عبد السلام فاروق
تفتتح الكتابة على سؤال، كما ينفتح الباب الخشبي العتيق على رائحة الذاكرة. هكذا يفعل أمين معلوف في “بدايات”، حيث يمسك بيد قارئه ويمضي به في دهاليز لا تشبه إلا نفسها، دهاليز عائلة تمتد بين جبل لبنان وجزيرة كوبا، بين طرابلس الشام والإسكندرية التي لم تعد، بين أزقة الإمبراطورية العثمانية وصالونات الماسونية الأوروبية. نمشي معه، فنجد أنفسنا، دون سابق إنذار، في قلب حكاية لا تشبه الحكايات. حكاية تبدأ من اسم، من “رنين اسم” كما يقول، ثم تتشعب كالنهر الذي ينساب في دلتاوات لا حصر لها، كل فرع منها يقود إلى بحر، وكل بحر يخفي وراءه محيطات.
لسنا هنا أمام سيرة ذاتية تقليدية، أننا أمام نوع من السرد الذي يتحرر من نوعه كما تتحرر الفراشة من شرنقتها. ما يفعله معلوف يذكرني بما كان يفعله الشعراء القدماء حين كانوا يسمون الأشياء بأسمائها الأولى؛ إنه يسمي أجداده، فيحييهم. يسمي الأماكن، فتحضر بكامل تفاصيلها. يسمي التواريخ، فتنتفض من سباتها. كأن الكلمة عنده طلسم صغير لاستحضار الغائبين، أو مفتاح صدئ يفتح أبوابا ظنناها أغلقت إلى الأبد. وحده الأدب يستطيع أن يفعل هذا، أن يمنح الموتى حياة من نوع آخر، حياة من حبر وورق، حياة لا تشبه الحياة إلا بقدر ما تشبه الأحلام اليقظة.
في عالم آمين معلوف، “الجذور” ليست تلك الأغصان الدفينة التي تمنح الشجرة الحياة والغذاء والامتداد في التربة، بل هي – بالمقلوب تماما – ما يخنقها ويكبلها ويحكم عليها بالسكون الأبدي. يقول لنا بصوت هادئ، أشبه بهمس العارفين الذين مروا بالتجربة وخرجوا منها محمولين بالأسئلة لا بالإجابات: “لو تحررت، تموتين!”.
أي مأزق هذا الذي يضعنا فيه الرجل؟ أي شجرة هذه التي يكون خلاصها في اقتلاعها من تربتها الأولى؟ إنها – لعلها – شجرة الإنسان المعاصر، ذاك الذي ولد في مكان وعاش في آخر ويحلم بثالث، الذي يحمل وطنه في حقيبة سفر، وهويته في جواز سفر، ولغته على طرف لسانه كطائر يوشك أن يطير. شجرة اقتلعت من تربتها مرات ومرات، حتى صار الاقتلاع طبيعتها، وحتى صار الترحال هوية، وصارت الهوية بدورها خيمة متنقلة.
ومع ذلك، فإن أمين معلوف لا يتخلى عن الانتماء. هنا تكمن المفارقة التي تمنح نصه كله توتره الجميل. هناك فرق، في قاموسه الوجودي، بين الانتماء والهوية. الهوية سجن، صنعته خطابات السياسة والدين والإيديولوجيا، سجن يختزل الإنسان في تعريف واحد، في لون واحد، في انتماء واحد يبتلع كل ما عداه. أما الانتماء فهو حبل سري رفيع، يكاد لا يرى بالعين المجردة، يصلنا بالماضي دون أن يقيدنا، يمدنا بالدفء دون أن يحرقنا، يذكرنا بمن كنا دون أن يمنعنا عن أن نكون ما نريد. إنه خيط نور، لا حبل مشنقة.
وهكذا يصير التاريخ، تحت قلمه، ليس سردا للوقائع الجافة ولا تأريخا للمعارك والملوك، بل حكاية عائلية حميمة، تتداخل فيها الأصوات والوجوه، وتتلاشى فيها الحدود بين الراوي والمروي، بين الحي والميت، بين الماضي والحاضر.
الجد الذي هاجر إلى كوبا، حاملا معه “رنين اسم” لا غير، يعود إلينا في “بدايات” لا كشخصية تاريخية ولا كسطر في وثيقة، إنما كطيف يمشي على أطراف أصابعه حتى لا يزعج الأحياء. الجدة ذات “غرابة الأطوار”، التي كان لقاؤها بالجد “التقاء غير مرجح بين تقليدين؛ الصرامة وغرابة الأطوار”، تجلس إلى جانبنا في صمت، تبتسم ابتسامة من يعرف أكثر مما يقول. والماسوني الذي اختبأ في دهاليز السلطنة العثمانية، حاملا أسراره وحكاياته، يطل علينا من ثقب في الجدار، عينه تلمع بضوء غامض. كلهم أحياء بين السطور، لا كشخصيات تاريخية، بل كأطياف تتناسخ في كينونة كاتبها. وهذا بالضبط ما يجعل “بدايات” مشروعا أدبيا يتجاوز السيرة الذاتية إلى بناء عالم مواز، عالم من حبر وورق، حيث الموتى يعودون إلى الحياة بشكل آخر، وحيث الأحياء يتحررون من ثقل الهويات الجاهزة.
إن ما يبحث عنه أمين معلوف في “بدايات” ليس حنينا. ليس هناك مكان للحنين في قلب رجل يعرف أن العودة مستحيلة، وأن الزمن الراكض إلى الأمام لا يلتفت خلفه أبدا. ما يفعله هو شيء آخر تماما، شيء لا يشبه إلا فعل الكتابة في أعمق تجلياتها: إنه “يوسع فضاء العيش”، كما يقول هو نفسه في عبارة تكاد تكون مفتاحا لنهج الكتاب كله. كأن الكتابة عنده غرفة إضافية يبنيها في بيت الوجود الضيق. غرفة للموتى، نعم، لكنها غرفة مطلة على حديقة الحاضر، يدخل من نوافذها ضوء الغد، وتتحرك فيها ستائر خفيفة مع نسمات لم تولد بعد. إحياء الماضي لا يعني استعادته، بل يعني منح الحاضر أبعادا جديدة، أعماقا لم تكن منظورة، ظلالا لم تكن محسوسة. وهكذا يصير الزمن، تحت قلم معلوف، طبقات جيولوجية متراكمة، كل طبقة منها مرئية للأخرى، وكل عصر منها يتنفس في العصر الذي يليه.
وفي قلب هذه الفضاءات الموسعة، تبرز استعارته الأثيرة التي أراها من أعمق ما أنتجه الفكر الأدبي في تعامله مع إشكالية الهوية: “الهوية خيمة من حجارة”. يا للعبارة المشحونة بالتناقض الحي، بالمستحيل الشعري، بالجمال القاسي. الخيمة مأوى الرحل، رقيقة، تخفق مع الريح، تنصب حيث الماء العذب وتحزم حين الجفاف. إنها أخت السحابة، ابنة الصحراء، رفيقة المسافر الذي لا يثبت على حال. أما الحجارة فمادة المستقرين، أبدية، ثقيلة، صامدة، لا تحملها الريح ولا تغسلها الأمطار.
الجمع بينهما يخلق صورة شعرية موحية ومدهشة؛ إنها خيمة لا يمكن حملها، وبيت لا يمكن السكن فيه. أليست هذه هي حال المثقف العربي الكوزموبوليتي تماما؟ إنه يحمل حجارة تاريخه ويريد أن يرحل، يريد أن يكون ابن الصحراء وابن الجبل معا، يريد الجذور التي تثبته في الأرض والأجنحة التي ترفعه إلى السماء في آن واحد. هذه الاستعارة المستحيلة هي، في جوهرها، اعتراف بأن الإنسان – كل إنسان – مأزوم بين حلم الحرية المطلقة وحاجته الغريزية للثبات، بين شغفه بالترحال وحنينه إلى رائحة التراب الأول.
ويقودنا هذا إلى “ليون الأفريقي”، شخصية معلوف الروائية الأشهر، التي تمشي بين السطور كأخ للكاتب أو كظل له. فليون ليس عربيا ولا أفريقيا ولا أوروبيا، بل هو كل ذلك معا، أي أنه لا شيء بالتحديد، أو أنه كل شيء في الآن نفسه. هو ابن الرحلة والترحال، لا يحمل هوية ثابتة، بل يحمل أسئلة متنقلة. وهو بهذا المعنى تجسيد روائي لمفهوم “اللامنتمي” الذي يبلوره معلوف في “بدايات”. لكن الفرق بين ليون الأفريقي وأمين معلوف هو أن الأول شخصية روائية تنتمي إلى زمن مضى، بينما الثاني كائن حي يعيش بيننا، يكتب من باريس، ويتذكر جبال لبنان، ويحلم بعالم لا تمزقه الهويات الضيقة. وإذا كان ليون قد اضطر إلى التنقل بين الهويات تحت ضغط السيوف والتيارات، فإن معلوف يحول هذا الاضطرار إلى اختيار، وهذه هي اللعبة الأدبية الرفيعة تحويل القدر إلى مشروع، وتحويل الجرح إلى أسلوب.
والكتابة عند معلوف، في آخر المطاف، وطن. هذا ما يقوله لنا بصوت لا يخلو من حزن: “لو لم أكن كاتبا، لضاع مساري الشخصي في زحام التاريخ”. الكتابة تنقذ، لا لأنها تغير العالم، بل لأنها تخلق عالما آخر موازيا، عالما من اللغة والصور والاستعارات، يمكن للإنسان أن يسكنه حين تضيق به أوطان الجغرافيا. الكتابة وطن لا حدود له، لا جوازات سفر فيه، لا تأشيرات دخول، لا شرطة حدود، لا أسلاك شائكة. وطن من كلمات، لكنه – وهذا هو المدهش – قد يكون أحيانا أكثر صلابة من أوطان التراب والدم. لأن أوطان التراب تزول، والإمبراطوريات تنهار، والخرائط تتغير، أما الكلمات فتبقى. وهذا ما يجعل “بدايات” مشروعا للخلاص: خلاص الفرد من سجن الهوية، وخلاص التاريخ من سردياته الرسمية، وخلاص الأدب من حدود السيرة الذاتية الضيقة.
لكن، وبعد كل هذا الجمال الشعري وكل هذا العمق الفلسفي، يظل هناك سؤال مؤرق يرفرف فوق النص كطائر لا يجد غصنا يحط عليه: هل الكتابة وطن حقيقي يكفي؟ هل يستطيع الإنسان أن يعيش في اللغة وحدها، دون تراب، دون رائحة خبز تخرج من بيت له عنوان، دون مقبرة صغيرة تضم عظام أحبته، دون اسم يحمله دون أن يضطر في كل صباح إلى شرح معناه وتبرير وجوده؟ ألا يحتاج الإنسان، في لحظة ما، إلى أن يقول “هذا هو وطني وحسب”، دون نقاط، دون شروح، دون حواش سفلية؟ إن معلوف لا يجيب عن هذه الأسئلة، ولا يدعي أنه يجيب. كل ما يفعله هو أنه يكتب، ويترك الأسئلة معلقة في الفضاء بين السطور، كفوانيس صغيرة مضاءة في ليل طويل.
ويطرح علينا، في ختام رحلته، سؤاله الكبير الذي هو ليس سؤالا بالمعنى التقليدي، بل هو أشبه بتأمل وجودي طويل اختصر في جملة واحدة: “نحن أبناء كل أسلافنا، وقدرنا أن نكون، بدورنا، آباءهم اللاحقين”. إنها عبارة فيها من الشعر الصوفي العميق ما فيها، وفيها من الزمن الدائري ما يذكرنا بمحيي الدين بن عربي حين كان يتكلم عن وحدة الوجود وعن تداخل الأزمنة والأرواح. أبناء كل الأسلاف… يا له من حلم! يا له من طموح! أن تكون وريث الحضارات كلها، ابن الشرق والغرب معا، حفيد الصوفي والماسوني والتاجر والشاعر، أن تحمل في دمك تاريخا يمتد من جبال لبنان إلى سهول كوبا إلى شوارع باريس. لكن، ألا يكون “أبناء الجميع” هو نفسه ألا تكون ابنا لأحد على الحقيقة؟ ألا يختبئ خلف هذا الحلم الكبير خوف دفين من الانتماء الواحد، من الالتزام، من أن تقول “هذا هو بيتي” وتغلق الباب خلفك؟
إن أبناء كل الأسلاف هم في الحقيقة أيتام، لكنهم أيتام من نوع خاص، أيتام يرتدون ثيابا منسوجة من لغات متعددة، ويأكلون على موائد ثقافات شتى، ويقرأون كتبا بأبجديات مختلفة. لكنهم، في لحظة الوحدة القصوى، حين يطفأ الضوء ويسدل الستار، لا يعرفون قبر أب واحد يبكون عنده في فجر العيد، ولا يملكون وطنا واحدا ترفرف فوقهم رايته وهم يخلدون إلى النوم.
هذا هو مأزق “اللامنتمي” حقا، في عمقه الوجودي لا في سطحه البلاغي، ليس أنه بلا هوية، بل أن هويته هي التعدد اللامتناهي الذي يصبح، في لحظة الحقيقة والسؤال الأخير، نوعا من الفراغ الممتد. الفراغ ليس عدما خالصا، بل هو امتلاء بالنفي، امتلاء برفض أن تكون شيئا واحدا محددا، أن تقول “أنا هذا” وتتحمل تبعات القول ومسئولياته. وفي هذا الامتلاء بالنفي المستمر، تخسر الذات قدرتها على الفعل في التاريخ كفاعل أصيل، وتكتفي بأن تكون شاهدا عليه، راويا له، لا منخرطا في صراعاته الحقيقية.
