مِثل غيمة

أسامة عاطف

أسامة عاطف

ولمّا كان الكرسي يحركه جيئةً وذهابًا، تراءى له عالم غريب، عالم يملؤه السكون، تذوب سماؤه في الغبطةِ اللانهائية. سكونٌ أبديٌّ حلو المذاق، وعذب. صافٍ مثل ريحٍ باردة. وبدا عالمه الكئيب أمام تلك الجماليّات، الجماليّات المدهشة والمرحة مثل نهد، عالمًا صغيرًا وهشًّا وسخيفًا. كان الحزن مثل زوبعة، زوبعة عاتية تُقلّب أيامه بين نهديها. كما يتقلّب الآن في مقعده، كما لو كان يتقلّب على النار مثل دجاجة. أجل طير، إنه من الطيور الآن، بدا له عصفورٌ يقف كالجندي المنتصب على سقيفة كابينة الاتصالات التي تلوح في الأُفق، فأشار بيده من وراء نافذة العربة. مثل طفلٍ يشير إلى لعبة أعجبته. وقال: أجل أنا عصفورٌ، طائر، أنا طائرٌ مثل غيمة. مثل حلم. ولمّا جاهد نفسه ليتوارى من الحزن، صهره الحزن، وخُيّل إليه الحلم الجميل الصافي مثل نسمة، مثل طائر، حلمًا زائلًا وسخيفًا. سخيفًا بقدر جمال العالم الذي يراه وهو يتحرّك يمنةً ويُسرة في مقعد العربة التي تُسرع، تُسرع مثل وقت، مثل حلم، يوشك أن يزول.

أسامة عاطف

23 مقال
"أكتب، لأن الحياة شبح، والكلمات مطاردة مثالية لها"

