عمر سامح*
عرفت الصديقة نهى عبد الرسول وتعرّفت على منجزها الشعرى فى ذات السياق المكانى والزمنى، ولهذه الإشارة الافتتاحية مغزىً مقصود سيتضح بعد قليل.
أما السياق فكان دعوة كريمة من “دار هنّ” – ناشر ديوانها الشعري الأول “كل شوارع المدينة”- لمناقشة الشاعرة، التى لم أكن تشرفت بمعرفتها من قبل، رحّبت بالطبع وعكفت على قراءة الكتاب فور أن وصلنى، ثم تواصلت مع نهى شخصياً لتنسيق مجريات النقاش، وما إن تكلمنا حتى أثبَتت لى نهى صحّة مقولة القدماء “تكلّم حتى أراك”!
إذ سرعان ما “رأيت” شخصية نهى بوضوح! لا السمات الممتزجة منها تلك الشخصية فقط، لكن التقارب الشديد بين تلك السمات وذلك المزيج، وبين شخصية ومزيج نصوصها وشعرها كما اتضح لى فى القراءة!
ستسألنى ما هى هذه السمات الممتزجة المشتركة بين نهى وشعرها؟؟ وسأجيبك فوراً لنعبر من المقدمة إلى أُولَى عتبَات الاقتراب من الشاعرة وعالمها
من هذه السمات – فى اعتقادى – هو مزيج العقلانية الصارمة والرقّة البالغة ! وكذلك مزيج التدفّق الواثق فى عالَم الكتابة والحذر القَلِق فى عالَم الواقع!
هل لذلك علاقة تناصيّة مع مزيج المكوّن السكندرى والمكوّن الألمانى لدى نهى؟؟ التى وُلِدَت ونشأت وأمضت الشطر الأساسىّ من حياتها فى مدينتها الأم – ولا شكّ تشربَّت حسّها وجابت فضاءاتها وشوراعها، إذ تعلّمت فى المدرسة الألمانية ثم درست الاقتصاد ثم عملت فى تدريس اللغة الألمانية، وبعد ذلك انتقلِت فى شطرٍ تالٍ من حياتها لألمانيا نفسها، حيث تقيم وتعمل، ولاشك تجوب فضاءات وشوارع تلك البلاد وتتشرّب حسّها المختلف وثقافتها الخاصة ولغتها – غير الغريبة علي نهى !
ربما يكون ذلك تناصّاً أول مع المزيج الأول، أو تناصّ ثانٍ مع المزيج الثانى!
لكن المؤكد، أننا الآن نتجاوز العتبَة الخارجية إلى صُلب موضوعنا، وهو قراءة تأملية فى مُنجَز نهى الشعرى ، فى ضوء السمات الشخصية والأدبية سالفة الذِكر
بين يدينا ديوان من 150 صفحة يحتوى على 76 نصّاً شعرياً ، أي أنها – كلّها – نصوص قصيرة ومكثفة، ولنلقى الضوء على الأسلوب واللغة والبنية الشعرية فى بعض تلك النصوص
الأسلوب فى كثير من النصوص يغلب عليه طابع “الرصد” ، أ “عدسة الكاميرا”، ويتحقق ذلك من خلال لغة واضحة، سَلِسة، بعيدة عن تقنيات الكتابة الحداثية أو ألاعيب الإغراق فى الرمزية. هى ببساطة لغة “تريد أن تحكى عن الرحلة”…”تريد أن تَصِف” : تَصِف المشاهد الظاهرة الملموسة للمدن والمنازل والشوارع والشخوص، وكذلك المشاعر الداخلية لدى الصوت الشعرى، السارد غالبا بلسان “الأنا”
أما البنية الشعرية، فهى استرسال سردى حُرّ “يبدو” كالنثر لكنه ليس كذلك، إذ يستوفى رُوح الشعر من حيث كثافة التعبير، وحضور الرمزية، وقبل وبعد ذلك الشحنة العاطفية القوية
