكن انتماء “محمد فكري الجزار” انتماء حزبيا، بقدر ما كان انتماء لفكرة رفع المظلومية سياسيا/طبقيا، وأحقية خلاص المستضعفين بنيل فرصة للحياة الحرة.
لم يكن انتماء حزبيا سياسيا ضيقا، تأنف طبيعة “الجزار” المتمردة الحرة الخضوع لقيوده المكبلة، وإطاره التنظيمي الصارم العقيم، بل كان انتماء للإنسان في المقام الأول. وأيضا لم يكن مجرد إيمان دوجماتيكي، مستظهرا جوانبه النظرية، منتظرا فرصة قد تأتي للتطبيق، أو على الأقل العيش بين جوانبه كسجن ذاتي لا يفارقه.
“دخل الفتى مرحلة شيخوخته، وهو إذ ينظر خلفه لاينظر بغضب، وإنما برضا مفعم بالنعمة التي كان ربه يقلبه فيها حتى أن فترة إلحاده كانت بعض أنعمه. ولذا لم يشطب على معرفة اكتسبها يوما، فمهما كان تصنيفها ووصفها تبقى معرفة وليست دوجما، وبما هي كذلك فهي نافعة بمرونتها المفرطة للتحويل، وبقابليتها الفائقة للتوظيف. ”
كان من المناسب،إذن، تلك اللغة الشعرية الاختزالية المكثفة الأسيانة لمقدمة كتاب نقد علمي، ف”الجزار” قد رأي أن حياته الأكاديمية، كأستاذ نقد حديث، والتزامه بلغة ومنهج الأكاديميا، كانت قيدا آن أوان الانعتاق منه هو الآخر، ليبق فقط الإنسان المنحاز بكل قوة لإنسانيته، بعيدا عن أي تصنيف أو محاولة لإدارجه في خانة ضيقة، ليجسد كسر هذا القيد الأخير توقه، وشغفه اللامتناهي لتحقيق حريته وانعتاقه كإنسان.

“٢”
يتساءل د.”الجزار” “لم لا نقول(الشعر) بدلا من (الشعري)؟” ثم يفرق بين كون الشعر مصطلحا تجريديا، اكتسب مفهومه من نظرية الأجناس الأدبية. وأن الشعري “يستمد مفهومه من النص الشعري المتحقق بالفعل.”
وأيضا فإن “الشعر” بحكم تجريديته فهو لازمني بامتياز، بيد أن “الشعري” على عكس”الشعر” “فزمني متغير بتغير ما يحيل إليه.”
و”الشعر” ابن بيئته الاجتماعية، ينفعل بها فيعبر عنها، فضلا عن ذلك، ف”الشعر”” ينتمي إلى نوع من الفلسفة الاجتماعية ماثلة في نظرية الأدب وأجناسه” في حين أن “الشعري” انتمائه لواقع النص ذاته.
ثم يتحدث عن تبادلية تهمة التأزم بين أطراف “الخارطة الشعرية” فالقارئ يتحدث عن أزمة “الشعر”، والشاعر يتحدث عن أزمة “النقد”، وينفي د.”الجزار” وجود الأزمة من الأصل، وإنما مجرد سوء فهم ناتج عن “الغياب” “غياب خطاب لا هو بالنظرية ولا هو بالمنهج، حر من النظرية والمنهج وتجريداتهما”.
فالقارئ غير مهتم في الأصل بالمنهج النقدي الأكاديمي ونظرياته ونتائجه، والناقد يحاول التوفيق تطبيقيا ما بين النظري والشعري، ويقاس مدى نجاحه بقدرته على هذا التوفيق. وهذا أيضا لا يعني القارئ الغير متخصص أكاديميا. ثم يقر بأن الأزمة تتجسد في عدم العناية باهتمامات القارئ العادي.
فأهم ما يبحث القارئ عنه هو التجربة الشعرية، والتي تدثرت باللغة كقشرة فقط، “وليس أداة توصيل على الإطلاق”. فإذا أسفرت التجربة الشعرية بوجهها للقارئ، أخذته هزة المتعة، وأعاد قراءة النص عدة مرات، بخلاف إذا تصفح نقدا لذات النص الذي انفعل به، فإنه لا يجد أثرا مما وجد سابقا،”هذه هي عين الأزمة الحقيقية.”
ولكن، وفي ذات الوقت، لا يمكن تبني قراءة القارئ العفوية كنظرية شعرية، وإلا كان اختراعا جديدا لتجريدات النظرية.
“الممكن الوحيد هو بناء أفق تلقي الشعر من المنظور الذي يهم القارئ وهو المتعة التي يستشعرها في نصه ولا يعرف لها كنها…”
تلك المهمة تحتاج إلى خطاب حر، وليس نظرية، مع عدم إهمال المنجز النظري والمنهجي”من أرسطو إلى دريدا، مرورا بالجاحظ وقدامة والجرجاني والسكاكي…”، لكن ليس كحتم جاثم بل كثقافة ننفعل بها أخذا وتركا وتغييرا، للبحث عن العلة النصية التي تسبب متعة القارئ العادي.
فالقارئ غير معني في الحقيقة بغير “المتعة” ليتحد مع غاية “الشاعر” ذاتها والتي لا تخرج أيضا عن ذات “المتعة” أو ما بدأه “رولان بارت” بكتابه “لذة المتعة” ولم يكمله، أو يسير غيره على نهجه، منطلقا من القطيعة التامة لكل النظريات والمناهج، مستغرقا بأسلوبيته الكتابية التي عوقت رؤيته وأرهقتها، وبدت محاولة “بارت” “كأنها كتابة أدبية مرادة لذاتها، أكثر من كونها أفقا جديدا لتلقي نص الشعري.”
والمتعة، مع ذلك، “ليست شعورا خالصا، إنما هي معرفة وموضوعها ليس المتعة ذاتها، وإنما ما أنتجها، أي “الشعري”، ليس بوصفه أي شئ آخر غير كونه مصدرا لإنتاج المتعة…”
ما الذي يجعل “الشعر” ممتعا، ما آليات إنتاج المتعة، وبشمولية يتساءل”كيف تنتج اللغة المتعة؟ وعنوان الإجابة(الحرية) حرية دلائلها في اللعب…” فالشعري “يخفض قانونية اللغة إلى درجة تعطيل إنتاجيتها”.
فلا يبقى أمام الدوال الشعرية غير التداعي الحر، والذي لا يفلت عنه المعنى، ما أسماه “اللعب الحر”، ومن ثم يتورط القارئ ذاته في اللعبة، لعبة إنتاج مدلولات جديدة يخلقها تفاعله مع النص الشعري، ويتلامس هذا الإنتاج مع وعي القارئ وربما أيضا لا وعيه، منتجا رؤية جديدة للنص بشموليته ومفرداته، وتحيل القارئ لاعبا مركزيا في لعبة إعادة إنتاج الدلائل.
ف”خطاب المتعة/اللعبة ليس منهجا ولايريد أن يكون، ولا نظرية ولا تنبغي له، وبالرغم من هذا، ففيه من المنهج ما فيه، ومن النظرية ما يغنيه، لتقديم مقاربة حرة للشعري وألعابه التي لا موضع فيها لنحو ولا لبلاغة…”
ستقابلنا لفظة”الحرية” كثيرا لتجسيد توق وشغف د”الجزار” للحرية، ليس فقط ممارستها كفعل أصيل بشتى النواحي الحياتية، ولكنها، وفي هذا السياق، محاولة للانعتاق من مناهج ونظريات النقد الأكاديمي، ومحاولة الانفعال الحر مع النص، ومنح تلك الحرية للمتلقي.
وكما أن للحرية ضوابط عامة، كذلك فالانفعال الحر(اللعب الحر)مع النص له ضوابطه أيضا، من ضرورة الارتكاز على المنجز الثقافي التاريخي الواسع الممارسة من أول أرسطو ب”فن الشعر” إلى دريدا وتفكيكه ب” الكتابة والاختلاف”، مرورا بالتراث النقدي العربي.

حمد فرحات

“٣”
هو صراع الإرادات الأزلي بين “المؤسسة/اللغوية/اللسانية/ الأدبية” والفرد غير المنتمي لها، والمحلق بعيدا عن أطروحاتها الرسمية، تحاول الأولى تدجينه، فإن فشلت فاستبعاده ونفيه، ويناضل “الفرد” للحفاظ على هويته الفردية، فيناطح أطروحات “المؤسسة”، بأطروحاته، حتى يملي أحدهما على الآخر إرادته. 
ولكي تُبقِى “المؤسسة” على سلطتها، فلابد أن تتمتع بقدر من المرونة، فإنها تحتوي تمرد الفرد بعد لاجدوى استبعاده ونفيه، فتتبنى “أطروحاته” والتي سبق أن حاربتها، وتصير أطروحة الفرد المتمرد أطروحة المؤسسة ذاتها بمرور الوقت.
“يبدو بعض الكلام مجرد نزعة جامحة للحرية إلى حد إنتاج الأصوات، ولعل قصيدة(صوت صفير البلبل) المنسوبة للأصمعي، والأخرى المنسوبة لامرئ القيس(تعلق قلبي طفلة عربية) حجة على هذا النزوع الحر للعبث بها.”
