أ.د. صالح سليمان عبدالعظيم
ليست “كهانة الثقافة” في مصر اسما لفئة محددة من المثقفين، ولا وصفا لجيل بعينه، ولا اتهاما لمن طال حضورهم في الصحافة أو الجامعة أو المجال العام. الأدق أن ننظر إليها بوصفها عملية اجتماعية ومؤسسية تتكون عبر الزمن: تبدأ بإنتاج صاحب الاختصاص، ثم انتقائه للظهور، ثم توسيع حضوره، ثم منحه الاعتراف، ثم إعادة تقديمه في مؤسسات أخرى باعتباره مرجعية سبق الاعتراف بها. بهذا المعنى لا يوجد الكاهن الثقافي قبل الكهانة؛ إنما تنشئه شبكة من المؤسسات والممارسات والتقاليد المهنية التي تمنح بعض الأصوات قدرة أعلى من غيرها على تعريف ما هو مهم، وما هو جاد، وما هو تنويري، وما هو وطني، وما الذي يستحق أن يسمى ثقافة مصرية. والمجاز هنا مفيد لأنه ينقل النظر من مضمون الرأي إلى سلطة تفسير المعنى: من يملك المنبر؟ من يمنح الصفة؟ من يقرر أن هذا الكتاب حدث، وأن هذا الصوت مرجعية، وأن هذه القضية هي قضية الثقافة في هذه اللحظة؟
بهذا الفهم تصبح الكهانة الثقافية عملية تأسيس بقدر ما هي عملية احتكار. فهي لا تعمل دائما بالسلب، ولا يمكن تصور مجال ثقافي بلا وسطاء أو مؤسسات فرز أو خبرات متراكمة. الجامعة تدرب وتمنح الشهادات، ومركز البحوث يصنع التخصص، والصحيفة تنقل المعرفة من الدائرة الضيقة إلى الجمهور، ودار النشر تختار وتحرر وتوزع، والمجلس الثقافي ينظم المجال، والجائزة تميز عملا عن غيره، والمؤتمر يجمع المشتغلين بقضية واحدة، والبرنامج التلفزيوني يترجم النقاش المتخصص إلى لغة عامة. هذه وظائف ضرورية. غير أن الوظيفة تبدأ في التحول إلى كهانة عندما تتصل الحلقات بعضها ببعض على نحو يجعل الاعتراف السابق شرطا للاعتراف اللاحق، فيصبح الطريق إلى المركز دائريا: المؤسسة تستدعي من سبق أن اعترفت به مؤسسة أخرى، ثم يصبح تعدد الاعترافات نفسه دليلا على وجوب استمرار استدعائه.
لذلك يمكن تصور العملية في خمس حركات مترابطة؛ إنتاج الشرعية، ثم الانتقاء، ثم التضخيم، ثم التكريس، ثم إعادة الإنتاج. في مرحلة إنتاج الشرعية تمنح الجامعة أو المؤسسة البحثية الفرد لغة تخصصية ولقبا وموقعا يسمح له بأن يقدم نفسه باعتباره صاحب معرفة معترف بها. وفي مرحلة الانتقاء تختار الصحف والمجلات ومراكز الدراسات ودور النشر بعض هذه الأصوات دون غيرها، لا بالضرورة لسوء نية، وإنما لأن الاختيار يحتاج دائما إلى معايير وإلى قدر من الثقة المسبقة. ثم تأتي مرحلة التضخيم حين يصبح الظهور دوريا ومتكررا: عمود أسبوعي، مقابلة متجددة، ندوة، مؤتمر، تعليق عند كل حدث. وبعد ذلك يأتي التكريس عبر العضوية في المجالس واللجان والجوائز والمهرجانات والموسوعات والاحتفالات الرسمية. وأخيرا تعود المكانة الناتجة من هذه المراحل لتصبح سببا في مزيد من الاختيار، فيكتمل الدوران المؤسسي.
