د. شادن دياب
الزمان: منتصف الليل وما بعده. يقول البعض إن هذه الساعة تخرج فيها الساحرات أو الشياطين.
المكان: حيّ باريسي متواضع. ويُقال إن هذا المكان، في الماضي، كان ميناءً قديمًا وموقعًا من مواقع المقاومة الفرنسية. صدّ الألمان؛ استخدم حينها المقاومون الفرنسيون حجارة الشوارع وجذوع الأشجار المقطوعة. وقد تمّ اعتقال أكثر من ستة من عمّال السكك الحديدية من قِبل القوات الألمانية، وتمّ إعدامهم رميًا بالرصاص في عين المكان ذاته.
حاول الألمان حينها سرقة لوحات متحف اللوفر ونقلها عبر القطار، وقد عمل عمّال السكك الحديدية على حماية الأعمال الفنية حتى لا تُسرق أو تُنقل، مستخدمين الدهاء في مواجهة مباشرة، وجهًا لوجه، يقصّها ببطولته بورت لانكستر في فيلم «القطار» (The Train).
أما الآن فتبدو مدينة عادية، *une ville dortoir*، ينام فيها الموظفون من الطبقة المتوسطة، يغادرون إلى أعمالهم دون أن يختلطوا بأهل الحي، مثقلة بعبء الحياة اليومية؛ ضغوط نهاية الشهر، الركض المستمر، الأخبار السيئة، الحروب، وارتفاع الأسعار، مثل أي بقعة على هذه الأرض…
فجأة، يُسمع في الحي صوت ستارة تُرفع. محاولة اقتحام من نوع آخر؛ اقتحام من ضوء أبيض شديد في الشارع لغرفتي المظلمة، ضوء من أضواء المصابيح الجديدة التي أصبحت بيضاء. فقد اختفى لون المصباح الأصفر الحنون من المكان. ويُقال إن مصابيح الـ LED المقابلة للحديقة تفيق لمرور أحدهم، ذاك أوفر للطاقة بعد الحرب الأخيرة. المصباح الأبيض لا يفهم وجوده هنا.
رغم ذلك، ضوء غريب يضيء وجهي. أهو ملاك ينزل في موعد الشياطين أم حلم؟ أرفع رأسي، ترتفع الستارة، أقف مترنحة أمام الزجاج، ويظهر وجه ملثم أمامي، وجهًا لوجه. أصرخ: كابوس!
أُنزل الستارة وأحاول أن أهدأ. يتواصل صراخي، لا ينتهي. أتصل بالرقم 17: «الشرطة، نعم، الوقت، المكان، والحدث».
أعود إلى فراشي، أحاول أن أتفقد حدود سريري لكي لا أقع…
في صباح اليوم التالي أجد الستارة الخارجية ممزقة. تسألني صديقة على الهاتف: «أحقًا نمتِ؟»
أجيب: نعم. قلت لنفسي وأنا أهدئها: «ريثا، ليس صاروخًا أو قذيفة، الناس يعودون بعد الغارة إلى ديارهم». أجل، نمت. كنت أدرك أنني، على الأقل، في سريري الباريسي. فأحيانًا أستيقظ وأسأل نفسي: أيّ مدينة تقبعين فيها؟
الإحساس بالاقتحام داخل البيت أصبح جزءًا من الذات، من الحميمية نفسها. أفكر في آلاف الأشخاص في العالم الذين تُنتزع منهم لياليهم، وأنا واحدة منهم، أو واحد آخر يُضاف إليهم.
أنهي مكالمتي، وأهمّ بالخروج. أقفل الباب، وأقرأ الذكر الذي أوصتني به جدتي لحفظ المنزل من المكروه.
ألتقي بنظرة جاري العجوز، الذي لم يحظَ بفرصة الصراخ أو إخافة اللص؛ فقد زاره في غيابه وأتلف الدار بعد أن تزوّد بما يملك جاري العجوز، والذي بقي وجهه مثقلًا وهو يردد: «خمسون عامًا ولم أرَ ذاك».
أطرق رأسي، أتذكر جدي الذي رحل وهو يحلم بالعودة لداره. الخمسون عامًا أصبحت سبعين…
أما لصّي البائس، الذي أغرته نافذتي ولا يعلم أنني لا أملك سوى كتبي، فنحن هنا، وجهًا لوجه…









