أ.د. صالح سليمان عبدالعظيم
يصعب تناول تجربة المفكر الأمريكي جون لويس إسبوزيتو John Louis Espositoبوصفها مجرد مسار أكاديمي لباحث غربي تخصص في الإسلام؛ فقد تجاوز أثره حدود التأليف الجامعي التقليدي ليصبح أحد أبرز من تدخلوا في تشكيل صورة الإسلام داخل الجامعات ووسائل الإعلام ومؤسسات صنع القرار في الغرب. وقد اكتسب الحديث عن إرثه دلالة خاصة بعد رحيله في مدينة فيلادلفيا في 15 يوليو 2026 عن ستة وثمانين عاما، إثر مضاعفات جراحة في القلب، تاركا وراءه أكثر من خمسة وخمسين كتابا، وعشرات الأعمال الموسوعية، ومؤسسات بحثية استمرت في إنتاج المعرفة ومواجهة الإسلاموفوبيا. ولذلك لا تبدو قيمة إسبوزيتو محصورة في الأفكار التي صاغها، بل في المجال الفكري والمؤسسي الذي أنشأه، وفي الأجيال التي درّسها وأشرف عليها وفتح أمامها مساحات لم تكن قائمة من قبل داخل الأكاديميا الغربية.
ولد جون لويس إسبوزيتو عام 1940 في بروكلين بنيويورك داخل بيئة إيطالية أمريكية كاثوليكية شديدة المحافظة. وكان أول فرد في أسرته يصل إلى التعليم الجامعي، وقد التحق منذ الرابعة عشرة بالرهبنة الفرنسيسكانية الكبوشية استعدادا لأن يصبح قسيسا، وظل داخل الدير حتى الرابعة والعشرين. حصل بعد ذلك على درجة الماجستير في اللاهوت من جامعة سانت جون، ثم اتجه إلى جامعة تمبل لدراسة الدكتوراه، وكان يعتزم في البداية التخصص في المسيحية الكاثوليكية. غير أن نظام قسم الأديان في تمبل كان يفرض على طلابه دراسة أحد الأديان العالمية بوصفه تخصصا رئيسا ودينين آخرين بوصفهما تخصصين فرعيين. هناك التقى أستاذ الدراسات الإسلامية إسماعيل راجي الفاروقي، فاكتشف الإسلام لا باعتباره خصما تاريخيا للمسيحية، بل دينا إبراهيميا حيا، متعدد المجتمعات والتجارب، يمتد من غرب أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا. أتم إسبوزيتو الدكتوراه عام 1974، وتحول الإسلام من مادة دراسية طارئة في حياته إلى مشروع فكري استغرق أكثر من نصف قرن.
كانت هذه النشأة الكاثوليكية ذات أثر عميق في طريقته في فهم الإسلام. فهو لم يأت إليه من خلفية إلحادية ترى الدين بقايا من الماضي، ولا من خلفية استشراقية تتعامل معه باعتباره موضوعا غريبا قابلا للتشريح من الخارج، بل جاء من تجربة دينية عرفت هي الأخرى أزمات الإصلاح والتحديث والصراع بين النص والتاريخ، وبين السلطة الدينية والتعددية الحديثة. وقد تزامن تكوينه مع المجمع الفاتيكاني الثاني، وحركة الحقوق المدنية، وحرب فيتنام، واتساع الحوار المسيحي مع الأديان الأخرى. ولهذا استطاع أن يرى في قضايا الإصلاح الإسلامي والديمقراطية وحقوق المرأة والتعددية مشكلات تاريخية مركبة، لا علامات على جوهر إسلامي ثابت عاجز عن التغير. وقد أشار زملاؤه بعد رحيله إلى أن خلفيته الإيطالية الأمريكية وكاثوليكيته ساعدتاه على تفسير الإسلام بتعاطف، ولكن من دون التخلي الكامل عن النقد.