من هنا لا ينبغي فهم بعض المؤسسات المصرية المؤثرة باعتبارها مجرد أماكن للعمل، بل باعتبارها محطات لإنتاج رأس المال الرمزي. الجامعة، وبخاصة الكليات التي تتصل مباشرة بمناقشة الدولة والسياسة والمجتمع مثل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، لا تنتج خريجين وأبحاثا فقط؛ إنها تنتج أيضا لغة للشرعية العامة. يحمل الأستاذ معه سلطة التخصص، لكن هذه السلطة قابلة للتحويل خارج الجامعة: إلى مقال رأي، أو مداخلة إعلامية، أو موقع استشاري، أو عضوية لجنة، أو خطاب عام عن الدولة والمجتمع. هنا يحدث أول انتقال حاسم في الكهانة: يتحول رأس المال الأكاديمي من معرفة محددة بموضوع إلى أهلية اجتماعية للكلام في المجال العام. وقد يكون هذا التحول نافعا حين ينقل المعرفة الدقيقة إلى الناس، لكنه يصبح إشكاليا حين تتسع دائرة التعليق أكثر من دائرة الاختصاص، فيتحول اللقب إلى تفويض عام بالحديث في كل شيء.
وتزداد العملية وضوحا في المؤسسات التي تجمع البحث والإعلام داخل فضاء واحد، مثل مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. فمثل هذه المراكز لا تقف بين الجامعة والصحيفة فحسب، بل تصنع جسرا دائما بين الخبرة المتخصصة والرأي العام. الباحث الذي يكتب دراسة يصبح أكثر قابلية للظهور في الجريدة، والظهور يمنحه اسما عاما، والاسم العام يجعله أكثر قابلية للاستضافة في البرامج والندوات، ثم تعود هذه الشهرة لتزيد من وزن إنتاجه البحثي في نظر الجمهور. لا يعني ذلك أن المعرفة زائفة أو أن المركز لا يؤدي وظيفة علمية؛ بالعكس، قوة النموذج تأتي من أنه يجمع وظائف صحيحة ومشروعة، لكن اجتماعها في مسار واحد يجعل المؤسسة قادرة على تحويل المعرفة إلى مكانة، والمكانة إلى سلطة تفسيرية.
وتأتي مؤسسة الأهرام مثالا أكثر اتساعا على الكهانة بوصفها تراكم حضور لا مجرد إنتاج نص. فالصحيفة الكبرى لا تقدم الأخبار فقط، بل تخلق تقليدا للكاتب الدائم، وصاحب العمود، والاسم الذي يرافق القارئ سنوات طويلة. العمود الصحفي هنا أداة شديدة الأهمية لأنه يحول الكتابة إلى موعد. ومع الموعد يأتي التكرار، ومع التكرار تأتي الألفة، ومع الألفة تنشأ الثقة، ثم تتحول الثقة إلى نوع من السلطة. لا يعود الكاتب مطالبا في كل مرة بأن يبدأ من الصفر؛ يدخل مقاله الجديد ومعه أرشيف من المقالات السابقة، وتاريخ المؤسسة التي تنشره، وذاكرة قراء اعتادوا اسمه. بذلك تصبح الصحيفة آلة لإنتاج الاستمرارية، والاستمرارية بدورها مادة أساسية للكهانة الثقافية.
هذه النقطة تفسر ظاهرة “ماكينة الكتابة” التي تبدو ملازمة لجزء كبير من المجال الثقافي المصري. فالمشكلة ليست أن كاتبا يكتب كثيرا؛ الإنتاج الطويل قد يكون دليلا على انضباط استثنائي وخبرة متراكمة وذاكرة نادرة. المشكلة تنشأ حين يتحول انتظام المنصة إلى إلزام دائم بالقول. صاحب العمود مطالب بأن تكون لديه كل أسبوع زاوية على السياسة والمجتمع والثقافة والعالم، والبرنامج يحتاج رأيا جديدا كل مساء، والمؤتمر يحتاج المتحدث المعروف كل موسم. هنا قد تتقدم قدرة الشخص على الاستمرار على قدرة المؤسسة على التجدد. ويبدأ النص أحيانا في الاستفادة من اسم صاحبه أكثر مما يضيف النص إلى الاسم. في المرحلة الأولى يصنع النص المكانة؛ وفي مرحلة لاحقة قد تصنع المكانة قيمة مسبقة للنص.
لكن تحميل الكاتب وحده مسؤولية ذلك يخفي نصف العملية. المؤسسة نفسها تبحث عن الاستقرار. رئيس التحرير يفضل اسما يعرف جمهوره، والقناة تفضل ضيفا يعرف إيقاع الشاشة، والمنظم يفضل متحدثا يضمن حضورا، ودار النشر تفضل اسما يقلل مخاطرة السوق، واللجنة تفضل خبيرا ذا سيرة يمكن الدفاع عن اختياره. كل قرار من هذه القرارات عقلاني في حد ذاته، لكن تكرار العقلانية نفسها ينتج أثرا جمعيا غير مقصود يتمثل في تضييق مساحة المخاطرة الثقافية. ومع الوقت يصبح المألوف أكثر قابلية للاختيار لأنه مألوف، ويصبح الجديد أقل قابلية للظهور لأنه لم يظهر من قبل. إنها حلقة من الاعتماد على المسار السابق؛ أي أن النجاح الماضي لا يظل مكافأة على ما تحقق، بل يتحول إلى بنية تؤثر في توزيع فرص المستقبل.
ثم تأتي المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية لتضيف طبقة ثانية من الاعتراف. فالمجلس الأعلى للثقافة، ولجانه المتخصصة، ومنظومة جوائز الدولة، والفعاليات التابعة لوزارة الثقافة، ليست مجرد أجهزة إدارية؛ إنها مؤسسات تقول بطريقة رسمية أو شبه رسمية إن عملا أو اتجاها أو خبرة ما يستحق موقعا أعلى في سلم القيمة. والجائزة خصوصا لا تمنح مالا أو شهادة فقط؛ تمنح صفة قابلة للتداول. بعد الجائزة تتغير طريقة تقديم الشخص في الصحافة وفي الندوات وفي دور النشر، ويتحول الاعتراف المؤسسي إلى رأسمال يمكن استخدامه خارج المؤسسة التي منحته. وفي الاتجاه العكسي كثيرا ما تعتمد لجان الاعتراف نفسها على أسماء سبق أن راكمت مكانة في الجامعة والصحافة والنشر. وهنا نصل إلى قلب العملية؛ من تلقى الاعتراف بالأمس يصبح اليوم جزءا من جهاز الاعتراف بالآخرين.
هذه الدائرية لا تعني بالضرورة وجود تواطؤ أو شبكة واعية من المصالح. وهي بالضبط أكثر تعقيدا من نظرية المؤامرة. الحقول الثقافية تعمل غالبا من خلال الثقة المتراكمة والسمعة والسيرة المهنية. ومن الطبيعي أن تستعين المؤسسات بمن تعرف خبرتهم. لكن الخطر البنيوي هو أن تتحول الثقة إلى دائرة مغلقة؛ الجامعات تفرز أسماء، والصحافة تضخم بعضها، والمجالس تستدعي ما أصبح معترفا به، والجوائز تزيد من مكانته، ودور النشر تحتفي به، والمؤتمرات تستضيفه لأنه أصبح اسما كبيرا، ثم تستخدم الجامعة والصحافة والمجالس هذه المكانة المتراكمة مرة أخرى باعتبارها دليلا على جدارته. عندها لا تعود المؤسسة مجرد وسيط بين الإنتاج والجمهور، بل تصبح شريكا في صنع القيمة نفسها.
ويظهر الدور نفسه في دور النشر ومعرض القاهرة الدولي للكتاب ومكتبة الإسكندرية والصالونات والندوات الكبرى. فالناشر لا يطبع النص فقط؛ يقرر ما الذي يستحق أن يتحول إلى كتاب، ويصنع الغلاف والتقديم والحملة واللقاء مع القراء. ومعرض الكتاب لا يبيع الكتب فقط؛ إنه يوزع المنصات ويختار موضوعات الندوات ويحدد من يجلس في الجلسات الكبرى ومن يبقى مجرد اسم على رف. ومكتبة الإسكندرية لا تحفظ المعرفة فحسب؛ إنها تنتج برامج ومؤتمرات ومساحات للتقديم العام، وتجمع البحث بالاحتفال والذاكرة والرمزية الوطنية. في هذه المساحات يتحول الحضور إلى مورد ثقافي مستقل. وقد لا يكون منع الآخرين هو الآلية الأساسية؛ يكفي أن تكرر المؤسسة استدعاء الوجوه والموضوعات ذاتها حتى يصبح التكرار نفسه صورة من صور التفضيل.
