من نصنعهم نجوماً يصنعون مستقبل أجيالنا (رؤية سوسيو – ثقافية نقدية)

د. حسام الدين فياض

د. حسام الدين فياض*

 ”  كل تكريم يمنحه المجتمع هو إعلان غير مباشر عن نوع المستقبل الذي يريده لأبنائه، فالقيم التي يرفعها إلى القمة اليوم هي ذاتها التي ستقود وعي الأجيال الصاعدة، وترسم ملامح حضارته غداً ” (الكاتب).

تشكل الشخصيات التي يمنحها المجتمع مكانة التقدير والاحترام مرآة صادقة لمنظومته الثقافية واتجاهه الحضاري، لأنها تعكس القيم التي يختار ترسيخها في وعي أفراده والأجيال القادمة. فالتقدير الاجتماعي ليس فعلاً عفوياً أو مجرد استجابة للإعجاب، بل هو آلية ثقافية تعلن من خلالها الجماعة ما تعتبره جديراً بالاقتداء والاتباع.

لذلك فإن دراسة الشخصيات التي تتصدر المشهد العام تكشف كثيراً من ملامح البناء الثقافي للمجتمع، وتوضح طبيعة الأولويات التي تحكمه. فإذا كانت المكانة تمنح لأصحاب الفكر، والعلم، والإبداع، والنزاهة، فإن ذلك يعكس مجتمعاً يستثمر في رأس ماله الثقافي ويؤسس لمستقبل أكثر استقراراً ورقياً. أما إذا انتقلت هذه المكانة إلى أصحاب النفوذ الفارغ، أو الشهرة العابرة، أو الإثارة الإعلامية، فإن المجتمع يكون قد بدأ في إعادة صياغة منظومة قيمه على أسس هشة، الأمر الذي يمثل مؤشراً مبكراً على بداية التراجع الحضاري والانحطاط الثقافي.

وحسب دراسات علم الاجتماع الثقافي المعاصرة، لا يبدأ الانحطاط الثقافي بانهيار المؤسسات الكبرى، وإنما يبدأ بتغير المعايير التي تحدد من يستحق المكانة والاحترام داخل المجتمع. فعندما تتراجع قيمة المعرفة أمام جاذبية الاستعراض، ويهمش أصحاب الكفاءة لحساب أصحاب العلاقات والمصالح، وتصبح الشهرة بديلاً عن الإنجاز، فإن المجتمع يدخل في مرحلة من الاضطراب القيمي يعيد خلالها تعريف النجاح بصورة مشوهة.

وهنا تتجلى أخطر مظاهر الانحطاط الثقافي، إذ تنشأ الأجيال الجديدة وهي تعتقد أن المكانة الاجتماعية لا تكتسب بالعطاء أو الإبداع أو المسؤولية، بل بالقدرة على لفت الانتباه وتحقيق المكاسب السريعة.        ومع تكرار هذه الأنماط تتراجع المكانة الرمزية للعلم، ويضعف تأثير المثقف الحقيقي، وتتقلص قيمة العمل المنتج، بينما تتسع دائرة النماذج التي تستهلك الوعي أكثر مما تبنيه. وبهذا يصبح الانحدار الثقافي عملية اجتماعية متراكمة، تعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل، حتى تتحول إلى جزء من الوعي الجمعي يصعب الانفكاك عنه.

إن مستقبل المجتمعات يصنع قبل كل شيء داخل منظومة القيم التي تحدد من يستحق أن يكون قدوة ورمزاً في الوعي العام. فالمجتمع الذي يكرم أصحاب الضمير والعلم والإبداع يبعث برسالة واضحة مفادها أن التقدم يبدأ من العقل، وأن الحضارة تبنى بالمعرفة والعمل والمسؤولية. أما المجتمع الذي يخلط بين الشهرة والقيمة، وبين الحضور الإعلامي والاستحقاق، فإنه يفقد تدريجياً بوصلته الثقافية، لأن القدوات التي يصنعها اليوم ستصبح المرجعية التي تشكل طموحات الأجيال في المستقبل.

 ولهذا فإن مواجهة الانحطاط الثقافي لا تبدأ بإدانة نتائجه، بل بإصلاح معايير التقدير الاجتماعي، وإعادة الاعتبار للنخب العلمية والفكرية، وترسيخ ثقافة تكافئ الإنجاز الحقيقي لا الضجيج، وتحتفي بمن يضيف إلى وعي المجتمع لا بمن يستثمر في تسطيحه. فحين ترتقي معايير التكريم، يرتقي معها الوعي الجمعي، وتستعيد الثقافة دورها في بناء الإنسان وصناعة الحضارة.

خلاصة القول، إن استعادة العافية الثقافية لا تبدأ بإقصاء أشخاص أو استبدال أسماء بأخرى، بل ببناء وعي جمعي يمتلك القدرة على مراجعة معاييره باستمرار، وعلى مساءلة كل قيمة قبل تحويلها إلى نموذج يحتذى. فالمجتمعات الحية هي التي تعلم أبناءها أن الاحترام مسؤولية تكتسب بالعطاء، وأن المكانة تبنى بالأثر لا بالضجيج، وأن القيمة الحقيقية لأي إنسان تقاس بما يضيفه إلى حياة الآخرين وإلى مستقبل مجتمعه. لذلك، اجعلوا من التربية، والقراءة، والنقد الواعي، والذائقة الثقافية الرفيعة، أدوات يومية لإعادة تشكيل الوعي العام، لأن نهضة الأمم لا تبدأ من وفرة الموارد، بل من جودة المعايير التي تحكم أحكامها واختياراتها.

 وحين يصبح المجتمع قادراً على التمييز بين القيمة الحقيقية والقيمة المصطنعة، فإنه لا يستعيد ثقافته فحسب، بل يؤسس لحضارة أكثر رسوخاً وعدالة وقدرة على صناعة المستقبل. ولا يتحقق هذا التمييز بالانطباعات أو بالدعاية أو بالشهرة العابرة، وإنما بمنظومة من المعايير الموضوعية التي تجعل الإنجاز مقدماً على الولاء، والكفاءة متفوقة على النفوذ، والأثر المجتمعي أسبق من الصورة الإعلامية. فالمجتمعات الناضجة لا تقيس قيمة الأفراد بما يمتلكونه من سلطة أو حضور، بل بما يتركونه من معرفة، وما يحققونه من منفعة عامة، وما يرسخونه من قيم أخلاقية ومؤسساتية قابلة للاستمرار. وعندما تصبح هذه المعايير جزءاً من الوعي الجمعي، يفقد التزييف قدرته على صناعة الرموز، ويتراجع تأثير الامتيازات المصطنعة أمام الاعتراف المستند إلى الجدارة. وعندئذ يتحول التكريم من مجرد فعل احتفالي إلى آلية اجتماعية لإعادة إنتاج القيم الأصيلة، وتغدو الذاكرة الجمعية أكثر قدرة على فرز النماذج الجديرة بالاقتداء من تلك التي صنعتها السلطة أو المال أو الدعاية، وبذلك يترسخ نظام رمزي يكافئ الاستحقاق، ويؤسس لمسار حضاري يجعل من الكفاءة والإنجاز معياراً للارتقاء الاجتماعي، لا الولاء أو المصالح العابرة.

…………………..

* باحث وأكاديمي سوري الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع