هويدا صالح
تبدو رواية “بالحبر الطائر” لعزة رشاد، الصادرة عن دار الكتب خان (2025)، وكأنها نشيد جنائزي ممتد لعالم معاصر تزعزعت يقيناته، وتصدّعت هوياته، وتآكلت القيم والمعاني الكبرى التي كانت تمنح الأفراد – ولا سيما النساء – إحساسًا بالانتماء والطمأنينة. وهي مرثية لا تُنشد بصوت واحد، بل تتشظّى عبر أصوات أربع نساء يجتمعن في جروب يحمل دلالتين لافتتين: أولاهما أن أسماءهن جميعًا تستهل بحرف “النون” (نعيمة، نسمة، نوجا، نادين)، وثانيتهما إحالة رمزية إلى “نون النسوة” بما تختزنه من أوجاع أنثوية وتجارب مثقلة بالخسارات التي تفرضها الحياة. وإلى جوار هذه الأصوات النسائية، يبرز صوت خامس ذكوري هو صوت الابن “ناجي”، ليُكمل هذا التعدد الصوتي بنيةً بوليفونية تعكس تشظّي الوجود الإنساني في زمن الرقمنة والهجرة والوحدة.
سرد النساء… عزف متعدد على وتر واحد
تقسّم رشاد روايتها بين أربع بطلات: (نعيمة، نجوى، نادين، ونسمة)، يجمعتهن صداقة جامعية قديمة، ويفرّق بينهن الشتات الجغرافي والاختيارات القاسية. تبدأ الرواية من الإسكندرية، المدينة التي لم تعد مركزًا للدفء بقدر ما أصبحت نقطة انطلاق للغياب، مع نعيمة، الوحيدة التي بقيت في الوطن، لكنها الأكثر وحدة. عبر في مواقع التواصل الاجتماعي، تستدعي صديقاتها من المنافي: نيويورك، باريس، لندن، محاولة لِلَمِّ شتات الصداقة، وربما شتات الذات.
غير أن هذا الاستدعاء لا يستحضر الحنين فقط، بل يفضح الأكاذيب الناعمة التي تروّجها منصات التواصل الاجتماعي؛ فنجاحات الصديقات في الخارج ليست سوى أقنعة تخفي خلفها هشاشة عميقة، وصراعات لا تقل قسوة عن تلك التي تركنها خلفهن في الوطن. هكذا يتكشّف أن الهروب لم يكن خلاصًا، وأن الحرية الموعودة جاءت بثمن فادح.
الأمومة كقدر اجتماعي لا يُناقش في قلب الرواية تقف “الأمومة” بوصفها الدور المركزي الذي تُقاس به حياة النساء، لا باعتبارها خيارًا إنسانيًا، بل باعتبارها قدرًا اجتماعيًا مفروضًا. هذا ما يضع النص في تماس مباشر مع أطروحات شيرين أبو النجا في كتابها “رحم العالم”، حيث تُفكّك فكرة الأمومة بوصفها “غريزة” لا تقبل الجدل.
تتجلّى هذه الإشكالية بوضوح في مصائر البطلات:
ـ نادين تتخلى عن حلم الغناء لتصير زوجة وأمًا مثالية، ثم تكتشف أن تضحياتها تُفسَّر كقيد وسجن.
ـ نعيمة تفشل، رغم محاولاتها، في لمّ شمل أسرتها، وينتهي بها الأمر وحيدة، بينما يغيب الزوج في عوالمه الإبداعية، والابن في حياته الخاصة.
ـ نسمة، المصابة بمتلازمة تيرنر، تُختزل إنسانيّتها في جسد «ناقص» وفق المعايير الاجتماعية، فتتعرض للإقصاء العاطفي والأسري، حتى يتحول الوطن ذاته إلى ساحة صراع أخير.
كل واحدة من هؤلاء النسوة تشعر، بشكل أو بآخر، بأنها «ناقصة» لأنها لم تُنجز الدور كما ينبغي، أو لأنها أنجزته ثم خسرته.
تحضر الشخصيات الذكورية في الرواية بوصفها ذواتٍ تمثّل أنماطًا متعددة من القهر والإقصاء الممارسَين ضد النساء. فحتى الابن “ناجي”، الذي يظهر قلقًا على غياب والدته وساعيًا إلى تفقد أثرها، يعجز عن إدراك عمق حياتها وتضحياتها من أجل الأسرة، بل ينزلق إلى التهكّم على علاقاتها بصديقاتها بعدما يطّلع على ملفاتهن الرقمية. وعلى هذا النحو، تُدان الشخصيات الذكورية، صراحةً أو ضمنًا، من دون أن تُمنح سردياتها المستقلة؛ إذ تبقى أصواتهم غائبة، بينما تظل آثارهم فاعلة ومؤلمة: أب متسلّط، زوج ذكوري، ومثقف ذو خطاب مزدوج. فالرجال في هذا العالم السردي ليسوا شياطين بالمطلق، لكنهم جزء لا يتجزأ من منظومة أبوية تعيد إنتاج القهر، حتى حين تتخفّى خلف أقنعة الحداثة أو الادعاء الثقافي.
يحمل عنوان الرواية دلالته المركزية: “الحبر الطائر” هو كتابة لا تستقر، قابلة للمحو والتعديل، مثل الهويات الرقمية، والذكريات الإلكترونية، والعلاقات التي تُدار عبر الشاشات. ملفات نعيمة الرقمية، التي يطالعها ابنها أثناء غيبوبتها، تصبح شكلًا جديدًا من السيرة الذاتية، سيرة معلّقة بين الواقع والتخييل، بين الاعتراف والادّعاء.
هنا تلتقي الرواية بسؤال عميق:
ماذا يبقى من الإنسان في العصر الرقمي؟
ليس الجسد، ولا الحضور الفيزيائي، بل ما نتركه مكتوبًا، وما ينجو من النسيان. «الناجي» الحقيقي في الرواية ليس شخصًا، بل النص ذاته. كما تعتمد رشاد على كسر خطية الزمن، مستخدمة الفلاش باك، والتداعي الحر، والاستباق، لتوليد توتر سردي وتشويق نفسي. تتجاور الأزمنة كما تتجاور الأمكنة، في محاكاة دقيقة لتجربة الاغتراب وتشظي الوعي. الأصوات النسوية الأربعة تشبه أوتار كمان، بينما يشكّل صوت ناجي القوس الذي يعبر بينها، جامعًا شتاتها دون أن يلغي اختلافها.
“بالحبر الطائر” ليست رواية عن الهجرة فقط، ولا عن الصداقة النسوية فحسب، بل عن الكتابة بوصفها محاولة أخيرة للنجاة، وعن الأمومة بوصفها سؤالًا وجوديًا، لا دورًا بيولوجيًا. رواية ترصد هشاشة الإنسان المعاصر، وتمنح صوتًا لنساء يعشن بين ثقافتين، بين وطن لا يحتمل الاختلاف، وعالم لا يمنحه الأمان.
إنها رواية تقول، بهدوء موجع: لا أحد ينجو كاملًا…لكن بعض الحبر، إن كُتب بصدق، قد يظل طائرًا في ذاكرة من يقرؤه.
…………………
* نقلاً عن مجلة مصر المحروسة















