طارق فراج
يشكل ديوان “سارة مراد”، للشاعر طارق هاشم، إضافة نوعية إلى المشهد الشعري العربي الحديث، حيث يتجاوز حدود قصيدة النثر ليصبح فضاءً تجريبياً يعكس أبعاد الفقد والشجن في الوعي الجمعي، متخذًا من الشعرسلاحاً أخيراً في مواجهة العالم، ومعبراً عن قضايا الهوية والانتماء الطبقي بأسلوب يمزج بين النظرة الفلسفية والجمالية اللغوية. تتجلى في نصوصه بلاغة الشجن وتأنيس الأشياء، مما يمنح الشعر أفقًا جديدًا للتأمل البصير، وإعادة قراءة المجتمعات من منظور نقدي يوازن بين الفلسفة واللغة الجمالية. صدر العمل عام 2026 عن دار مدبولي بالقاهرة.
يمثل طارق هاشم تجربة شعرية معاصرة تجمع بين الحس الاجتماعي العميق والانشغال الفلسفي الوجودي، وينتمي إلى جيل التسعينيات الذي نجح في انتهاج مسارًا إبداعيًا متطورًا يمزج بين العامية والفصحى. ينطلق هذا الديوان من قضايا المهمشين والطبقات الشعبية الكادحة، ليصل عبر تجربة متجددة إلى تأملات تتناول الذات والذاكرة والغياب. تمثل دواوينه مثل “ناقص حرية” و”احتمالات غموض الورد” في العامية، و”اختراع هوميروس” و”اسمي ألم العمر” في الفصحى، محطات متلاحقة في رحلة بحث وتطوير مستمر، أثبت فيها قدرته على التجديد وتطويع أدواته الشعرية التي وصلت ذروتها في ديوان “سارة مراد”. يتميز أسلوب الشاعر بالتركيز على الذاتية وحركة التفاصيل الصغيرة، مستلهماً مشاهد الطفولة والصبا، ما يمنح نصوصه صدقاً وعمقاً يتجاوز حواجز اللغة الفصيحة داخلًا في لحم العامية المصرية.
يحمل الإهداء الذي يتصدر الديوان دلالة رمزية عميقة: “إلى العاملة التي منحتني فرحاً لا زلت أعيشه، إلى أمي، إلى زوجتي، وإلى كل الذين سُرقت أصواتهم فاستعادوها بالغناء”، تعكس رؤية نقدية تبرز دور العمل والمرأة كمحرك للحياة، وتنحاز بوضوح إلى المقهورين الذين يجدون في الفن فضاء لاسترداد ذواتهم. تتوزع القصائد في أقسام متماسكة رغم غياب العناوين الفرعية في التحليل، مما يشكل بنية متكاملة تجمع بين التنوع والتماسك، لتعبر عن رؤية نقدية متجددة في الشعر الحديث.
تتخلل قصائد الديوان تساؤلات عميقة حول الهوية والذات في مواجهة الغياب والفقد، فلا يكتفي الشاعر برصد الغياب المادي، بل يتجاوزه إلى غياب المعنى والكرامة في عالم مضطرب. هذا الغياب لا يصبح مجرد فراغ، بل دافعاً للبحث عن الذات وعن طريقة لإزالة آثار “سلام العامل المتسخة يده”، كما في قصيدة “مريم”، في إشارة بليغة إلى كرامة المهمشين التي قد تتلطخ بظروف الحياة القاسية. يقول الشاعر:
“لابد أنها الآن مشغولة
بالبحث عن طريقة
إذا لزم الأمر
كي تزيل آثار سلامي من يدها
سلام العامل المتسخة يده
من أثر البحث عن سيرتها
في الواجهات البعيدة
لستُ مفكرا ولا من النبلاء
كي تحتفظ يدها بسلامي
لست ضابطًا في حرس الحدود
يمكنها بواسطته
أن تهرّب قبلاتها المسروقة
إلى الضفاف الأخرى”
يُظهر الشاعرانحيازاً واضحاً للطبقة العاملة والمهمشين، ويجعل من كرامتهم محوراً وجودياً. فالعمال في شعره ليسوا مجرد أرقام، بل كائنات حية تتألم وتناضل من أجل كرامتها. تصويره القوي للعمال كـ “الزجاج” يعكس هشاشة وجودهم وسهولة كسر كرامتهم، وأن أي مساس بها هو بمثابة الموت، كما في قوله:
“العمال يا مريم كالزجاج
أي خدش لكرامتهم
هو الموت ذاته
فلا تتنصلي من سلامي
بدعوى أن يدي متسخة”
يربط الشاعر، في نصوصه، بين قدسية العمل وقدسية الوجود ذاته، رافعاً مكانة العمال إلى مرتبة روحية تتجاوز كل مظاهر الجمال السطحي والمزيف، مؤكداً على إنسانيتهم وقيمتهم الوجودية العميقة. يقول في هذا السياق:
“وأحب امرأة أراد لها الله
أن تسكن في سماء تكره العمال
العمال يا مريم
أقرب إلى الله
من ضفائرك الطويلة”
تتنوع الشخصيات النسائية في الديوان، وتحمل كل منها دلالات رمزية تعكس أبعاداً مختلفة من الوجدان الاجتماعي والإنساني. “سارة مراد”، التي يحمل الديوان اسمها، تمثل رمز الأنثى الغائبة الحاضرة، وأيقونة تلتقي فيها الخاص والعام. أما “مريم” و”صفية”، فهما تمثلان معاناة المرأة وقلقها في مواجهة المجتمع. في قصيدة “صفية”، يرسم الشاعر صورة مؤثرة لامرأة تكابد الفقد والظلم، متسائلاً:
“صفية لم تنم
منذ أسبوعين تقريباً
ترى من صادر النوم
من عينيها البسيطتين؟”
ويستمر في تصوير مأساتها التي حولت صفية من “نجمة تعرفها مسارح المدينة” إلى “غيمة زاحفة ابتلعتها الأرض”، تعبيراً عن قسوة الواقع الذي يسحق الأحلام والطموحات. مع ذلك، لا يغفل الشاعر عن إبراز صمود المرأة في وجه الألم، مصوراً دموعها ليس كضعف بل كـ”بدعة وكذبة تاريخية”، في تأكيد على قوة المرأة وقدرتها على التحدي رغم كل الجراح. يقول النص:
“لا يغرنكم أنها ما زالت تهز ذيلها
لا تخدعكم دموعها النازفة
صوتها أنينها الجاف
حزنها الشارد
نظرتها الباهتة
كل هذا ما هو إلا بدعة، كذبة تاريخية..”