مقالات ذات صلة

أن تعيش في بلاد الإسكيمو

رغمتزايدارتفاعدرجاتالحرارةفىالقاهرة، فإنالأسبوعالماضىكانبالنسبةلِىأسبوعًاجليديًابامتياز، ورغمندرةالثلوجأوالجليدفىمصروالعالمالعربىعداقممبعضالجبالكماجنوبسيناءأولبنان، فإننىحيثُماولَّيتُوجهىكنتأجدالجليدفىطريقى، ولميكنالجليدمعوقًاأتعثربه، بلموضوعوأساستجاربمعيشيةومعرفيةجديدة. يرتبطالثلجفىذهنىمنذالصغربشهربرمضان، الإفطارعلىماء «ساقع»، وكنافىالسبعينياتنحرصعلىشراءأجزاءمنلوحالثلجلتبريدالماء، وكانمنالمشاهدالمألوفةأنترىشابًايركبعجلة، وعلىمقعدهاالخلفىلوحمنالثلجملفوففىالخيش، فىطريقهلمحلالبقالةلتبريدزجاجات «الحاجةالساقعة». فىأولالأسبوعتعرضتلتجربةمثيرة، وأمضيتساعةونصفالساعةمنالوقتوسطسبعةآلافطنمنالجليدعلىمساحةشاسعة، وكأنىانتقلتعبرآلةالزمكانإلىالقطبالجنوبى.. وإذاكانالحريجعلذراتالأكسجينفىالهواءتتباعد، ممايجعلالإنسانيشعربضيقفىالتنفسفيصيبهالتوتروالانفعالالذىيظهرعلىسلوكه.إنهواءالجليديبدونقيًاطازجًا، حيثلاغبارولاترابلاشىءسوىذراتالثلجالهندسيةالشكلتتلاحموتتجمعمعبعضها، لتكونبياضًاشاهقًايساعدعلىهدوءالأعصابوالتأمل، وربمايدفعالبعضللنزقواستعادةطفولةمبتورة، فيشاركفىكلالألعابالتىيضمهاالمجمعالجليدى، كركوبالزلاجاتوكراتالثلجالعملاقةالتىنتدحرجبداخلهامنقمةمنحدرطوله ٣٠ مترًا، أوركوبالتيوبرنحيثمسارالمنحدرمتعددالارتفاعات، وكأنهامطباتصناعيةلكنهالاتقللسرعةالتيوبرنبلترفعنالأعلى، لننخفضثانيةأوالصعودعلىالقدمينجبلداخلىبارتفاع ٨٥ مترًا، وركوبالقطارالسريع، الذىيمربجزءمنالباركومنخلالهأستعيدأحاسيسالمنفيينإلىسيبيريا، وسياطالهواءالجليدىتزيدأحزانهملدرجةيصلونفيهاإلىالاكتئابالذىيدفعالبعضإلىالانتحار.هذهالتجربةكونتلدىإجابةجزئيةعنسؤاليترددأحيانًافىذهنى: هلأستطيعأنأقيمفىواحدمنبلادالشمالالقطبىكنداأوالدولالإسكندنافية؟ وكيفيعيشأهالىألاسكاوكيفيطيقونهذاالجليد؟.. الملابسالثقيلةهىالحلولكنكىتتواءمعليكبالاهتمتمبأطرافك.عليكأنتهتمبأطرافك، لأنهيبدووكماهوالحالمعالأوطانوالبلادأنأطرافالإنسانفىالعالمالجليدىهىنقطةضعفهالتىيمكنللبرودةأنتهاجمكمنها، إنهاالحدود، فكلمالهتماسمعماتخشىوماتحمىنفسكمنه، عليكالتعاملمعهبحذرشديد، ودوناستهانة، لاتسمحللتسريباتالباردةأنتمسقدميك، لايكفى «شرابصوف» واحدفليكناثنان، ثلاثة، كلماكانتأطرافكحصينة، فشلالبردأوأىشىءفىأنيغزوك. وكمابدأالأسبوعبتجربةجليديةانتهىبمتابعتىلخبرنشرتهمواقعالأخبارعنانفصالواحدمنأكبرجبالالجليدفىالتاريخعنالقارةالقطبيةالجنوبية، وتقدرمساحةجبلالجليدالمذكوربحوالى ٦ آلافكيلومترمربع، أىمايعادلأربعةأمثالمساحةمدينةلندن، الجبلالجليدىيقعشمالشرقالقارةالقطبيةالجنوبية. استدعىهذاالخبرالجديدللذاكرةخبرًاآخر، هواعتزامدولةالإماراتسحبجبلجليدىمنالقارةالقطبيةالجنوبيةإلىسواحلها، وأكدالمهندسالفرنسى Georges Mouginصاحبفكرةالمشروع، أنباستطاعتهتحقيقمايبدوصعبًا، ولديهواحدجاهزللنقل، فهلكانهذاالجبلالذىانفصلحديثًاهوالجبلنفسهالذىيشيرالمهندسالفرنسىإليه؟.. خاصةأنالعلماءرصدواشروخًافىالقطبالجنوبىوتزايدتهذهالشروخمنذعام ٢٠١٤.وفكرةسحبكتلجليديةمنالقطبالجنوبىليستوليدةاللحظة، لكنهاظهرتمنذالقرنقبلالماضى، عندماطرحبعضالعلماءعام ١٨٢٥، فكرةسحبكتلوجبالثلجيةإلىمناطقبخطالاستواء، لترطيبجوالأرضبأكملها، كمافكرونستونتشرشلرئيسوزراءبريطانيافىالاستفادةمنالجبالالجليديةفىصنعحاملةطائراتمنالجليد، وحالتظروفمابعدالحربالعالميةالثانيةدونتنفيذها.وفىالسبعينيات، راودالسلطاتالسعوديةحلمنقلجبلجليدىمنالقطبالشمالى، لإذابتهعندسواحلالمملكةوالإفادةمنمائهالعذبللشرب، لكنموانعتقنيةحالتدونتنفيذالفكرة. ويبدوأنالولعالخليجىبالجليدلنينتهى، ومنلديهالمالفليفعلبهمايريد.ولأنالأسئلةتولدأسئلة، فهليمكنلىأنأسأل: لماذايقيمالأوروبيونمنطقةصحراويةذاترمالوشمسملتهبةوأشواكونباتاتوجمالفىأراضيهم؟.
صفاء النجار 14 يوليو 2017
أقسام الموقع