د. إبراهيم منصور
أهداني المهندس خبيب صيام نسخة ورقية من كتابه “كيف مد الظل” ولم تكن هذه المرة الأولى التي أقرأ فيها عملا قصصيا لخبيب صيام، فقد زارني في منزلي منذ بضع سنوات وتناقشنا حول مجموعة قصصية كانت أول كتاب ينشره، وقد حاولت يومها أن أتناول معه ملاحظاتي على بناء القصص والحبكة ، وبناء الأسلوب.
أما كتابه الجديد “كيف مد الظل” فهو مجموعة قصصية صادرة عام ٢٠٢٥ عن دار نشر في الاسكندرية تدعى كتوبيا، والكتاب يقع في ١٧٦ صفحة من القطع المتوسط، ويحتوي على ٣٧ نصا قصصيا، فإذا استبعدنا الصفحات البيضاء وعددها ٥٦ صفحة وصفحات العناوين الداخلية والفهرس وعددها ٤٤ صفحة بقيت لنا ٧٦ صفحة بمتوسط صفحتين صغيرتين لكل نص قصصي في هذه المجموعة، فالأرجح هنا أن نسميها “قصص قصيرة جدا” وهو نوع من السرد الذي راق لكثيرين من جيل الكتاب المعاصرين.
***
عنوان الكتاب ملتبس فوجود اسم الاستفهام كيف في صدر العنوان يقتضي وضع علامة استفهام، ولكن المؤلف لم يضع هذه العلامة، وأما الفعل مد فلم يضبط بالشكل فهل هو فعل ماضٍ مدَّ ؟ أم أنه مصدر للفعل فيضبط مدُّ ، لأنه في هذه الحالة يجب أن يكون العنوان “كيف يمد الظل أو كيفية مد الظل”. كل هذا التأويل ومحاولة تفسير العنوان شيء مربك . وإذا فلنذهب إلى النص في ص ١٥ فعنوانه هو عنوان المجموعة، سوف يتبين لنا أن الكاتب قد اقتبس العنوان من القرآن الكريم: حيث يصف بطل القصة بقوله ” واصل سيره غاضبا، وإذ بالراديو في دكان صغير بجواره يصدح : ” ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا” فالعبارة التي اتخذها المؤلف عنوانا للقصة وعنوانا للكتاب هي جزء من آية قرآنية، والفعل مد يعود إلى الفاعل، وهو في السياق الله.
لماذا نشغل أنفسنا بهذه التعليمات الصغيرة التي نريد أن نلفت الكاتب إليها ؟ هل لأن الكاتب يفتقد للخبرة ويكتب كتابه الأول؟ أم لأن هذه مهمة الناقد في كل الأحوال؟
كما قلت فإن الكاتب خبيب صيام له كتب أخرى، فله رواية من فئة أدب الفتيان بعنوان “فانيليا وكاجو” نشرتها له دائرة الثقافة بالشارقة ، والأهم من ذلك أن المؤلف قد نال عدة جوائز من الهيئة المصرية العامة للكتاب، ومن معرض القاهرة الدولي للكتاب عام ٢٠٢٤ ، وفاز بمنحة تفرغ لإنجاز رواية بعنوان “سر نهر النيجر” فماذا ينقص هذا المؤلف لكي تكون كتبه محل اهتمام من القراء والنقاد على السواء؟
أما القراء فأنا واثق أنهم لا يعرفون هذا المؤلف ولن يعرفوه، لأن كتبه المنشورة في كتوبيا وغيرها من دور النشر الخاصة غير متاحة للقراء، فهذه الدور لا تطبع إلا عددا محدود قد يكون مائة نسخة أو مائتين ويعطون أغلب تلك النسخ للمؤلف لتوزيعها على أصدقائه. أما النقاد فأظن أن المؤلف نفسه غير معني بآرائهم فيما يكتب لأنه قد حصد الجوائز ونال شرف أن يكون متفرغا للكتابة مدعوما من الدولة فلماذا يشغل نفسه بالنقاد ؟!
* * *
تسليما مني بأن القراء لن يتمكنوا من قراءة هذا الكتاب فإنني سوف أورد نصا كاملا عنوانه “فقاعة صابون” (ص ص ١٠٩ – ١١١):
“كان عم أمين يوقف المارة في شوارع القاهرة يطلب منهم الدعاء له بالشفاء من السرطان الذي نخر رئتيه، ويعد كل واحد بمكافأة إن شعر أن الدعوة خرجت من القلب ، ازدحم حوله الناس ، رفعوا أكفهم ، كرروا الأدعية كما لو كانوا يقرأون من ورقة محفوظة، أو من سيناريو مكتوب.
فكان ينصرف عنهم واحدا تلو الآخر . فلم يلمس في أصواتهم سوى الطمع في الجائزة.
حتى الشحاذة التي وقفت أمامه تقول في غلظة ” أعطني متاع الدنيا لتأخذ من الله متاع الآخرة. عرض عليها عرضه المعتاد ، فرددت أدعية متكررة ، فأدار وجهه وهرب. كان يعرف أن وقته المتبقي أقصر من أن يهدر في كلمات بلا روح وليس من القلب.
أشار عليه البعض بالرحيل إلى البحر ليستجم، فاتجه نحو الاسكندرية ، وجلس على الكورنيش، هناك لمح فتاة تنفخ فقاقيع صابون بكل نعومة ولين، تضحك وهي تراقبها تطير مع النسيم نحو السماء، كانت تحلق غير عائدة أبدا وكأنها مسحورة.