وهنا يصبح من الضروري التمييز بين الرقابة المباشرة والهيمنة الثقافية. فالكهانة الثقافية لا تعتمد بالضرورة على المنع أو إسكات الأصوات المخالفة، بل تعمل غالبا بطريقة أكثر هدوءا وتأثيرا، من خلال تحديد ما يحظى بالاهتمام وما يبقى على الهامش. فالمجال الثقافي يمتلئ بآلاف الكتب والبحوث والمقالات، لكن عددا محدودا منها فقط يحظى بالمراجعات الصحفية، أو الدعوة إلى الندوات، أو الترشيح للجوائز، أو إعادة النشر، أو الحضور المتكرر في البرامج التلفزيونية والمنصات الإعلامية. ومن ثم فإن السلطة الثقافية لا تظهر فقط في القدرة على منع بعض الأفكار من الوصول إلى الجمهور، وإنما أيضا في القدرة على اختيار الأفكار والأصوات التي تتكرر أمام الجمهور حتى تكتسب مكانة مركزية. ولهذا فإن من يتحكم في توزيع الانتباه والمساحات الثقافية يمتلك قدرا مهما من القدرة على تحديد ما يعد مهما وجديرا بالقراءة والنقاش، حتى من دون أن يمنع الآخرين صراحة من الكلام. ومن هنا تصبح دراسة كيفية توزيع المنابر والجوائز والتغطية الإعلامية والفرص الثقافية أكثر دلالة من الاقتصار على البحث عن صور المنع أو الإقصاء المباشر.
وتنتج هذه العملية أيضا لغة خاصة بالتكريس. فالمؤسسات لا تقدم أصحاب المكانة بوصفهم مجرد مؤلفين أو باحثين، بل عبر قاموس من الأوصاف مثل “القامة” و”الرمز” و”أحد أعمدة الثقافة” و”صاحب المسيرة” و”الاسم الكبير”. قد تكون هذه الأوصاف مستحقة تماما، وهي جزء طبيعي من ثقافة الاعتراف بالإنجاز. لكن تراكمها يؤدي وظيفة تتجاوز المجاملة تتمثل في أنها تضع حول الاسم هالة من السابقة على النقد. يصبح تقييم النص الحالي مختلطا بتقييم السيرة كلها، وقد يُفهم الاعتراض على رأي آني باعتباره انتقاصا من تاريخ صاحبه. هنا تتبدل وظيفة التكريم من حفظ الذاكرة إلى صناعة مسافة رمزية بين الكبير وبين حق الآخرين في مساءلته بالمعايير نفسها التي يطبقونها على غيره.
ولا تنفصل الكهانة الثقافية عن مركزية القاهرة. فالمؤسسات التي تنتج أكبر قدر من الشرعية الثقافية والسياسية والإعلامية تتمركز في العاصمة أو ترتبط بها بقوة. الجامعات الأقدم والأكثر نفوذا، المؤسسات الصحفية القومية، المجالس والوزارات، المسارح المركزية، دور النشر الكبرى، الاستوديوهات، معظم المؤتمرات الوطنية، وشبكات العلاقات المهنية. معنى ذلك أن الطريق إلى الثقافة المصرية كثيرا ما يمر مكانيا عبر المركز. ويمكن لمبدع أو باحث من الإقليم أن يكون شديد الأهمية محليا، لكنه يظل مطالبا باختراق بوابات العاصمة حتى يتحول من صوت محلي إلى صوت قومي. ولذلك فالكهانة ليست فقط تراتبا بين الأجيال أو الأسماء؛ هي أيضا جغرافيا للاعتراف.
ويتقاطع مع ذلك بعد طبقي واجتماعي. فالمؤسسات الثقافية تميل، بحكم قواعدها، إلى تفضيل من يملك اللغة والوقت والشبكات والقدرة على الحركة داخل فضائها. وهذا يعني أن الفئات التي يجري الحديث عنها بكثرة في الخطاب الثقافي ليست دائما هي الفئات الأكثر قدرة على إنتاج الخطاب المعترف به. يستطيع الأستاذ أو الكاتب أن يتحدث طويلا عن الشخصية المصرية أو وعي الناس أو ثقافة الطبقات الشعبية، بينما تظل قطاعات واسعة من هؤلاء الناس خارج دوائر إنتاج المفاهيم التي تصفهم. العملية هنا لا تقوم على الكذب؛ قد يكون التحليل دقيقا ومتعاطفا. لكن ثمة فرق بين أن تكون موضوعا للثقافة وأن تكون شريكا في تأسيسها. وكلما ضاقت الخلفيات الاجتماعية لمن يملكون المنصة، زادت احتمالات أن يتحدث المركز عن المجتمع أكثر مما يتحدث المجتمع داخل المركز.