فلم تترك “المؤسسة” هذا النزوع للعب الحر، وإنما تبنته كنظام ثانوي لدلائل الشعر، في محاولة لتنظيم/تقييد هذه النزعة للحرية.
سرعان ما يتحول هذا “الاحتواء” الناعم من قبل “المؤسسة الأدبية/اللسانية” لقمع صريح، يتمثل في إملاء نظرياته، بحجة تسهيل التلقي، بينما هي في الحقيقة”آلية قمع لفوضى الحرية التي يمارسها”الشعر” في خطاب اللسانيات” 
“المباشرة” بين النص الأدبي ومتلقيه بدون وسائط، هي جذر ثنائية التمرد/ الاحتواء بين الفرد الامنتمي والمؤسسة، فتقاوم “المؤسسة” بتخليق ما أسماه د”الجزار” ب(المتلقي)القارئ النموذجي/ الناقد، وشرط تسميته الوحيد بأحد تلك المسميات هو تبنيه مقولات”المؤسسة” النظرية والمنهجية وأيضا تجريداتهما، ليكون الاعتراف به من قبل “المؤسسة” للترويج له ومكافأته من قبل مؤسسات التعليم/النشر/ التقدير الاجتماعي(المؤسسات مانحة الجوائز)، كترسيخ من قبل “المؤسسة” لأطروحتها المهيمنة، وكوسيلة ترغيب لكل متمرد أن ينتمي، وترهيب لكل سادر في تمرده بالنفي والاستبعاد. 
وفي ذات الوقت تعمل “المؤسسة” على طرد كل ممارسة حرة، تبعد عن تنظيرها لكل ما هو “أدبي” من وجهة نظرها، ولأن كلا من الأديب والمتلقي(القارئ العادي) يلتقيان فقط بمباشرة على قاعدة النص، ليمارسا تهديدا مباشرا لسلطة”المؤسسة”، فسرعان ما تبادر الأخيرة بإيداعهما مؤسسة الاصطلاح والتنظير(الإصلاح والتهذيب المعرفيين) باستلاب إنسانيتهما، وتحويلهما لمجرد مصطلحين بالنظرية الأدبية المؤسسية.
وكما كان “فائض القيمة” مؤرقا لكل النظم الاقتصادية بتنويعات ألوانها، كان “المتبقي” يقول د”الجزار” ” إن مقارنة بين مقاربتين نقديتين مختلفتي المنهج لعمل أدبي واحد، يشير إلى شئ في غاية الأهمية لما نحن بصدده، إنه”المتبقي” من المقاربة الأولى والذي سمح بالأخرى، وفي الأخرى متبق ولابد يسمح بمقاربة ثالثة، وهكذا إلى ما يشبه الانهاية…” 
إن هذا “المتبقي” المنفلت من قبضة النظرية هو اللغم المفجر لنظرية “المؤسسة”، والتي تسارع لوضع مناهج تأسيسية لاحتواء طاقاتها التفجيرية، في منافسة من قبل (الامنتمي) “لتطوير كيفيات إنتاج “المتبقي” بما يحفظ عليه حريته.” 
ينحاز د”الجزار” كموقف متمرد نهائي إلى (الامنتمي)/ القارئ العادي الملتقي مع المبدع على قاعدة النص الإبداعي، بدون وسائط تنظرية ومنهجية مؤسسية، يكافحا من أجل خلق، ثم اكتشاف جماليات النص، كفاح تتسم ممارسته بالغموض، وفي ذات الوقت بالحميمية، “كحميمية الكلام اليومي وحريته”، كفاح للبحث عن “المتبقي” من قبضة النظرية، على قاعدة التذوق الفطري السليم البعيد عن تقعيرات وتعقيدات النظرية والمنهج المؤسساتي، بغض النظر عن النفي أو الاستلاب أو الإيداع بمؤسسة “الاصطلاح والتنظير”. 
هي جدلية آلية حتمية لامتناهية بين الفرد الامنتمي/القارئ العادي و”المؤسسة” وتجلياتها التنظرية والمنهجية، بحث عن “المتبقي” في مقابل تخليق المنهج لقمعه، وعقابه، ومن ثم تطور معايير أدبية الأدبي كناتج عن تلك الجدلية حتمية الصيرورة. 
ويحرض د.”الجزار” على خلع إيهاب القارئ النموذجي/الناقد من فسدت ذائقته بفعل المناهج النقدية، وتبني ذائقة القارئ العادي دون وسائط مع العمل الأدبي على شرط:
“١- أن نحرر من نير المناهج والنظريات ذوائقنا الأدبية،
٢- أن نُحسِن مراقبتها في مقاربتها العمل الشعري،
٣- تتبع العلاقات التي تنشؤها/ تبدعها بينها وبين دلائله.”

مقالات من نفس القسم