لا يقدم معلوف حلولا سياسية، ولا يبشر بيوتوبيا قادمة. هو ليس فيلسوفا سياسيا، وليس زعيما، وليس مبشرا. كل ما يفعله هو أنه يكتب. يكتب لينقذ نفسه من “زحام التاريخ”، كما يقول في اعتراف حميم. يكتب ليبني في اللغة وطنا لا يستطيع أن يجده على الخريطة. يكتب ليمنح أسلافه حياة من حبر وورق، بعد أن أخذتهم رياح الزمن وأخفاهم تراب التاريخ. وفي زمن تتحول فيه الهويات إلى سيوف تذبح بها الآخرية، وتصبح الانتماءات القبيلية مشاريع قتل وإقصاء وتطهير، ربما كانت كتابة “بدايات” هي نوع من النجاة. ربما كانت – في عمقها – صلاة صامتة من أجل عالم تتساقط فيه الجدران، عالم لا يحتاج فيه الإنسان إلى قتل أخيه ليثبت أنه موجود. ليست الكتابة هنا هروبا من العالم، بل هي طريقة أخرى للوجود فيه، طريقة أكثر رحابة وأقل دموية.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأساسي معلقا كغيمة لا تمطر، كطائر لا يحط: هل تستطيع كلمات أمين معلوف، بكل ما فيها من جمال وعمق، أن تصنع وطنا حقيقيا لمن لا وطن لهم؟ هل تستطيع “الخيمة من حجارة” أن تظلل حقا، أم أنها ستنهار على رؤوس ساكنيها حين تشتد الريح؟ هل “اللامنتمي” هو مستقبل الإنسان في عالم يزداد تشظيا وانقساما، أم هو مجرد حلم جميل، حلم نخبوي، حلم لا يملك ترفه إلا القادرون على التنقل بين اللغات والعواصم والمطارات؟
في النهاية، يبقى أمين معلوف، كما شخصيته “ليون الأفريقي”، ابن الرحلة الأبدية. لا هو عربي ، ولا أفريقي ، ولا أوروبي. إنه كل ذلك معا، أي أنه سؤال يمشي على قدمين. يتنقل بين لغات ومدن وقارات، حاملا خيمته الحجرية العجيبة، باحثا عن ينبوع لم يجف بعد، عن بداية لا تنتهي، عن بيت من كلمات. “بدايات” ليست سيرة ذاتية استثنائية بالمعنى التقليدي، بل هي نص تأسيسي لفهم الوعي الشقي لابن الأقليات الذي صار كاتبا عالميا يقرأ في القارات الخمس. إنه نص حول الجرح إلى أسلوب، والفقدان إلى فلسفة، والتشظي إلى جمالية. إنه احتفاء بالشرط الإنساني في أكثر تجلياته هشاشة وقوة في آن واحد.
وإذا كان لي، بعد هذه الرحلة في دهاليز “البدايات”، أن أصف هذا الكتاب بكلمة واحدة تلخصه وتحتويه، فهي إنه أجمل مرثية كتبت لوطن لم يولد بعد. وشتان، في سجل الأدب الرفيع، بين المرثاة التي ترثي ما كان وانقضى، وبين البداية التي تعد بما لم يأت بعد. ولعل هذه المفارقة بالذات، مفارقة أن تكون البداية مرثاة والنهاية بداية، هي سر خلود هذا النص، وسر وجع القارئ الذي يغلقه بعد القراءة ثم يظل محمولا في أسئلته طويلا، طويلا.
وربما، فقط ربما، تكون الكتابة – كما يوحي لنا معلوف في أعمق لحظات هذا الكتاب – هي الخيمة الوحيدة التي تستحق أن نقيم تحت ظلالها، في انتظار صبح لا يأتي، أو في انتظار مطر بعيد. خيمة من كلمات، لا من حجارة، تخفق مع الريح ولا تنكسر، تنصب حيث الينابيع ولا تجف، وتحمل معنا أينما ذهبنا، لا لشيء إلا لأنها ،ببساطة، مصنوعة من ذلك السر الإنساني العجيب: اللغة. واللغة، كما يعرف كل كاتب حقيقي، هي الوطن الأخير، والبداية التي لا تنتهي، والماء الذي لا يملؤه عطش.







