ماجد الخطيب
يحذو الروائي المصري سعد القرش، في ديستوبياه التخيلية “2067”، حذو الكاتب الكبير جورج أورويل في روايته الشهيرة “1984”. ولا يبدو أن القرش كان يقرأ فنجانًا أو يرمي ودعًا وهو يبني رؤياه المستقبلية القاتمة هذه، لأنه، كما هو واضح، يستشرف المستقبل “شبه المكتوب” لمصر وفق تحليل مادي علمي وفرته خبرته السياسية والصحفية والمعرفية. هكذا فعل الكاتب المثقف الواعي طبقيًا جورج أورويل، ولم يكن بحاجة إلى عرّافات أو “ساحرات مكبث” كي يخبرنه عن مستقبل الزمان والمكان الذي يعيش فيه.
بعيني المحامي رشيد وعيني القطة “رانو”، التي تعيش أفضل من حياة الملايين من البشر في مصر عام 2067، وربما هي حبيبته “المستحيلة” سونهام، يصور لنا الكاتب مجتمعًا لا يعيش فيه بكرامة غير الذي أمسى “لا سمع لا بصر لديه ولا فم… لا يستحق كرامة إلا الأصم الأبكم” (من قصيدة “يا قوم لا تتكلموا” للشاعر العراقي معروف الرصافي). مجتمع تراقبه الكاميرات الإلكترونية الثابتة والمحمولة، والشرائح الإلكترونية المزروعة تحت الجلود، والكائنات المنمنمة الخفية التي تتطاير حول الرؤوس، وتحصي الأنفاس، وتقرأ الأفكار، وتنفذ مهمة إزالة الغريب من الأفكار “المعادية”.
بعد أن اختار مصر مكانًا لروايته، لا يختار سعد القرش زمن روايته عبثًا، لأن الأحداث التي شكلت تاريخ مصر الحديث تنساب بالأرقام والأحداث طوال فصول الرواية، وتكشف مدى تأثر المحامي رشيد بهذه الأحداث: خمسون سنة على “النكسة”، ومئة وخمس عشرة سنة على بيان العسكر في يوليو 1952، وست وخمسون سنة على 25 يناير 2011 وجمعة الغضب. هذا الزمن، وهذه التواريخ، وذاكرة هؤلاء الأفراد العصيين على الترويض، هي المستهدفة بالمحو من قبل سلطة “أفندينا” التي تفرض الرقابة الشاملة سنة 2067.
لا يفرض الدكتاتوريون هيمنتهم السياسية والاجتماعية والفكرية ما لم يعملوا على تحطيم الوحدة الاجتماعية الصغيرة المسماة “العائلة”. هكذا فعل قادة السلطات الشمولية، من هتلر إلى بينوشيه وصدام حسين. هذا ما يعرضه لنا الكاتب من خلال زواج رشيد الباهت، الخالي من الحب، الذي أنجب طفلًا يعجز عن الكلام تعبيرًا عن مجتمع “الخرسان”، الذي يسعى إليه “الأخ الكبير”. ربما سيكون هذا الطفل بحاجة إلى “طبل الصفيح” (غونتر غراس) يقرع عليه آلامه وغضبه من حرب يتمنى ألّا يكبر كي يشارك فيها.
لا تختلف الحال في عائلة سونهام وزوجها الدكتور في معهد السينما، من ناحية برود العلاقات العائلية في زمن “المطبلين” لأفندينا. ولا شك أن هذا البرود هو الذي دفع سونهام، فضلًا عن هاجس “المقاومة” الذي يجمعهما، إلى أحضان رشيد الدافئة رغم الفوارق الطبقية.
تدور الأحداث، وينمو حب رشيد لسونهام، في مجتمع خيالي يذكر بالمجتمع الافتراضي المثالي الذي يعيشه الناس في فيلم “ذا ماتريكس”، خارج مسرح الحياة الحقيقية الذي دمرته الحروب ولوثته القنابل النووية. فالرواية عبارة عن قصة حب “في زمن الديستوبيا”، لكنه حب يعيش افتراضيًا في الماتريكس، ويموت في عالم الحقيقة الطبقي خارجه. ولا يعبر رفض سونهام الزواج من رشيد إلا عن رضوخها ورضاها بالعيش داخل مجتمع الديستوبيا الطبقي.
أدوات إخضاع المجتمع سنة 2067 هي “الكيان” و”الكونترول”، التي يتركها الكاتب بلا تعريف، رغم الوضوح في دلالاتها السياسية المزدوجة. ولا نعرف ما إذا كان المتحكم في الكيان والكونترول هو “أفندينا” الأول أم الثاني أم الثالث أم…؟ لكننا نعرف أن فساد القضاء، و”خيانة” المحامين، وصمت الصامتين، يكرس حياة “جيش المهزومين” الذي يبتلع بالتدريج “جيش العصاة”. ينحدر رشيد وحبيبته سونهام من جيش العصاة إلى جيش المهزومين في نهاية الرواية، بعد أن تفشل “نزوة” الحب وينتصر الفارق الطبقي. يتحول رشيد بعدها إلى فارس “لا في يده سيف ولا تحته فرس” (صلاح جاهين).
لم يُبقِ “أفندينا”، في العقد الثالث من حكمه، على شيء من تاريخ مصر السياسي والاجتماعي إلا ونسبه إلى نفسه وعائلته في قاهرة 2067. فميدان التحرير أصبح ميدان “أفندينا”، وكوبري قصر النيل أصبح “جسر أفندينا”، ناهيك عن شارع أفندينا (رمسيس سابقًا). ولن يستغرب القارئ إذا ما أطلق القرش على المتحف الكبير اسم “متحف أفندينا”، وأسبغ على حديقة الحيوان اسم “حديقة حيوان أفندينا”. ولولا بذرة خوف، ربما من تاريخ مصر العظيم، لمنح الدكتاتور نهر النيل اسم “أفندينا”، وخلع على هرم خوفو اسمه. ولا نعرف إن كان “أفندينا” خالدًا أم فانيًا، لكن مجتمع المهزومين يعول على نسله مستقبلًا، كما نتوقع. من يدري! ربما سيفعل أحد أحفاده ذلك سنة 3067، حين تكمل سلالة “أفندينا” آخر سلالات الفراعنة.
توفر نقابة المحامين، في حقبة “أفندينا”، القبور بأسعار مناسبة لـ”الراغبين في الموت”. العجز الجنسي متفشٍ بشكل استثنائي، وخصوبة الرجال في أدناها. طبيعي حينها أن تحل القطط محل الأطفال، فتلد قطة سونهام، المسماة رانو، بعد مقتل زوجها “نايان” على يد “الأشباح”، ثلاث قطيطات، تهدي أحدها إلى هادي، ابن رشيد.
يسرد لنا الكاتب في روايته الكثير من تفاصيل الأمكنة والأحداث، ويعود بين فقرة وأخرى إلى ما قبل عقود ليحيي ذاكرة “جمعة الغضب”، لكن الحوار يشكل الأعمدة الأساسية التي تنتصب عليها الرواية. قد تكون حوارات “تناقضية” عدائية بين رشيد وزوجته سهير، أو حوارات ودية مع سونهام، تقترب أحيانًا من ممارسة “الجنس الافتراضي”، سواء كانت على الإيميل، أو على الهاتف، أو في اللقاءات المباشرة.
لا بصيص أمل، ولا ضوء يبدد قتامة الزمن الافتراضي للرواية، ويعد بالخلاص من سلالة أفندينا، غير إحياء جمعة غضب جديدة عام 2067. هذا ما يدفع رشيد إلى تحقيق مشروع المتحف الافتراضي لجمعة الغضب، بالتوازي مع مشروع “أنتيكا” الذي تنهض به سونهام على قدم المساواة. ينجح المشروع، ويزداد عدد زواره الافتراضيين على الشبكة، ويصبح شوكة في عيون أفندينا البشرية والإلكترونية.
قد ينقبض صدر المواطن المصري، وتختنق رئتاه بالتلوث الاجتماعي والبيئي في ديستوبيا القاهرة عام 2067، لكنه سيجد متعة في زيارة “بار الأوكسجين” كي يلتقط أنفاسًا من النقاوة تنعش له ذاكرته. ويمكنه أيضًا أن يعب قدحًا من الجعة في حانة “أفندينا”، وأن يختتم أمسيته بطبق “كشري أفندينا” مع صحن سلطة (أفندينا طبعًا).
إنها رواية عن “شعب بلا زي وطني”، كما يلاحظ رشيد.
صدرت الرواية عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، في بيروت، وتقع في 294 صفحة من القطع المتوسط.