ومن أخطر آثار الكهانة بوصفها عملية أن المؤسسة قد تحول الاختصاص إلى تمثيل. فصاحب المعرفة في مجال معين لا يُستدعى فقط لشرح مجاله، بل يبدأ تدريجيا في أداء وظيفة “المثقف العام” الذي يُطلب منه تفسير المجتمع والدولة والتاريخ والجيل الجديد. لا توجد مشكلة في المثقف الموسوعي من حيث المبدأ، لكن المشكلة أن المكانة لا تصلح بديلا عن حدود المعرفة. حين تتساوى في عين الإعلام خبرة متخصصة امتدت سنوات مع رأي انطباعي في موضوع بعيد، تصبح سلطة الاسم أقوى من سلطة الدليل. ويصبح السؤال من قال؟ أحيانا أهم من ما الأساس الذي استند إليه؟. هذه إحدى اللحظات التي تتحول فيها المرجعية إلى كهانة بالمعنى النقدي.
وفي الوقت نفسه، للكهانة وظيفة إيجابية لا ينبغي تجاهلها. فهي تحفظ استمرارية الذاكرة في مجتمع تتغير فيه المؤسسات بسرعة، وتخلق أرشيفا من الكتابة والنقاش يمكن الرجوع إليه، وتمنح الجمهور نقاطا مرجعية ثابتة، وتحمي المجال أحيانا من سيولة الرأي اللحظي. وجود محررين ونقاد ومحكمين وخبراء وأسماء ذات خبرة يخفف من فوضى السوق، ويقيم حدودا أولية بين العمل المهني والادعاء المجاني. لذلك فإن البديل عن الكهانة المغلقة ليس إلغاء كل سلطة رمزية. عالم بلا بوابات قد يصبح أكثر خضوعا للمال والشهرة والضجيج والخوارزمية. القضية ليست في وجود البوابة، بل في عدد البوابات، وشفافية معاييرها، وإمكان الدخول إليها من مسارات مختلفة، وقدرتها على تغيير حراسها.
لهذا لم يؤد ظهور الصحف الخاصة ثم مواقع الإنترنت إلى إلغاء العملية، بل إلى إعادة تشكيلها. الصحف الخاصة كسرت بعض احتكارات الصحافة التقليدية لكنها سرعان ما صنعت بدورها كتابها الدائمين وأصواتها المرجعية. والمنصات الرقمية خففت سلطة رئيس التحرير وأتاحت النشر المباشر، لكنها أنشأت وسيطا جديدا هو الخوارزمية. لم يعد الاعتراف يحتاج دائما إلى ختم مؤسسة قديمة؛ قد تصنعه أرقام المتابعة والمشاهدة والمشاركة. ولكن البنية الأساسية تظل متشابهة؛ تكرار الظهور يصنع الألفة، والألفة تولد الثقة، والثقة تجلب مزيدا من الظهور. وهكذا تنشأ كهانة رقمية قد تكون أصغر سنا وأكثر تمردا على المؤسسات القديمة، لكنها قادرة بدورها على تحويل الشهرة إلى سلطة معرفة عامة.
وتكشف المقارنة بين الكهانة القديمة والجديدة أن العمر ليس هو القضية الأساسية. يمكن لمؤسسة قديمة أن تكون شديدة الانفتاح على التجديد، كما يمكن لمنصة شابة أن تبني دائرة مغلقة حول أصواتها. المعيار الحقيقي هو قابلية الموقع للدوران والمراجعة. هل يسمح النظام الثقافي بأن تتغير أسماء المتحدثين والمحكمين والمحررين؟ هل توجد آليات لتجديد اللجان؟ هل تستطيع المؤسسات الكبيرة المخاطرة بأصوات لم يختبرها السوق بعد؟ هل يحصل القادم من خارج القاهرة على المسار نفسه نحو الاعتراف؟ هل يستطيع الخبير أن يظل محترما حين يقول هذا ليس تخصصي؟ وهل تستطيع المؤسسة أن تكرم تاريخ شخص ثم تنقد إنتاجه الراهن بلا حرج؟ في الإجابات عن هذه الأسئلة يظهر الفرق بين التقاليد الثقافية وبين الكهنوت.