هذه المقاطع تكشف عن قدرة الشاعر على الغوص في نفسية المرأة، وتصوير معاناتها وقوتها في آن واحد، مما يضفي على النص بعداً إنسانياً عميقاً.
تلعب الذاكرة دوراً محورياً في الديوان، حيث تتداخل الأزمنة وتتشابك الأحداث، مما يخلق بنية شعرية غير خطية. فالماضي ليس مجرد ذكرى، بل هو حاضر يؤثر في تشكيل الذات، والزمن في الديوان ليس خطياً، بل هو دائري، يعود فيه الشاعر إلى لحظات فارقة في حياته وحياة شخصياته. يمزج طارق هاشم ببراعة بين الواقع والخيال، مما يضفي على قصائده بعداً فانتازياً أحياناً، ويفتح آفاقاً جديدة للتأويل، ويجعل القارئ يتساءل عن حدود الحقيقة والوهم. فالخيال في الديوان ليس هروباً من الواقع، بل هو “سلاح أخير” لمواجهته، كما ورد في بعض الدراسات النقدية حول الديوان.
يعتمد طارق هاشم في هذا العمل على أسلوب شعري رشيق، يتسم بالخفة والقدرة على التغلغل في تفاصيل النفس. تتجلى قدرته على التعبير عن المشاعر الدقيقة، واستخدام لغة شعرية مكثفة، تضفي على النص بعداً جمالياً. كما يظهر في الديوان تلاعب بالزمن السردي، وتداخل بين الواقع والخيال، مما يثري التجربة القرائية ويجعلها أكثر عمقاً وتأثيراً. يتميز السرد الشعري بتعدد الأصوات ووجهات النظر، مما يمنح القارئ رؤية شاملة للأحداث والشخصيات. ومن أبرز ملامح أسلوبه أيضاً توظيف تقنية “المسرحة” في الشعر، حيث تظهر الشخصيات (مريم، صفية، الراوي، الممثل الأول في قصيدة “النهاية”) وكأنها في عرض درامي. يقول في قصيدة “النهاية”:
“بعيداً عن المدخل الاحتفالي
الذي اعتاده المسرحيون
وقف الراوي معلناً بصوت
يبدو عليه التعب والحشرجة
كما لو أنه كان يغني طول الليل”
هذا التوظيف للمسرح يضفي على القصائد حيوية وديناميكية، ويجعل القارئ جزءاً من العرض الشعري، فالراوي هنا ليس مجرد سارد، بل هو شخصية تعاني وتتفاعل مع الأحداث.
تتجاوز قصائد “سارة مراد” مجرد تعبير عن المشاعر، لتقدم رؤية فنية للعالم، حيث تتجلى الجماليات في التصوير البصري الذي يرسم صوراً حية للمشاهد والأحداث، وفي الرمزية التي توظف دلالات متعددة تفتح آفاقاً واسعة للتأويل، وفي الموسيقى اللغوية التي تضفي على النص جمالاً صوتياً، وأخيراً في العمق الفلسفي الذي يتناول قضايا وجودية عميقة كالهوية والفقدان والكرامة والزمن، مما يثير التفكير ويحفز التأمل.
في الختام، يجدر بنا القول إن ديوان “سارة مراد” يُعد عملاً شعرياً يستحق الدراسة والتقدير، فهو ديوان يجمع بين المتعة الشعرية والعمق الفكري، ويقدم قراءة فنية للحياة والعلاقات الإنسانية. إنه دعوة للتأمل في دواخلنا، وفي تأثير الظروف المحيطة بنا، وفي قدرة الإنسان على الصمود والتكيف، أو الانهيار والضياع. وبذلك، يظل “سارة مراد” علامة فارقة في مسيرة طارق هاشم الإبداعية، وتأكيداً على مكانته كأحد أبرز شعراء قصيدة النثر في المشهد العربي المعاصر.