ظهر مشروعه الفكري بوضوح في كتابه “أصوات الإسلام المتجدد “Voices of Resurgent Islam الصادر عام 1983، الذي حاول فيه فهم الصحوة الإسلامية من خلال أصوات الفاعلين المسلمين أنفسهم، بدل اختزالها في مصطلح “الأصولية” المشحون بالخوف. ثم جاء كتاب “الإسلام والسياسةIslam and Politics ” عام 1984 ليؤكد أن علاقة الدين بالسياسة في المجتمعات الإسلامية لا يمكن تفسيرها بنموذج واحد، وأن الحركات الإسلامية تتشكل داخل سياقات وطنية واجتماعية واقتصادية متباينة. وقد كان الكتاب من أوائل الأعمال الإنجليزية التي درست الإسلام السياسي المعاصر من المغرب وشمال أفريقيا إلى إيران وباكستان وجنوب شرق آسيا، من دون افتراض أن كل عودة إلى الإسلام مقدمة حتمية للعنف.
وفي كتاب “الإسلام: الطريق المستقيم Islam: The Straight Path” الصادر عام 1988 قدم إسبوزيتو أحد أكثر الكتب التمهيدية انتشارا في الجامعات الغربية. بدأ الكتاب بالسيرة النبوية والقرآن والعقائد والشعائر والفقه والتصوف، لكنه خصص مساحة واسعة غير معتادة للإصلاح الإسلامي والاستعمار والدولة الحديثة والحركات الدينية والقضايا السياسية المعاصرة. ولم تكن أهمية الكتاب في تقديم اكتشاف نظري جديد بقدر ما كانت في كسر الصيغة التي تحبس الإسلام في العصور الوسطى. فقد أصر على أن الإسلام ليس أثرا تاريخيا انتهى، بل دين عالمي يعيش أتباعه صراعات الحداثة والهوية والسلطة مثل أتباع الأديان الأخرى. ولذلك أصبح الكتاب مقررا في برامج الأديان والتاريخ والسياسة والأنثروبولوجيا، كما استخدمته جماعات كنسية تسعى إلى التعرف إلى الإسلام بعيدا عن الصور الإعلامية.
أما كتابه الأكثر صداما مع التصورات الغربية السائدة فهو “التهديد الإسلامي: أسطورة أم حقيقة؟ The Islamic Threat: Myth or Reality? ” الصادر عام 1992. لم ينف إسبوزيتو في هذا الكتاب وجود حركات متطرفة أو أنظمة تستخدم الدين لتبرير القمع، لكنه رفض الانتقال من وجود هذه الظواهر إلى القول بوجود “إسلام” واحد يهدد الغرب. وقد ميز بين التدين، والإحياء الإسلامي، والمشاركة السياسية، والثورة، والتشدد، والإرهاب، مؤكدا أن الخلط بينها ليس خطأ معرفيا بريئا، بل قد يتحول إلى أساس لسياسات خارجية تدعم الاستبداد وتغذي المظالم التي تنتج التطرف. كانت أطروحته أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الإسلام بوصفه عقيدة، وإنما في تفاعل الاستبداد والتدخل الخارجي والأزمات الاقتصادية والصراعات الاجتماعية مع قراءات دينية متشددة.
واصل إسبوزيتو هذا المسار في كتاب “الإسلام والديمقراطية Islam and Democracy” الصادر عام 1996 بالاشتراك مع جون أو. فول، حيث رفض السؤال التبسيطي: هل الإسلام متوافق أو غير متوافق مع الديمقراطية؟ ورأى أن الأديان لا تنتج نمطا سياسيا واحدا بصورة آلية، وأن مفاهيم مثل الشورى والإجماع والاجتهاد والمساواة الإنسانية يمكن أن تدخل في بناء تصورات إسلامية للديمقراطية، مثلما دخلت تفسيرات مسيحية متغيرة في بناء الديمقراطيات الغربية. ولم يدّع أن المجتمعات الإسلامية ديمقراطية بالضرورة، بل فرق بين إمكانات التراث الديني وبين أداء الأنظمة والحركات والمؤسسات. ثم عاد مع فول وتمارا سون إلى القضية نفسها في كتاب “الإسلام والديمقراطية بعد الربيع العربي Islam and Democracy after the Arab Spring ” الصادر عام 2016، ليبين أن فشل التحولات السياسية لا يثبت استحالة الديمقراطية دينيا، بل يكشف وزن الدولة العميقة والجيوش والتدخلات الإقليمية والانقسامات الاجتماعية.
وفي “صُنّاع الإسلام المعاصرMakers of Contemporary Islam ” الصادر عام 2001 مع جون فول، ركز على المفكرين والحركات التي حاولت إعادة تفسير الإسلام في مواجهة الاستعمار والدولة القومية والاقتصاد الحديث. ثم أصدر عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر كتاب “حرب غير مقدسة: الإرهاب باسم الإسلامUnholy War: Terror in the Name of Islam ” عام 2002، فشرح مفهوم الجهاد وتاريخه، وصعود تنظيم القاعدة، واستخدام النصوص الدينية في شرعنة العنف. واللافت أنه لم يقع في إنكار الصلة بين خطاب المتطرفين وبعض عناصر التراث، لكنه رفض اعتبار قراءتهم القراءة الوحيدة أو الطبيعية للإسلام، كما ربط انتشارها بالحروب والسياسات الدولية وقمع المعارضة وانهيار المجال السياسي.
وفي العام نفسه نشر “ما الذي ينبغي للجميع معرفته عن الإسلام What Everyone Needs to Know About Islam ” عام 2002، وهو كتاب صيغ في صورة أسئلة وأجوبة حول القرآن والنبي محمد والجهاد والشريعة والمرأة والديمقراطية والعلاقة بالمسيحية واليهودية. تكشف بساطة الكتاب عن إحدى نقاط قوة إسبوزيتو ونقاط ضعفه في الوقت نفسه؛ فقد كان قادرا على ترجمة المسائل المعقدة إلى لغة يفهمها القارئ العام، لكنه كان أحيانا يضغط الاختلافات التاريخية والمذهبية داخل إجابات قصيرة. ومع ذلك، لم يكن هدفه كتابة موسوعة تخصصية، وإنما التدخل في لحظة أصبحت فيها معرفة ملايين الغربيين بالإسلام تُصنع عبر نشرات الأخبار وصور الإرهاب.
وجاء كتاب “من يتحدث باسم الإسلام؟ ما الذي يفكر فيه مليار مسلم حقا Who Speaks for Islam? What a Billion Muslims Really Think ” الصادر عام 2007 بالاشتراك مع داليا مجاهد ليضيف بعدا إحصائيا إلى مشروعه. اعتمد الكتاب على بيانات مسوح جالوب في عشرات البلدان ذات الأغلبية المسلمة، واستبدل السؤال عما يقوله المتطرفون بسؤال عما يعتقده المسلمون العاديون. وأظهرت البيانات أن غالبية المسلمين تجمع بين الاعتزاز بالدين وتأييد مفاهيم الحكم الرشيد والعدالة والمشاركة السياسية، وأن الغضب من الغرب يرتبط غالبا بالسياسات والحروب والمعايير المزدوجة أكثر من ارتباطه بكراهية الحرية أو المسيحية. كانت قيمة الكتاب في أنه نقل المسلم من موضوع يتحدث الخبراء باسمه إلى فرد يمكن سؤالُه والاستماع إلى إجابته.
وفي “مستقبل الإسلامThe Future of Islam ” الصادر عام 2010 ناقش إمكانات الإصلاح الديني والسياسي، والتعددية، والمواطنة الإسلامية في الغرب، وصعود الإسلاموفوبيا. كما شارك إبراهيم كالن تحرير كتاب “الإسلاموفوبيا: تحدي التعددية في القرن الحادي والعشرينIslamophobia: The Challenge of Pluralism in the 21st Century ” عام 2011، قبل أن يؤسس في جامعة جورجتاون “مبادرة الجسرThe Bridge Initiative ” لرصد الإسلاموفوبيا وتحليل خطابها. وهنا انتقل إسبوزيتو من الدفاع عن الإسلام في الكتب إلى بناء جهاز بحثي يوثق إنتاج الخوف من المسلمين في الإعلام والسياسة والمؤسسات.
يتجلى الفرق بين إسبوزيتو وبرنارد لويس في المنهج قبل الموقف السياسي. كان لويس مؤرخا وفيلولوجيا واسع المعرفة بالتاريخ العثماني واللغات والنصوص، لكنه مال في كتاباته الموجهة إلى الجمهور وصناع السياسة إلى بناء سردية طويلة عن التنافس بين الإسلام والغرب. وفي مقاله “جذور الغضب الإسلامي The Roots of Muslim Rage ” عام 1990 استخدم عبارة “صدام الحضارات”، قبل أن يحولها صمويل هنتنجتون إلى أطروحة متكاملة عام 1993. ولذلك من الخطأ نسبة نظرية صدام الحضارات إلى لويس وحده، لكن من الصحيح أنه أسهم في تهيئة مناخها الفكري، وقدم التاريخ الإسلامي بوصفه تاريخ شعور بالخسارة أمام تفوق الغرب.