المشكلة الأعمق إذن ليست أن بعض الأشخاص يستمرون عقودا، بل أن العملية قد تجعل الاستمرار نفسه مصدرا مستقلا للسلطة. حين يتكرر الاسم لأنه معروف، ويزداد التعرف عليه لأنه يتكرر، نكون أمام آلية ذاتية التغذية. وفي هذه الحالة تستطيع الثقافة أن تبدو شديدة النشاط من الخارج؛ مقالات يومية، مؤتمرات، ندوات، جوائز، معارض، برامج، احتفالات. لكن كثافة النشاط لا تعني بالضرورة اتساع قاعدة المشاركة. قد تكون الآلة في غاية الحركة بينما تدور حول مركز صغير نسبيا. وهذه مفارقة مهمة؛ يمكن أن يكون المجال مزدحما جدا وفي الوقت نفسه محدود التنوع في مصادر الشرعية.
وينعكس ذلك على الأجندة نفسها. المؤسسات لا تختار الأشخاص فقط؛ الأشخاص والمؤسسات معا يحددون ما يستحق أن يكون سؤالا عاما. فإذا تشكلت المرجعيات الكبرى في لحظة تاريخية معينة، فإن مفردات تلك اللحظة قد تستمر طويلا. الدولة والفوضى، الهوية والاغتراب، التنوير والظلام، الريادة والتراجع، الأصالة والحداثة، القوة الناعمة والدور الإقليمي. وهي ثنائيات مهمة بالفعل، لكن استمرارها في مركز الخطاب قد يزيح أسئلة نشأت من تحولات أحدث: الاقتصاد الرقمي، أنماط العمل الجديدة، تغير علاقة الشباب بالمؤسسة، البيئة، الذكاء الاصطناعي، الثقافة المنتجة خارج العاصمة، أو أشكال التنظيم الاجتماعي الجديدة. الكهانة هنا لا تمنع السؤال الجديد؛ قد تجعله فقط أقل قدرة على الوصول إلى المنصة الرئيسية.
كما أن العملية قادرة على تحويل الذاكرة من مورد إلى معيار للحاضر. فالخبرة الطويلة تمنح قدرة ثمينة على المقارنة، لكن حين تصبح خبرة الماضي هي اللغة الأساسية لقياس الحاضر، قد تتحول الأجيال الجديدة إلى موضوع دائم للتقويم لا إلى شريك في تعريف المعايير. تتكرر عندئذ سرديات من نوع تراجع الذوق، واختفاء المثقف، وزمن الكبار، وفقدان الريادة، وقد يكون في بعضها قدر من الحقيقة، لكنها تصبح جزءا من طقس تعيد به المؤسسة تأكيد مركزها. الماضي الذي صنعت فيه أسماءها يصبح هو المقياس الذي تحاكم به الحاضر الذي لم يصنع أسماءه بعد. وهنا تؤدي الكهانة وظيفة محافظة حتى حين يكون خطابها المعلن حداثيا أو تنويريا.
ومع ذلك لا ينبغي أن تقودنا هذه القراءة إلى عداء ساذج للمؤسسة. فالثقافة لا تُبنى بالموهبة الفردية وحدها. أي كتابة تحتاج إلى بنية تنشرها وتحفظها وتناقشها، وأي معرفة تحتاج إلى مؤسسات تحققها وتراكمها. لذلك فالسؤال الأفضل ليس كيف نهدم كهانة الثقافة، بل كيف نمنع عملية إنتاج الشرعية من التحول إلى احتكار للشرعية. المطلوب ليس مساواة مصطنعة بين كل الأصوات، وإنما تعدد مراكز الحكم على القيمة، وتدوير مواقع التقييم، وتوسيع قاعدة الاختيار جغرافيا وجيليا واجتماعيا، والفصل ما أمكن بين من يمنح الاعتراف ومن يستفيد منه، وفتح مساحات منتظمة لا تجريبية فقط للأصوات التي لم تصبح معروفة بعد.
