محاولات لشراء الدهشة

art8

إبراهيم المطولي

“يلا يا جماعة… السوق، واللي نازل”   

قالها السائق بلهجة آمرة، فترجل صاحبي من السيارة، ثم التفت ليراقبني وأنا أنزل خلفه، بينما أكمل الآخرون طريقهم كلٍ إلى وجهته.

 كانت تلك زيارتي الأولى لهذا الركن من العاصمة؛ فنحن أبناء الريف لا نطأ أرضها إلا لضرورةٍ أو قضاء حاجة. أما هذا الركنُ المهملُ الذي تكسوه مسحةٌ وقورةٌ من التاريخ، فلم يكن لنا فيه مأربٌ يوماً؛ لذا كانت نظراتي تسبق خطاي، أتأمل التاريخ متمثلًا في العمارة القديمة: مساكن ومساجد، ومقابر بعضها بجوار بعض، ومقامات لأولياء لم يعد لهم مريدون..

  شرح لي صديقي الذي سبق له المجيء مرات قبل هذه، أن السوق يبدأ مع صلاة الفجر، حيث يبدأ الباعة في نصب طاولاتهم، أحيانًا لا يحتاجون أكثر من قطعة قماش ممدودة أمامهم على الأرض، ليصبح معرضًا لما يبيعون.

  ثم نظر إليّ مستطلعًا انطباعي الأولي، هو من اقترح عليّ المجيء، بعدما كان قد سألني عن أخبار الكتابة، ورغم أنه غير مهتم بالأدب في ذاته، إلا أنه دائم السؤال عما أكتب، يحب أحيانًا أن يسمع مني القصص بطريقة شفاهية. لذا، عندما علم بتوقفي الذي دام أشهرًا، ولأنه بطريقة ما يعرف أن الكاتب دائم البحث عن الدهشة، قال إنه يقترح ساحة ممتلئةً بها. وفي الحقيقة.. الدهشة هنا موجودة، بل مكثفة إلى حد يمكن معه لمسها بأطراف الأصابع.

  وبما أنني لم آتِ لشيء محدد، فقد بدأت بمسح الزحام بعيني، وبعد إلغاء السارين من مجال الرؤية والتركيز في الابنية المحيطة عرفت أنها مقابر لأقوام غابرين، ربما حاولوا أن يبتعدوا عن الناس في رقداهم الأخير، لكن المدينة لحقت بهم في أكثر صورها ضجيجًا، متمثلة في هذا السوق غير العادي.

  والسوق، الذي يظهر لي حتى الآن كشارع يتسع حينًا ويضيق حينًا آخر حسب المارين فيه، تبدأ أولى مناطقه ببيع وشراء عصافير الزينة، التي تبدو كأنها جُلِبت من جميع أشجار الأرض، بألوان تتنوع إلى حدٍّ لا تستطيع معه شبكيتي إيصالها للمخ لإيجاد أسماء لها في مخزن ذاكرة الألوان. يقف أصحابها بأقفاص أنيقة، فتنبعث من نوافذها بمرح واضح ضجيج من الغناء المحبب.

 يبدأ أصحاب الحمام في الظهور، وهم يتحسسون طيورهم قبل بيعها، ويضعون الطعام في أفواهها عن طريق شفاههم، فيما يشبه القبلة. الحمام، وإن بدا أكثر ميلًا للهدوء، فإنه يزهو بألوان تكاد من فرط سخائها، أن تنسكب عند الرقبة في أيدي أصحابها.

  وما أن تنتهي مساحة أصحاب الحمام، حتى يظهر الذين يبيعون الزواحف، السلاحف التي تمشي في أقفاصها ببطء حكيم، تحمل عبئها الحجري بصبر.

بائعو الثعابين، الحية منها التي لا تكف عن تعقيد ذاتها والتكور على أذرعهم، أو تتلوى في الهواء. والمحنطة في أوضاع صُممت لتثير الرعب في قلب الرائي، يبدو مشتروها وبائعوها، وهم يتفحصونها، كأنهم جزء من لوحة لأحد الرحالة.

 أما الحرابي فتتلون بكل لون تقف عليه، وعقارب لا تكف عن الحركة في علب من زجاج… أغيب في التفاصيل، وقد نسيت رفيقي الذي تقدمني وقد ظهر عليه التململ من بطء خطواتي.