ماذا عن التأمل الفلسفى ؟
يتجلى جوهر هذا التأمل عبر النصوص – متجاوزاً الاختلافات التفصيلية بينها. وهو “هَمّ الثنائيات” إن أمْكَن القَول: ثنائية السفر والوصول، الونس والاغتراب، الحضور والغياب، هذا المكان وذاك إلخ…
فى ختام نص “بيوت مهجورة” تقول نهى :
(بُيوتُ مهجورةٌ من طابقٍ واحدٍ
لن تظفرَ بتفاصيل حياتِى
ولن أظفرَ يوماً
بسعادةِ السّكنِ فيها)
وفى ختام نص “طريقٌ ذو اتجاهٍ واحد “:
(لن أنسجَ كُوفيّةً من أوهامِ الشتاءِ مرّةً أُخرَى
لن أسْمَحَ لخُيُوطٍ أن تُحرّكَنى نحوَ العُزلة
أريدُ ولأوّل مرّةٍ
أنْ أرى كلّ شىءٍ بوُضوحٍ)
“المكان” – كما يتضح من عنوان الكتاب – يحضر بقوّة فى شعر نهى. “المدينة – السفر – الطريق – الشارع – المحطات” ليست مجرد مصطلحات متكررة أو تيمات أدبية، إنما “أنسجة” أساسية لكثير من النصوص ، فى البنية والموضوع والتعبير، حيث يجرى أحياناً “أنسنة” تلك الأماكن، كما فى نص “اتخذنا المنازل غطاءً لنا” :
(ظننّنا بأن أحداً لن يرانا
ولكننا ظهرنا فى هيئة المنازل
ربما تبدأُ جميعاً قريباً فى السَّيْرِ
وتلتقى
بدلاُ عنّا، وتتبادلُ التحيّة)
بل إن استحضارالأماكن والتفاعل معها أحياناً لا يكتفى بما هو فى إطار الواقع، إنما يتجاوزه إلى ما هو داخل “واقع الإطار”! أى “داخل لوحة” ، كما فى نص “خريف عربى” ، الذى تتأمل فيه الشاعرة “إحدى لوحاتها المفضلة”، لوحة إدوارد هوبر “السائر فى اللَيل”
الثقافة الفنية المتنوعة – المحلية والعالمية – من السمات الواضحة كذلك، فلا تخلو النصوص من إحالات للفن التشكيلى (كما أسلفنا)، وللموسيقَى (حضور لآلات موسيقية شرقية كالعود وغربية كالبيانو) وللأدب (استدعاء قصائد لفريدريش ديليوس وجوته وفروغ فرغزاد وإيمان مرسال وسنية صالح، و روايات توماس مان وبول أوستروألبير كامو) ، وكذلك استحضار تيمات سينمائية من أفلام عبد اللطيف كشيش ويسرى نصر الله
وإذا كان المكان حاضراً ومؤثراً، فكذلك “الزمن” لا يقل حضوراً أو تأثيراً. الزمن الشخصى الفردى، أو العائلى المشترك ، أوالمنطلِق فى الفضاء العام. نصوص نهى تتراوح وتتحرك دائماً بين النوستالجيا والراهن والآتى، تستدعى الماضى وتتأمل الحاضر وتستشرف المستقبل. وبالطبع يتداخل فيها الزمن والمكان معاً فى نسيجٍ واحد، هو الذاكرة..كما فى “رحلة بحرية”، إحدى أرق قصائد الكتاب :
(لا توجد بذاكرتى أجمل من تلك اللحظة
هى ونزهة على الشاطىء
يوم اقتنصنا من المساء لحظات
بلّلْنا فيها قدمَيْنا)
ختاماً، أدعوك أيها القارئ العزيز للاستمتاع كما استمتعت أنا، برحلة التجوال الخلابة التى أتاحتها لنا نهى عبد الرسول عبر جانب من مسارات أماكنِها وأزمنتِها، وبعض دواخل أحلامها وهواجسها وذاكرتها…وكل شوارع “مدُنِها”!
………………..
*شاعر وناقد مصري


