وتكمن مضار الكهنوت الثقافي حين تنغلق هذه العملية في خمسة اتجاهات مترابطة. فهو أولا يجمد الأجندة حين تستمر الأسئلة والمفردات نفسها لأنها مرتبطة بمراكز شرعية ثابتة. وهو ثانيا يجعل الاسم أحيانا بديلا عن إعادة تقييم النص، فتتراكم حصانة رمزية حول أصحاب المكانة والمؤسسات التي قدمتهم. وهو ثالثا يضيق مسارات الصعود، لأن القادم الجديد لا ينافس عملا بعمل فقط بل ينافس تاريخا من الاعترافات المتشابكة. وهو رابعا يشجع تعميم الخبرة، فيدفع المجال أسماءه المعروفة إلى الكلام خارج حدود اختصاصها لأن المؤسسة تحتاج الاسم بقدر حاجتها إلى المعرفة. وهو خامسا يضعف قدرة الثقافة على تمثيل تنوع المجتمع، لأن مركزية العاصمة والطبقة والتعليم والشبكات المهنية قد تجعل من يتحدثون باسم المجتمع أقل تنوعا من المجتمع الذي يتحدثون عنه.
الخطر الأكبر ليس أن يكون للكهانة كهنة، بل أن تنجح العملية إلى درجة تختفي معها طبيعتها المصنوعة. حين يبدو أن بعض الأصوات كبيرة بطبيعتها، ننسى سلسلة الجامعات والصحف والمجالس والجوائز ودور النشر والبرامج والمؤتمرات التي حولت الكفاءة أو الحضور الأول إلى مكانة راسخة. وعندما يُنظر إلى هذه المكانة باعتبارها نتيجة طبيعية خالصة، يصبح نقد توزيع المنصات كأنه حسد للأفراد، مع أن موضوع النقد الحقيقي هو طريقة عمل النظام. لذلك تظل استعارة الكهانة مفيدة فقط إذا أعادت النظر إلى العملية: من يختار؟ من يكرر؟ من يكرم؟ من يمنح المنصة؟ كيف يتحول الاعتراف المؤقت إلى امتياز طويل؟ وكيف يمكن إبقاء الخبرة في المركز من دون أن يصبح المركز مغلقا؟
الثقافة المصرية في حاجة إلى المؤسسات القوية لا إلى إضعافها، وإلى الذاكرة لا إلى القطيعة، وإلى أصحاب الخبرة لا إلى عبادة الجدة لمجرد أنها جديدة. لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى أن تظل شرعيتها قابلة للتجدد. المؤسسة الصحية هي التي تنتج مرجعيات ثم تسمح بمراجعتها، وتحفظ الكبار من النسيان لا من النقد، وتستخدم تراكمها لفتح الطريق لا لإغلاقه، وتفهم أن وظيفتها ليست أن تقول للمجتمع من يحق له الكلام إلى الأبد، بل أن توسع باستمرار شروط المشاركة الجادة في الكلام. عند هذه النقطة فقط تتحول الكهانة من جهاز لحراسة المركز إلى عملية لبناء مجال ثقافي حي. ذاكرة بلا عبادة، وخبرة بلا وصاية، وتقاليد بلا جمود، ومؤسسات قادرة على صناعة القيمة من غير أن تحتكر تعريفها.
وبهذا، فإن ما جرى تناوله هنا لم يكن محاولة لحصر كهنة الثقافة أو إصدار حكم على أشخاص بعينهم، بقدر ما كان سعيا إلى تفكيك عملية الكهانة الثقافية ذاتها. كيف تنشأ، وكيف تُنتج الشرعية، وكيف تتحول بعض المؤسسات إلى بوابات للاعتراف، وكيف يعاد توزيع الانتباه والمكانة داخل المجال الثقافي بما يسمح باستمرار أنماط بعينها من الحضور والتأثير. أما الخطوة التالية، فتنتقل من تحليل العملية إلى تحليل الفاعلين داخلها؛ أي الوقوف على أسماء الكهنة أنفسهم، وتتبع الكيفية التي تمترسوا بها خلف مؤسسات بعينها، وكيف راكموا حضورهم عبر الصحافة والجامعة والمراكز البحثية والمجالس الثقافية والجوائز ودور النشر والندوات والفضائيات والمنصات الرقمية. فالمقصود عندئذ لن يكون مجرد التعرف إلى من يكتب أو يتحدث أكثر، وإنما الكشف عن الشبكات والوسائط التي تجعل بعض الأسماء قادرة على الانتقال من مؤسسة إلى أخرى، ومن منبر إلى آخر، بحيث تتحول مع الزمن من أصحاب آراء إلى مراجع ثقافية دائمة الحضور، ومن أفراد داخل المجال الثقافي إلى مراكز لإنتاج الشرعية وإعادة توزيعها.
……………………..
*أستاذ علم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة عين شمس