 ابتسمت له كاعتذار، فاقترح أن ننفصل، وفي حال الحاجة، يمكن لأحدنا أن يقف عند مكان مميز ويتصل بالآخر. ثم مشى ليبحث عما جاء من أجله، فأكملت يظهر أمامي على الجانبين بائعو الملابس، تلك التي تأتي في حاويات تخلصت بها أوروبا من نفاياتها بطريقة آمنة، ينادي أصحاب الفرش على بضاعتهم وهم يلقون ببعضها على المارة، البعض يقع في فخ الإعجاب، لكن أكثرهم يعيدونها باسمين.

  من هنا، يتفرق السوق إلى عدة أفرع كأصابع اليد. واقعيًا، هي مسالك وسط مقابر قديمة تحمل على واجهاتها آيات من القرآن بالخط الكوفي، لتشكل إطارًا للأبواب، تظهر أسماء العائلات التي كانت تملك تلك القبور يومًا، وطبقات من الكتابة الحديثة بعضها فوق بعض: إعلانات لمحال ومنتجات، شعارات ثورية، وسباب مجهولين لمجهولين. تتخلل كل هذا أكوام القمامة، وأشجار البونسيانا والكازورينا، تبدو كما لو أنها نبتت بالخطأ في هذا المكان.

  قررت أن أزور جميع الأفرع، تقابلني في كل منها روائح مختلفة، وأحيانًا خليطٌ من كل شيء: عبق الشواء المنبعث من العربات المتوقفة على الجوانب، امتزاجه برائحة البخور المتصاعد من زوايا أخرى، وحتى نفحات الأرض الترابية التي تحملها الرياح الخفيفة. يتداخل كل هذا مع همهمات الناس الذين يساومون ويتجادلون، الممر الخاص ببيع الأنتيكات، حيث يَشترى الماضي أسرى الحنين، عملات وصورُ بالأبيض والأسود تنبئ عن جمال غابر.

  رجال يجلسون بأدوات بناء مستعملة، ومفاتيح للصيانة، أجهزة قديمة لا أحد يضمن إن كانت تعمل أم هي معطلة، على جانبٍ آخر منه، يجلس رجلٌ مسن يبيع السبح والخواتم الفضية، يتأمل العابرين بعينٍ ملؤها الرغبة في الامتلاك، بعدهما من يبيع الأدوات المنزلية الصدئة، والتحف المقلدة، والكتب التي اهترأت أغلفتها.

حتى الطعام الذي انتهت صلاحيته، ولم يعد صالحًا للاستخدام، له بائعون ومشترون، حلوى من بواقي محلات شهيرة، طعام من فضلات الفنادق، لحوم لم تعد تليق بزبائن المطاعم الكبرى.. طابور صغير من النسوة يفاصلن البائع في سعر الذي نطق به.

 بعد حين تبينت انني أعود مرارًا إلى الأماكن ذاتها، عرفت ذلك عندما رأيت عربات الشرطة التي تقف في جانب من السوق، يترجل واحد أو اثنان من رجالها، يمشون في اتجاهات مختلفة، يتوارون وسط الزحام ليعودوا إليها بعد حين.

استسلمتُ لثقل خطاي فوق حجرٍ بارد، كان يوماً عتبةً لمرقدٍ منسيّ، قبل أن يمحو الزمنُ قدسيتَه ويحيله مصطبةً للمشاة. فوق رطوبة الحجر، أظلتني شجرةٌ عجوز، راقبتُ رجلاً يسكبُ الماء عند جذعها بإخلاصٍ صامت، لعلّه يظن أنه يسقي ذكرى غائبيه، بينما كانت عروق الشجرة -في حقيقتها المتوحشة- تمتصُ بقايا أجسادهم ليمنح السائرين هذا الظل الأخضر الكثيف

  جاء صاحبي، مقترحًا أن نشتري عصافير مقلية، استبشعت الفكرة، ولكنه حثَني بتلك الكلمة السحرية:

–  جرّب..

  منحنا الرجل قرطاسًا من العصافير ضئيلة الحجم وفوقها رشة من الملح، تذوقت جناح واحدة وأنا أحاول تجاوز الإحساس بالجرم.

  ننتهي فنقوم لمعاودة المشي، حتى نجد أنفسنا على حافة السوق، وألمس ذراعه لأشير إلى الشاب الجالس هناك، أمامه لوحة رسم، يبدو أنه يستلهم من هذه الفوضى إبداعًا، التفت إلى ما وراءه، فأراه يرسم مشهدًا يلتقط روح المكان: امرأة تحمل سلة بأواني من الفخار المكسور، شيخًا يطالع كتابًا قديمًا، وطفلًا يركض خلف حمامة هاربة.