أما إسبوزيتو فلم ينطلق من سؤال: لماذا يكره الإسلام الغرب؟ بل من سؤال: من هم المسلمون، وما الفروق بينهم، وما السياقات التي تنتج مواقفهم؟ وبينما كان لويس يتحرك غالبا من التاريخ الإمبراطوري إلى تفسير الحاضر، كان إسبوزيتو يبدأ من المجتمعات والحركات والدول المعاصرة، ثم يعود إلى التاريخ والنصوص. وحيث رأى لويس في الإسلام والغرب كتلتين حضاريتين متقابلتين، أصر إسبوزيتو على أن كليهما فضاء داخلي متنوع؛ فالصراعات بين الدول الإسلامية، وبين الإسلاميين والعلمانيين، وبين السنة والشيعة، وبين الأنظمة وشعوبها، أكثر تعقيدا من أن تدخل في معادلة “الإسلام ضد الغرب”.
ومن هنا جاء ما يمكن تسميته هدم إسبوزيتو لأطروحة صدام الحضارات، وإن كان لفظ “الهدم” يحتاج إلى قدر من التحفظ. فهو لم يثبت أن الصدامات ذات الطابع الديني أو الثقافي مستحيلة، بل هدم الادعاء بأن الحضارة هي الوحدة الأساسية الثابتة التي تفسر الصراع العالمي. بين أن المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية تتجاوز الانتماءات الحضارية؛ فالدول الغربية تتحالف مع دول إسلامية ضد دول إسلامية أخرى، والحكومات المسلمة تتحالف مع قوى غربية ضد خصومها، كما أن المتطرفين في الجانبين يحتاج بعضهم إلى بعض لإثبات رواية الحرب الشاملة. والأخطر أن خطاب الصدام يمكن أن يصبح نبوءة تحقق نفسها: فعندما يعامل الغرب مليارا ونصف المليار مسلم بوصفهم كتلة معادية، فإنه يمنح المتطرفين الدليل الذي يحتاجونه للقول إن الحرب موجهة إلى الإسلام نفسه. وقد خلص إسبوزيتو إلى أن تهديدات المستقبل ستنشأ من “صدام المصالح” أكثر من صدام الحضارات، وأن تاريخ المسلمين والمسيحيين لم يكن صراعا متصلا، بل عرف أيضا الترجمة والتجارة والتأثير المتبادل والتعايش.
وقد تجسد مشروع بناء الجسر بين المسيحية والإسلام مؤسسيا عندما أنشئ في جامعة جورجتاون عام 1993 “مركز التفاهم الإسلامي المسيحي”، وتولى إسبوزيتو إدارته التأسيسية. لم يكن المركز مؤسسة وعظية تبحث عن مجاملات دينية، بل جمع بين الدراسات الإسلامية والعلاقات الدولية والسياسة والحوار الديني. وتمثلت مهمته المعلنة في بناء فهم متبادل بين العالم الإسلامي والغرب، وتحسين معرفة المجتمعات الغربية بالمسلمين الموجودين داخلها. ونظم المركز أكثر من ألف مؤتمر وندوة وورشة، واستضاف باحثين من عشرات الدول، وأصبح فضاء لإنتاج معرفة بديلة عن الخطاب الأمني والاستشراقي التقليدي.
يمكن، بناء على ذلك، الدفاع عن القول إن إسبوزيتو كان من أهم من شرحوا الإسلام للغرب في النصف الأخير من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. لكنه لم يكن بالضرورة أعمق المتخصصين في فقه اللغة أو المخطوطات أو التاريخ الإسلامي الوسيط، كما لم يقدم نظرية فلسفية كبرى تضاهي مشاريع مفكرين مثل ماكس فيبر أو ميشيل فوكو. كانت عبقريته في موضع آخر: في الجمع بين المعرفة الأكاديمية والقدرة على مخاطبة الجمهور، وبين الكتاب الجامعي والمقابلة التلفزيونية، وبين تفسير الإسلام وبناء المؤسسة التي تضمن استمرار هذا التفسير. وقد ظهر في لحظات الأزمات الكبرى، من الثورة الإيرانية وحرب الخليج إلى هجمات سبتمبر وصعود تنظيم داعش، ليقول للجمهور الغربي إن الفهم لا يعني التبرير، وإن نقد الإرهاب لا يستلزم تجريم دين كامل.
ومع ذلك، لا ينبغي تحويله إلى قديس أكاديمي معصوم. فقد اتهمه بعض خصومه بالتساهل مع الحركات الإسلامية وبالمبالغة في التفريق بين التيار العام والمتطرفين، كما رأى بعض الباحثين أنه كان متفائلا أكثر مما ينبغي بشأن قدرة الإسلاميين المشاركين في الانتخابات على قبول التداول الكامل للسلطة. وهناك بالفعل في بعض كتاباته ميل إلى تقديم التفسير الأكثر تصالحا حين تتعدد التأويلات الإسلامية. لكن كثيرا من الاتهامات الموجهة إليه صدرت عن دوائر سياسية تعاملت مع أي تمييز بين الإسلام والإرهاب باعتباره تبريرا للإسلاميين. والنقد الأكثر جدية لمشروعه ليس أنه دافع عن الإسلام، بل أن حرصه على تصحيح الصورة الغربية جعله أحيانا أقل اهتماما بالنقد الداخلي العميق للبنى الدينية والسلطوية داخل المجتمعات المسلمة. وهذه حدود ينبغي إدراكها، لا ذريعة لإلغاء مشروعه.
أما وصف إسبوزيتو بأنه مدرسة فكرية فله ما يبرره. فقد أسهم في نقل الدراسات الإسلامية الغربية من التركيز شبه الحصري على النصوص والتاريخ القديم إلى دراسة الدين الحي والسياسة والمجتمع والرأي العام. وتعاون مع جون فول، وإيفون حداد، وتمارا سون، وداليا مجاهد، وإبراهيم كالن، وناتانا ديلونج-باس وغيرهم، من دون أن يكون جميع هؤلاء تلاميذ مباشرين له. والأدق الحديث عن شبكة واسعة من الباحثين الذين عملوا معه أو تأثروا بمنهجه. وتشير جامعة جورجتاون إلى أنه وجّه آلاف الطلاب وشارك في عشرات لجان الماجستير والدكتوراه، فضلا عن تأسيس المركز ومبادرة الجسر والإشراف على موسوعات أكسفورد الخاصة بالعالم الإسلامي. بهذا المعنى لم يترك أفكارا فقط، بل ترك بنية لإعادة إنتاجها ونقدها وتطويرها.
وقد يبدو غريبا أن يكرس مفكر كاثوليكي حياته لتصحيح صورة دين آخر في وقت كان فيه كثير من المسلمين أنفسهم عاجزين عن تقديم خطاب مقنع عنه. لكن المفارقة لا ينبغي صياغتها بالقول إن المسيحي دافع عن دين يعاديه الغربيون واليهود، لأن هذا التعميم يعيد إنتاج المنطق الحضاري نفسه الذي قاومه إسبوزيتو. الغرب ليس كتلة واحدة، واليهود ليسوا موقفا فكريا واحدا، كما أن المسلمين أنفسهم ليسوا جبهة موحدة في الدفاع عن الإسلام. المفارقة الأعمق أن باحثا نشأ داخل مؤسسة دينية كاثوليكية استطاع أن يرى في الإسلام تقليدا أخلاقيا وإنسانيا متعددا، بينما اختار بعض المثقفين المسلمين النظر إلى تراثهم بعين المستشرق العدائي أو الدفاع عنه بخطاب انفعالي غير قادر على إقناع الآخرين. لم يدافع إسبوزيتو عن الإسلام لأنه تحول إليه، بل لأنه رأى أن الأمانة العلمية والعدالة الأخلاقية تفرضان رفض محاكمة جماعة بشرية كاملة بأفعال أقليتها المتطرفة.
أما ضعف انتشاره النسبي في الأكاديميا العربية والإسلامية، فلا يعني أن اسمه أو بعض كتبه مجهولة تماما، بل يعني أن حضوره لم يتحول إلى برنامج بحثي أو مقررات مستقرة بمستوى تأثيره الغربي. ويرجع ذلك أولا إلى ضعف حركة الترجمة المنظمة؛ فقد ترجمت بعض أعماله بصورة متفرقة، لكن مشروعه الموسوعي الكامل لم ينقل إلى العربية ضمن خطة مؤسسية. وثانيا، لأن الأكاديميا العربية تميل إلى الفصل بين أقسام الشريعة التي قد ترى أعماله تبسيطية وغربية، وأقسام العلوم السياسية والاجتماع التي قد تتعامل مع الدين بوصفه عاملا ثانويا أو حساسا سياسيا. وهنا، وقع إسبوزيتو في الفراغ بين الحقلين.
ويرجع السبب الثالث إلى أن إدوارد سعيد كان أسهل استقبالا عربيا؛ فقد منح النخب العربية لغة قوية لمهاجمة الاستشراق، بينما طالبها إسبوزيتو بعمل أصعب: إنتاج معرفة تجريبية عن المجتمعات الإسلامية وتنوعها، لا الاكتفاء بفضح تحيزات الغرب. كما أن أسلوب إسبوزيتو الواضح والموجه إلى القارئ العام جعل بعض الأكاديميين العرب ينظرون إليه باعتباره كاتبا تعريفيا لا صاحب مشروع نظري، مع أن قدرته على تبسيط المعرفة كانت مصدر نفوذه الحقيقي. وإلى جانب ذلك، تعامل بعض الإسلاميين معه بوصفه “شاهدا غربيا منصفا”، فاقتبسوا عباراته للدفاع عن الإسلام من دون دراسة منهجه، بينما رفضه بعض العلمانيين باعتباره متعاطفا مع الإسلام السياسي. وبهذا جرى استهلاكه في السجال بدل إدخاله في البحث والتعليم.
يتطلب ضمان استمرار مشروعه عربيا ترجمة نقدية جديدة لأعماله الأساسية، بحيث ترفق بمقدمات تشرح سياقها وحدودها والتحولات التي طرأت عليها منذ صدورها. كما ينبغي إنشاء مساقات جامعية تقارن بين إسبوزيتو وبرنارد لويس وإدوارد سعيد ومارشال هودجسون، بدل تدريس كل واحد منهم بوصفه حقيقة منفصلة. ويمكن تأسيس وحدات بحثية عربية لدراسة صورة الإسلام في الإعلام العالمي، وإجراء مسوح للرأي العام تستكمل منهج كتاب “من يتحدث باسم الإسلام؟”، وإتاحة موسوعاته ومقالاته رقميا بالعربية. والأهم هو تدريب باحثين قادرين على مخاطبة الغرب بلغاته ومناهجه ومؤسساته، لأن الدفاع عن الإسلام داخل قاعة عربية مكتظة بالمقتنعين لا يغير صورته عالميا.
تتمثل القيمة النهائية لجون إسبوزيتو في أنه أدرك أن المعركة حول الإسلام ليست صراعا بين المديح والإدانة، وإنما صراع على من يملك حق تعريفه. وقد رفض أن يترك هذا الحق للإرهابي الذي يدعي تمثيل المسلمين، أو للمستشرق الذي يحول أربعة عشر قرنا إلى قصة عداء، أو للسياسي الذي يحتاج إلى عدو حضاري. أعاد الإسلام إلى تعدده الإنساني والتاريخي، وجعل المسلم فردا ومواطنا وفاعلا اجتماعيا، لا مجرد نموذج أمني أو بقايا حضارة غاضبة. ولهذا ستظل قيمته أكبر من قيمة كتاب منفرد أو موقف سياسي عابر؛ فهو لم يقدم تفسيرا آخر للإسلام فحسب، بل أسس تقليدا معرفيا يرى أن بناء الجسور ليس تنازلا عن النقد، وأن فهم الآخر ليس خيانة للذات، وأن أخطر الأكاذيب هي تلك التي تقسم العالم إلى حضارات مغلقة لا تستطيع أن ترى في بعضها إلا العدو.
……………………..
*أستاذ علم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة عين شمس










