محمود مصطفی عاطف
نبذة:
سوران محمد هو شاعر، ومترجم، وكاتب معاصر من العراق، يُعد من الأصوات التي تكتب وتدافع عن قصيدة النثر والاتجاه الحداثي وما بعد الحداثي في المشهد الثقافي العربي والكردي. تتميز تجربته الأدبية بالتركيز على تحديث أدوات التعبير الشعري والانفتاح على الثقافات العالمية من خلال الترجمة.
يتبنى سوران محمد رؤية نقدية ترى أن الشعر الكلاسيكي موروث ثري يلهم الأجيال، لكنه يؤمن بأن إنسان العصر الحالي يحتاج إلى لغة جديدة تواكب التطورات الحياتية والتكنولوجية.
أساليب ما بعد الحداثة:
نصوص الشاعر مكتوبة بلغة حداثية متميزة تعتمد على إخراج المفردة من سياقها التقليدي المألوف وإدخالها في فضاءات تجريبية سريالية. يمزج أسلوبه بين الاغتراب الوجودي، وتداخل الأزمنة، وتوظيف المفاهيم الكونية والمعاصرة ليعبر عن قلق الإنسان الحديث وعلاقته بالوجود والعدم. تعتمد نصوصه على المفارقات، وتداخل الأزمنة، وصهر تفاصيل الواقع اليومي والكوني (مثل توظيف مفاهيم علمية أو معاصرة) داخل النص الشعري. كما تميل قصائده إلى الرمزية المعقدة التي تترك مساحة واسعة للمتلقي لتأويل النص وتفكيك شفراته، مع التركيز على ثيمات الوجود، العزلة، والذاكرة.
تظهر الملامح والمقتطفات الممثلة لأسلوبه ولغته الشعرية في الجوانب التالية:
1. لغة التضاد والمفارقة الوجودية
يميل الشاعر إلى صهر الثنائيات المتناقضة في جملة شعرية واحدة (مثل: الضياء والظلام، الطفولة والشيخوخة، الواقع والحلم) ليعكس حالة التشظي التي يعيشها الإنسان المعاصر. كما يظهر في قصيدته (حيثما أتيت) :
“حَلتَ عما قريب،
عَلى دربك مشرقًا،
وفي أعقابك، ظلامٌ حالك،
غابت الأنوار، وأقبل السواد
تقدمتك الظلال خلسةٍ،
كأشباحٍ تطارد الأنفاس…”
وفي قصيدة أخرى مترجمة له بعنوان Dark And Light، يعبر عن تلاشي اللحظات الإنسانية أمام وهن العمر بتشبيه لافت:
The moments of delight,
like candles on a cake,
die in the flickering of age
(لحظات البهجة،
كشموع فوق كعكة،
تموت مع خفقان العمر).
2. كسر نمطية الوقت وتوظيف الرموز المعاصرة
في قصيدته خطوتان خلف أسوار الحداثة، يفكك الشاعر مفهوم الزمن التقليدي، مستعصياً على الأطر الحسابية للوقت، ومستدعياً نظريات علمية كبرى (كالانفجار العظيم) في سياق رمزي سريالي:
“ضاعت ساعتك..
صدر فواق من بيغ بانغ
عند 12 ليلاً.
لم تستيقظ.
ليس الوقت وقتك..
وأنت تبحث عن ساعتك في الأزقة المهجورة،
وحدقات عيون صفر المشردين..
أواه.. خارج الوقت.”
3. سينمائية المشهد والتقاط تفاصيل الواقع الهامشي
يعتمد الشاعر أسلوب اللقطة الخاطفة أو “السينمائية” التي ترصد عناصر البيئة اليومية الهامشية (الشوارع، المارة، الحيوانات، الجماد) ليعيد صياغتها كرموز دالة على الخوف، أو العزلة، أو الدمار. يظهر هذا بوضوح في قصيدته طَور:
“كل شيء واه..
كصرصر تمر من جنبك – بلا رأس..
من المناظر المملة، لم تعد تتعرف على وجوه المارة.
اثنان على مد البصر يمشيان هونا..
كأنما يدوسان على بيض الحياة،
صوت صياح الديك وسكين الجزار يختلطان بأصواتهما..
كما لو كان حديثاً تحت الأمواج.”
4. مسحوق الأسى والصمت التأملي
تحضر الطبيعة الراكدة أو الحزينة في لغته كمرآة تعكس الوجع الداخلي، حيث يوظف الاستعارات البصرية بدقة لرسم مساحات التعب، كما في قصيدته ( البركة الراكدة):
“عينان خضراوتان داكنتان على شاكلة لون البركة الراكدة،
حزينتان، مليئتان بدموع الحسرة،
بداخلها أسماك صغيرة ومتعبة،
ضُجُر متناثرة على ضفافها تتألم في صمت أعماقها.”
الخصائص الأسلوبية:
التكثيف الشديد: العبارات قصيرة، مقتضبة، وخالية من الحشو أو التزيين اللفظي الفائض.
الانزياح الدلالي: تقديم صور غير مألوفة تجعل المتلقي يعيد التفكير في معاني الأشياء (مثل: بيض الحياة، دموع متجمدة على رموش شواطئ الرؤية).
اللغة التقنية الحداثية: لا يتردد الشاعر في إدخال مصطلحات علمية أو فلسفية معاصرة داخل النسيج الشعري لكسر كلاسيكية القاموس القديم. بل عند إخضاع نصوصه لـ المنهج البنيوي، نتعامل مع النص كـ “نظام لغوي مغلق” تتولد دلالاته من شبكة العلاقات الداخلية بين الكلمات. يعتمد التحليل البنيوي لتجربته على تفكيك أربعة مستويات رئيسية تشكل البنية العميقة لقصائده:
1. البنية الصوتية والإيقاع الداخلي
غياب العَروض وحضور “التوتر”: يتجاوز الشاعر التفاعيل الوزنية كلياً ليخلق إيقاعاً داخلياً منفردًا ينبع من تكرار الأحرف الهامسة (كالسين، الشين، والحاء) التي تعزز مناخ العزلة والترقب.
هندسة الفواصل والصمت: البنية الصوتية لديه لا تعتمد على القافية بل على “النبرة” وعلامات الترقيم. السطور القصيرة جداً (مثل: “لم تستيقظ. / ليس الوقت وقتك.”) تخلق وقفات مفاجئة تمثل “مساحات صمت”؛ وهي تماثل موسيقياً حالة التوقف المفاجئ للنبض أو الزمن.
2. البنية المعجمية والدلالية (الحقول الإستاتيكية مقابل الحركية)
تتأسس جغرافيا النص عند الشاعر على الصراع بين حقلين معجميين متضادين:
حقل السكون والضياع: مفردات مثل (بركة راكدة، أزقة مهجورة، صمت، ضاعت، مفقود).
حقل الحركة والتقنية الحداثية: مفردات مثل (بيغ بانغ، المترو الخاطف، نصف الكرة الجنوبي، المحطة).
العلاقة البنيوية: الكلمات التقنية السريعة (المترو) لا تؤدي إلى النجاة، بل تصب في حقل الضياع (“المترو يودع مجموعة.. ظناً منهم بالوصول”). هذا التقاطع المعجمي ينتج دلالة حداثية مفادها أن التطور التكنولوجي لم ينقذ الإنسان، بل عمّق اغترابه.
[ حقل الحركة والتقنية ] (بيغ بانغ / المترو)
│
▼ (تصادم بنيوي)
[ حقل السكون والاغتراب ] (الأزقة المهجورة / خارج الوقت)
│
▼ (الدلالة الناتجة)
“تفكيك وهم الوصول الحداثي وإثبات التيه الوجودي”
3. البنية التركيبية والنحوية
انزياح الإسناد: يعتمد أسلوبه على تركيب جمل تُسند فيها الأفعال الإنسانية لغير العاقل، أو العكس، مما يكسر التوقع النحوي للمتلقي. على سبيل المثال:
“صدر فواق من بيغ بانغ” ➔ (أنسنة الكون وتصغير الحدث الكوني العظيم إلى مجرد عَرَض بيولوجي).
4. البنية الفضائية (العتبات والنص الموازي)
دلالة العنونة الرقمية والمكانية: تشكل العناوين لديه (مثل: خطوتان خلف أسوار الحداثة) عتبة نصية مكثفة. رقم “خطوتان” يحدد حركة هندسية متواضعة أمام ضخامة كلمة “أسوار الحداثة”؛ ما يوحي بنيوياً بالعجز والعزلة.
البنية الدائرية للنص: كما يرى منظرو قصيدة النثر (كأدونيس)، فإن القصيدة الحداثية عبارة عن “وحدة مغلقة تشبه الدائرة”. نصوص سوران محمد تبدأ ببحث وتنتهي ببحث؛ تبدأ بـ “ضاعت ساعتك” وتنتهي بـ “نبحث بلهفة عن أشياء فقدناها”؛ مما يجعل النص بنيوياً يدور في حلقة مفرغة تجسد عبثية المحاولة.
النص عند سوران محمد ليس مجرد أفكار منثورة، بل هو معمار هندسي لغوي متكامل، يتداخل فيه اللفظ العلمي الحديث مع الصورة السريالية الحزينة لإنتاج صيغة تعبيرية تجسد “مأزق الكينونة” في العصر الحديث.
تمثل قصيدة النثر العربية فضاءً شديد التنوع؛ فبينما تأسست اللبنات الأولى لهذا الفن على يد رواد مجلة “شعر” في نهاية خمسينيات القرن الماضي، جاءت الأجيال اللاحقة لتضفي أبعاداً مغايرة.
عند إجراء مقارنة بنيوية بين نصوص الشاعر الحداثي سوران محمد ورائدين من جيل التأسيس هما محمد الماغوط وأنسي الحاج، يظهر كيف تحول معمار قصيدة النثر من “الشفاهية والتمرد العاطفي الفوضوي” إلى “التقنية والبرود السريالي المنظم”.
تفكيك مستويات المقارنة
1. بنية الصورة: من “الواقعية العارية” إلى “الهندسة السريالية”
الماغوط: الصورة لديه تولد من رحم الألم المباشر، فهي صورة “حسية” فاقعة (مثلاً: الوطن كالحذاء الضيق، أو السجن كالغرفة الباردة)، تهدف إلى إثارة تعاطف وجداني سريع عبر “بلاغة العفوية والمظلومية”.
أنسي الحاج: الصورة عنده بنائية معقدة وصادمة، تفجر دلالات الكلمات عبر المجاورة المستحيلة، فتصبح الصورة سلاحاً لهدم السائد الأخلاقي واللغوي (كما في ديوانه الرائد “لن”).
سوران محمد: يقف على مسافة أبعد؛ فالصورة لديه لا تولد من العاطفة المحتدة، بل من “المشاهدة والمراقبة الباردة”. الصورة مركبة من عناصر تقنية وعلمية و حداثية وتفاصيل هامشية (مثل تداخل لقطة كلب ينتبه لأكياس مع فوازير حدث كوني)؛ وهي صورة تفكيكية لا تبحث عن استعطاف المتلقي، بل عن وضعه في مأزق تأويلي.
2. بنية الزمن: من “الماضي المفقود” إلى “خارج الوقت”
الماغوط: بنيته الزمنية خطية تلتفت دائماً إلى الخلف؛ هناك بكاء مستمر على الطفولة الضائعة والقرية البعيدة في مواجهة وحشية المدينة المعاصرة.
سوران محمد: الزمن في نصوصه بنيوياً ليس خطاً مستقيماً بل هو “زمن مكسور أو دائري مفقود”. يتضح هذا في قصيدته خطوتان خلف أسوار الحداثة:
“ضاعت ساعتك.. / ليس الوقت وقتك.. / أواه.. خارج الوقت.”
الزمن لديه معلق، لا ماضي فيه يُستعاد ولا مستقبل يُنتظر، بل هو توصيف لحالة التجمّد والآلية التي فرضتها الحداثة وتكنولوجيا العصر الحديث.
3. البنية النحوية والإسناد
أنسي الحاج: يعبث ببنية الجملة العربية، يقطع أوصال النحو، ويجعل الفاعل مجهولاً أو مستحيلاً ليخلق لغة بكر وخاصة به.
سوران محمد: يحافظ على سلامة الجملة نحوياً، لكنه يلعب على “انزياح الإسناد ودلالة الفاعلية”؛ حيث ينزع الأنسنة عن البشر ليعطيها للأشياء أو الحيوانات ، محاكاةً لبنية الحياة المعاصرة التي تشيأت فيها العلاقات الإنسانية.
بينما كان رواد قصيدة النثر (كالماغوط والحاج) يكتبون بدافع الثورة على التقاليد القديمة وبناء لغة بديلة من الصفر، فإن سوران محمد يمثل جيل ما بعد الحداثة الذي تجاوز مرحلة “الصدمة والثورة”. إنه يستخدم أدوات الحداثة نفسها (المفاهيم العلمية، السينمائية، والترجمة) ليفكك هندسة النص من الداخل، كاشفاً عن عبثية هذا التطور في صياغة مصير الإنسان المعاصر.
يمثل توظيف المصطلح العلمي في شعر الحداثة المتأخر (وما بعد الحداثة) تحولاً إبستمولوجياً وجالياً كبيراً في بنية قصيدة النثر. في الماضي، كان القاموس الشعري التقليدي يطرد اللفظ العلمي الجاف باعتباره “عدواً للمخيلة والشعور”، مستنداً إلى ثنائية (العلم يفسر العالم، والشعر يجمّله).
أما في قصيدة الحداثة المتأخرة، وتحديداً في تجارب مثل تجربة سوران محمد، أصبح المصطلح العلمي مادة خامة لصناعة الاستعارة، وأداة لخلخلة القاموس الرومانسي الكلاسيكي.
يتجلى هذا التوظيف كبنية جمالية عبر أربعة مستويات رئيسية:
1. صدمة التلقي وكسر أفق التوقع (The Defamiliarization)
يعتمد المعمار الجمالي هنا على مبدأ “التغريب”؛ حيث يُقذف بالقارئ من مناخ شعري وجداني مألوف إلى مناخ مختبري أو كوني شاسع.
القيمة الجمالية: المفارقة تكمن في صهر حدث فيزيائي كوني هائل (الانفجار العظيم) مع عَرَض بيولوجي إنساني يومي وبسيط (الفواق)، مما ينزع القداسة والرهبة عن النظريات الكبرى، ويحول الكون إلى كائن حي يتألم أو يتثاءب، وهي جمالية قائمة على الاندهاش لا الطرب.
2. أنسنة التقنية وتشييء الإنسان (Reification & Anthropomorphism)
في عصر التكنولوجيا الفائقة، لم تعد الصور الطبيعية الكلاسيكية (كالليل، الخيل، المطر) قادرة على التعبير عن تعقيد النفس البشرية. لذا، يستعير الشاعر مصطلحات العلوم ليعبر عن العاطفة.
أمثلة جمالية: استخدام مصطلحات مثل (الثقوب السوداء، التلاشي ، الانشطار، هندسة الفراغ).
التوظيف الجمالي: يصبح “الثقب الأسود” بديلاً حداثياً عن استعارة “القلب المفجوع” أو “الغياب”. فالاستعارة العلمية تعبر بدقة فيزيائية عن حالة الاكتئاب أو الاغتراب، حيث يبتلع الحزن كل مظاهر الضوء والحياة داخل الذات الشاعرة، تماماً كما يفعل الثقب الأسود في الفضاء.
3. إيقاع “البرود الآلي” في مواجهة “الحرارة العاطفية”
تتأسس جمالية الحداثة المتأخرة على التخلي عن الغنائية العالية والخطابة. المصطلح العلمي يمنح النص “نبرة حيادية باردة” .
و هذا البرود المتعمد يعكس حقيقة العصر الحالي؛ فالإنسان المعاصر يعاني من “بلادة المشاعر” صدمةً من توالي الكوارث والحروب، وهذه اللغة هي الأقدر بنيوياً على تصوير هذا التبلد والحياد القاسي أمام الموت والخراب.
4. تكثيف الدلالة واتساع التأويل (Semantic Density)
المصطلح العلمي في القصيدة لا يُراد به معناه الحرفي المعجمي، بل يُوظف كـ “أيقونة رمزية” تختزل خلفها نظريات وفلسفات كاملة، مما يرفع من “كثافة النص المعلوماتية والشعرية”.
[ المصطلح العلمي الحرفي ] (مثل: الانفجار العظيم / الثقب الأسود)
│
▼ (عملية الانزياح الشعري)
[ شحن المصطلح بأبعاد وجودية ونفسية ] (التيه / الاكتئاب / ضياع الهوية)
│
▼ (النتيجة الجمالية)
“إنتاج نص ذكي ومكثف يخاطب الوعي المعرفي قبل العاطفة العفوية”
اذاً، التوظيف العلمي في شعرالحداثة المتأخرة عند سوران محمد وأقرانه ليس ترفاً ثقافياً أو استعراضاً للمعلومات، بل هو ضرورة بنيوية فرضها الواقع المعاصر. لقد تحول المصطلح العلمي من مادة “مضادة للشعر” إلى “أداة شعرية فائقة الحداثة” تعيد رسم علاقة الإنسان بالكون والزمن، وتقدم جمالية جديدة تحترم وعي القارئ المعرفي وتدفع مخيلته نحو آفاق أرحب.
يوظف الشاعر هنا مصطلحات تدل على المساحات والعمق الفيزيائي المظلم ليعيد صياغة المشهد السريالي الداخلي:
“لا تسيل الدماء.
لكني أشعر بعمق الثقب.
في ذهني.
وأنت جالس.
لكنك لا تری شيئاً.”
يتم هنا استعارة مفهوم الثقب (بإحالاته الفيزيائية التي تذكر بالثقوب السوداء التي تمتص المادة والضوء) لجعله ثقباً ذهنياً ونفسياً. الجمالية تكمن في نفي الأثر الفيزيائي التقليدي المتوقع (“لا تسيل الدماء”) وإثبات الأثر الكوني المعنوي الممتد داخل الوعي. النص هنا يتخلى تماماً عن القاموس الرومانسي للـ “الحزن”، ويستبدله بـ “ديناميكية الفراغ والامتصاص الوجودي”.
المقطوعة الثالثة: من نص “ميلان”
يتحرك النص في فضاء يدمج الرياضيات التطبيقية بجغرافية الأرض في صياغة سينمائية متلاحقة:
في نصف الكرة الجنوبي..
أراد مضروب النهوض من جديد.
في الجهة المقابلة من الشارع،
ينتبه كلب لشيء ما..”
استخدام مصطلحات مثل “نصف الكرة الجنوبي”، و “مضروب” (وهي دلالات رياضية وجغرافية) يخلق هندسة مكانية باردة للقصيدة. الشاعر لا يصف المشاعر بل يضع “إحداثيات” للمشهد. جمالية اللفظ هنا تكمن في أنه يجعل الغربة الإنسانية عابرة للقارات والخطوط الجغرافية، حيث يتحول الإنسان إلى مجرد رقم “مضروب” حسابي يحاول النهوض ضمن معادلة كونية معقدة وبليدة لا تلتفت لألمه البشري.
تفكيك الرموز:
يوظف الشاعر الحداثي الرموز التراثية والدينية (مثل الطقوس القبلية، والقرابين، والقصص الأسطورية) ليعيد تفكيكها برؤية ما بعد حداثية. في قصيدته “الذبيحة المقدسة” أو نصوصه التي تناقش ثيمة القربان، لا يتعامل مع التراث بوصفه نصاً مقدساً يُستعاد لتمجيده، بل يستدعيه كأداة نقدية ومعمار فكري لفضح عنف العالم المعاصر وتشيؤ الإنسان.
في التراث الإنساني والديني، يرمز “القربان” أو “الذبيحة المقدسة” إلى الافتداء، والتقرب من المطلق، والتطهير. أما في نصوص سوران محمد، فيحدث انزياح جذري لوظيفة هذا الرمز:
الآلية البنيوية: يربط بين طقس الذبح التاريخي العتيق وآلية الحروب والتكنولوجيا المعاصرة.
الأثر الجمالي: تتحول “الذبيحة” من طقس روحي إلى رمز لاستباحة الإنسان المعاصر، حيث يغدو الفرد مجرد رقم أو قربان تُقدمه الأنظمة الحديثة لآلة الحرب والتقنية، مما يجرّد العنف المعاصر من أي تبرير أخلاقي.
يمزج الشاعر مفردات الطقس الروحي القديم بلغة الحداثة (التي ناقشناها سابقاً)، مما يخلق تركيبة لغوياً صادماً.
في حين تتقاطع في فضاء النص كلمات مثل (الذبيحة، الدم، المذبح، المقدس) مع كلمات مثل (الرصيف، الوقت المفقود، الآلة).
هذا التجاور البنيوي يمنع النص من السقوط في محاكاة الأسلوب التراثي القديم (Pastiché). التراث هنا لا يُحاكى، بل يُقذف به في شوارع المدينة الحديثة ليُلطخ بوحل الواقع اليومي.
[ الرمز التراثي القديم ] (الذبيحة / القربان / المقدس)
│
▼ (عملية التهجين والخلخلة)
[ الواقع الحداثي الجاف ] (الرصيف / الآلة / الزمن المفقود)
│
▼ (الرؤية الشعرية الناتجة)
“تحويل المأساة التاريخية إلى مأزق يومي يعيشه الإنسان المعاصر”
بنية الضحية المستمرة (تأبيد المأساة الإنسانية)
التاريخ والتراث في وعي الشاعر لغز دائري لا ينتهي. توظيف الرموز التراثية يهدف إلى إثبات أن مأساة الإنسان ثابتة، وإنما تتغير أدوات الخراب فقط؛ فالسكين القديمة التي ذبحت القرابين قديماً تتماثل بنيوياً مع “الآلة والزمن” اللذين يسحقان إنسان اليوم.
كما يتجلى أثر الفلسفة التفكيكية (Deconstruction) التي أسسها الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا- بشكل عميق في معمار نصوص الشاعر سوران محمد، وتحديداً في كيفية تفكيكه وإعادة صياغته للموروث الثقافي.
التفكيك في جوهره لا يعني هدم الموروث، بل يعني “تقويضه من الداخل” للكشف عن تناقضاته، وإزاحة المركزيات الثابتة، ومنح الهوامش صوتاً جديداً. الشاعر لا يستهلك الرمز التراثي كما جاء في الكتب، بل يُخضعه لعملية تشريح فلسفية تتبدى في الآليات البنيوية .
وفقاً لدريدا، الدلالة لا تستقر أبداً في الكلمة، بل هي في حالة إرجاء وتأجيل مستمر.
عندما يستدعي الشاعر رمزاً تراثياً، فإنه لا يقدم له معنى نهائياً أو “قفلة” حاسمة للقصيدة. نصوصه تنتهي بأسئلة معلقة ، هذا الإرجاء المتعمد للدلالة يجعل الرمز التراثي يفقد سلطته التاريخية الصارمة، ليتحول إلى إمكانية مفتوحة على احتمالات تأويلية لا تنتهي، حيث يصبح المتلقي شريكاً في إنتاج المعنى وليس مجرد مستهلك له.
كما يركز الفكر التفكيكي على التفاصيل الصغيرة المهملة التي يتجاهلها التاريخ الرسمي.
في إعادة صياغته للقصص والموروثات، يترك الشاعر الشخصيات المركزية (الأبطال، المشاهير، القادة) ويلتفت إلى الأطراف الهامشية؛ يلتفت إلى “حدقات عيون صفر المشردين”، أو “كلب ينتبه لشيء ما على الرصيف”. التراث لديه يُعاد قراءته من زاوية الضحايا المنسيين والجمادات والحيوانات؛ في شوارع الحداثة يصبح بنيوياً أكثر أهمية وأكثر تعبيراً عن الوجود من الأساطير الكبرى التي تآكلت بفعل الآلة والزمن.
التناص بوصفه شبكة لامتناهية (Intertextuality)
ترى التفكيكية أن النص عبارة عن نسيج من النصوص الأخرى، ولا يوجد نص بكر. الشاعر، مستنداً إلى خلفيته كمترجم ومطلع على الفلسفة العالمية، يتعامل مع الموروث العربي والكردي والكوني كـ “عجينة واحدة”. إنه يذيب الفواصل التاريخية والجغرافية، فيتقاطع بودلير مع طقس القربان الشرقي، وتلتفت إميلي ديكنسون على نظرية الانفجار العظيم، مما يحول الموروث من جدارية تاريخية جامدة إلى “سيولة معرفية” حداثية تلائم إنسان القرن الحادي والعشرين.
تتحدد الإضافة النوعية التي يقدمها الشاعر للمشهد الحداثي المتأخر بقدرته على تخليص قصيدة النثر المعاصرة من نرجسيتها وعاطفتها المستهلكة، ونقلها إلى أفق “معرفي، تفكيكي، وكوزمولوجي .
بينما يغرق الكثير من أبناء جيله في إعادة إنتاج نصوص “اليومي المبتذل” أو الغنائية الشجية المكررة، فهو لا يكتب من داخل مرجعية محلية مغلقة؛ بل يستدعي وعياً كونياً متأثراً بترجماته لرواد الأدب العالمي (مثل أوكتافيو باث وإميلي ديكنسون).
بينما يعتمد جيله على استعارات مألوفة، يقوم سوران بأنتقاء لغته وادخال مفردات جديدة فی قاموس الشعر بظلال أدبية وفلسفية عالمية، مما يجعل قصيدته عابرة للحدود الجغرافية والقاموسية.
يتجاوز الشاعر استخدام الطبيعة التقليدية (المطر، الشجر) أو الاكتفاء برصد الشارع الهامشي كما يفعل أقرانه، مستبدلاً إياها بـ “استعارات تكنولوجية وعلمية دقيقة” تعبر بشكل أعمق عن آلية العصر وبروده.
يبتعد تماماً عن الرثاء الذاتي والخطابية العاطفية الفجة التي تقع فيها الكثير من قصائد النثر المعاصرة. إنه يضع القارئ أمام “مختبر بَصري” يقدم مأساة الإنسان المعاصر عبر هندسة مشهدية باردة تحترم ذكاء المتلقي.
كما يتجنب استدعاء التراث لغرض التقديس التاريخي أو الزينة البلاغية؛ بل يستنطقه كأداة حية لفضح تشيؤ الكائن البشري في زمن الآلة الرقمية.
إن إضافة سوران محمد لقصيدة النثر تتمثل في إثبات أن الحداثة ليست مجرد تخلٍ عن الوزن والقافية، بل هي تحديث للوعي الإنساني وأدوات التعبير. لقد نقل قصيدة النثر من فضاء “الانفعال الساذج” إلى فضاء “الهندسة الفكرية السريالية”، مقدماً نموذجاً شعرياً ذكياً يواكب التحولات المعرفية والتكنولوجية لإنسان العصر الحالي.
في الختام تثبت هذه الدراسة أن سوران محمد يقدم نموذجاً يغاير السائد في جيله؛ فبينما اتجه أقرانه نحو “شعرية التفاصيل اليومية الدافئة” والأنسنة السردية كملجأ من كوابيس الواقع، اتجه هو إلى مواجهة كوابيس الواقع بأدوات الحداثة المتأخرة المعقدة (تقطيع السيناريو، المصطلحات الفيزيائية، وبرود الرصد الفلسفي). إنه لا يبحث عن مواساة القارئ بحكاية حزينة، بل يهدف إلى إرباك وعيه المعرفي ووضعه أمام تفكك الكينونة والزمن.