لم يسألها عن اسمها ، فقط قال بنعومة أصابت قلبه بقشعريرة بمجرد أن رآها:
-ادعي لي يا لطيفة.
-اسمي لين.
– اسمك جميل
– وانت ما اسمك يا عم ؟!
– أمين
-بماذا تريد أن أدعو لك يا عم أمين يا طيب؟!
بالصحة والعافية يا لين فأنا مريض.
رفعت يديها للسماء ، أغمضت عينيها ، وتركت الدعاء ينساب كأنها تلقي قلبها كله في الهواء بعد أن وضعته في كرة صابون ونفختها.
ابتسم عم أمين ، أحس أنها الدعوة التي طالما بحث عنها. مد يده إلى جيبه ليعطيها للمكافأة ، لكن جسده هوى أرضا ، وتبعت روحه دعاءها، وفقاقيع الصابون إلى السماء.
سقط وعاء الصابون من الفتاة ، سال على رصيف الكورنيش ، وشرعت في النحيب عليه.
لم تعرف قط بشأن المكافأة فكان قلبها فقط ما حركها ، ولم يعرف هو أن موعده المحتوم كان ينتظر تلك اللحظة بالذات ، في مدينة البحر ، ومع كل هذا اللين الذي حاوط قلبه ليستريح تماما من عناء الحياة”
***
تنتمي قصة “فقاعة صابون” إلى القصة القصيرة جدا، لذلك يمكن للكاتب إهمال أسماء الشخصيات وأسماء الأماكن وتفاصيل أخرى كثيرة، فالحدث في القصة القصيرة جدا، حدث محدود، فنحن أما “ومضة” محدودة ليس في الزمان والمكان فحسب، بل في الشخصيات وفي عدد الوقائع التي ينبني منها السرد.
والحدث المركزي في قصة “فقاعة صابون” هو موت رجل مريض، ولحظة الموت ارتبطت بتحقيق أمنيته أن ينال دعاء مستجابا من إنسان مخلص، وقد تحققت له هذه الأمنية على يد فتاة بريئة، لكن المفارقة أن الأمنية التي كان يرجوها الرجل هي الشفاء لا الموت، لكنه نال الراحة، نالها بالموت فخلص من عذاب الألم إلى راحة أبدية.
ما الذي ينقص هذه القصة لكي نرضى عنها وندرجها ضمن نصوص القصة القصيرة جدا؟
إن قصر النص (عدد الكلمات ٣٠٦ كلمة) كافية لصنع قصة قصيرة جدا، بل هي زائدة قليلا عن الحد المطلوب لصنع تلك القصة في حالتنا هنا وليس في كل الحالات بالضرورة. إن الكاتب لم يلتزم بالحياد والموضوعية في السرد، وتدخل ليقرر ويعطينا نتائج فهو يقول “رفعوا أكفهم ، كرروا الأدعية كما لو كانوا يقرأون من ورقة محفوظة، أو من سيناريو مكتوب. فكان ينصرف عنهم واحدا تلو الآخر، فلم يلمس في أصواتهم سوى الطمع في الجائزة”
إن القصة القصيرة جدا هي أشبه النصوص الأدبية بالقصيدة الشعرية لذلك هي تكره الفضول والتكرار، وهنا أخطأ الكاتب حين وصف دعاء الناس للرجل المريض مرتين مرة بأنهم “كما لو كانوا يقرأون من ورقة ” و مرة حين قال: “لم يلمس في أصواتهم سوى الطمع في الجائزة”
أيضا نحن لم نكن في حاجة لانتقال الرجل المريض من القاهرة إلى الاسكندرية، ولا كنا في حاجة إلى اسمه في المرة الأولى التي ذكرها الكاتب ، ويمكن الاكتفاء بالحوار الذي دار بينه وبين الفتاة لمعرفة اسمه.
أما أسوأ ما صنعه الكاتب بقصته فهو التقرير الذي كتبه في آخر القصة حيث قال: لم تعرف قط بشأن المكافأة … إلخ
· ***
· وأخيرا فإن القصة القصيرة جدا، في قربها من القصيدة الشعرية لابد أن يراعى كاتبها الإيقاع، والإيقاع في النثر غيره في الشعر، خذ مثلا قول الكاتب “رفعت يديها للسماء” الأصوب لتحقيق الإيقاع أن يقول “رفعت لين يديها للسماء” وكذلك في قوله “سقط وعاء الصابون من يد الفتاة” كان الأفضل أن يقول من يد لين، لماذا أردنا أن يتكرر اسم لين ونحن نطلب الاختصار والتركيز وأحيانا نهمل ذكر أسماء الشخصيات في القصة القصيرة جدا؟ هذا هو الإيقاع الذي نطلبه. كذلك قوله “كانت تحلق غير عائدة أبدا” الصواب أن يقول “كانت الفقاقيع تحلق”
إذا استطاع الكاتب أن يلجم جماح قلمه ويشطب أغلب ما كتبه، ويعيد قراءته عدة مرات، ويعدل فيه بلا تردد، حينئذ سوف يجعلنا نقر نصه وندخله في زمرة القصة القصيرة جدا، لذلك فأنا لا أتردد في الحكم على قصة “فقاعة صابون” بأنها طويلة نوعا، وهي بحاجة إلى قطع ثلثها وإلغائه، فلو بدأ الكاتب قصته من أول قوله “أشار عليه البعض بالرحيل إلى البحر ليستجم …. وانتهى عند قوله : وشرعت في النحيب عليه. (لتصبح القصة ١٥٧ كلمة فقط) لكانت أفضل مما هي عليه الآن.