  نعود أدراجنا… أفكر أن هذه الساحة ممتلئ بالقصص، ما إن أمسك بطرف حكاية حتى تُفسِحُ مكانًا لغيرها، فلا أخرج بشيء واضح. أحتاج إلى المزيد من الوقت، لتتخللني التفاصيل تمامًا. عليّ أن أعود مرارًا إذا كنت أريد حقًا أن أكتب.

   يجب أن أمش على مهل، دون أن أكترث بالآخرين الذين يضربون كتفي وهم يهرولون مسرعين. يجب أن أجرب كل شيء معروض هنا: الطعام الرخيص إلى درجة يثير الريبة، الحلوى التي لا أحد يعرف من أين جاءت، عبوات الشاي الخالية من أي بيانات. أريد أن ألمس خشب الأبواب القديمة، وأتنشق رائحة المجلات التي يحرص البائعون على وضعها في أكياس بلاستيكية خوفًا من أن تفنى تمامًا.

أتخيل أن ما ينقص هذا الكرنفال وسط القبور هو مقام لولي كانت كرامته في خلق الحكايات، يكون مريدوه من الكتاب الذين تعطلت ملاكات الكتابة لديهم، يمنحونه النذور لمنحهم طرق إضافية للامساك بالقلم.

  ينطلق صوت المؤذن ينادي المؤمنين لصلاة الجمعة، تتجمد الحركة وتخفت مكبرات الصوت، يجنب العديد من الباعة بضاعتهم ليجدوا موضعاً للسجود، بينما يظل آخرون مطرقين حتى انتهائهم. 

 وعندها يعود الضجيج، لكن ليس كما كان. فعندما تبدأ الشمس بالميلان إلى الجهة الأخرى، يبدأ السوق في الانكماش. يجمع بعض الباعة بضاعتهم، يحزمونها في حاويتها، يوقفون بإشارة من يدهم السائلين عن الأسعار كأنما ملوا الكلام. 

أخرج من هذه الضوضاء فاشعر بالفراغ.

  في البيت يبقى أثر السوق في أذنيّ، كهاتف يطالبني بالعودة، كلما تأملت ما أحضرته معي من هناك، راديو قديم، وشرائط كاسيت كالتي كان يحبها أبي، ولوحات لفنانين مجهولين، صرتُ أنا من يطالب صاحبي بمرافقتي أيام الجمع إلى هنا، وحتى بعد أن مل هو، استمريتُ في الحضور. صحيحٌ أنني لم أكتب بعد، وأجاوبه عندما يسألني ونحن جلوس على مقاعد المقهى، وأن الكتابة ستأتي حتمًا، لكن في وقتها الذي تختاره هي، لا أنا.

  حتى أتى اليوم الذي اعتبرته جمعتي الأخيرة هنا، كنا في الصباح ما نزال، وفيما السوق في حالته القصوى من الزحام، توقفت أمام سيدة تبيع أجهزة الكاسيت القديمة، دائمًا ما تذكرني هذه الأجهزة بأبي، لم أمعن في تذكري؛ فقد اقترب رجل يشبهه من حيث كونه يرتدي جلبابًا بلديًا، تلفّه هالة خفية من رائحة الدخان، أفسحت له مكانًا ليستطيع الاقتراب.

  جلس في مستوى السيدة وبدأ في الفصال. أتخيل أنه كأبي يمتلك إرثاً من أشرطة الكاسيت، لا هو يستمع إليها ولا هو يستطيع التفريط فيها. فهي حتماً للقصص الشعبية حيث ينتظر المظلوم دائماً، وأخرى لرجال يمتلكون الحكمة ويرسلونها منغمة ومقفاة للآخرين، وحولهم مريدون يكررون صائحين بعد كل مقطع: “الله”.

    بينما كنت أقف خلف الرجل الجالس، الذي كان يجرب أزرار الجهاز الذي اختاره، رأيت شخصًا آخر يمد يده إلى جيب جلبابه ويسحب ما بداخله من نقود. تجمدت للحظة، وفي اللحظة التالية هممت برفع يدي لأضعها على كتف الرجل لأنبهه، لكن يدًا أسرعت وأمسكت بيدي. التفت لأجد أمامي رجل شرطة يجذبني بعيدًا. ثم نظر إليّ بغضب وقال:   

– يلا، امش روح لحال سبيلك.

  التفتُّ إليه مندهشًا، لكنه دفعني بعيدًا وهو يكرر:

– بقولك، يلا، أمشي شوف حالك.

 ما حدث بعد ذلك لم يكن مجرد توقفي عن المجيء، بل توقفتُ أيضاً عن قص الحكايات، لصاحبي على مقاعد المقهى، وللأوراق على مكتبي، ولنفسي وأنا نائم.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع