شوقي عبد الحميد يحيى
الحياة شيء عجيب، ورغم مرور القرون، فلا يزال الإنسان يقف على عتبة الباب، يسأل: ما الموجود بالداخل؟ أهو خير أم شر؟ يسأل عن الطعام، وهو شيء أساسي للإنسان كي يعيش، ولكن الطعام نفسه قد يكون سببًا في الموت.. الموت؟
يعيش الإنسان الفرد في مجتمع تتحكم فيه قوانين وأعراف وعادات، لا يملك لها صدًّا ولا دفعًا، ولكنه يخضع لها. تُفرض عليه قوانين لم يشترك في صنعها، حتى لو عرف أسبابها، لكنه لا يملك إلا الخضوع لها. تأتي إليه القذائف التي لا يعرف من أين تأتي.. فيموت.
ليسأل: الديانات تقول إن هناك حياة بعد الموت، ولكن الجسد يفنى ويستحيل إلى تراب، فكيف تكون تلك الحياة؟ ولم يذهب إلى هناك أحد وعاد ليخبرنا ماذا رأى، لكنه الإنسان لا يملك للموت دفعًا ولا تأجيلًا. فيصبح الإنسان كالريشة تحملها الريح، فيطير معها، ولا يعرف أين تحط به، ولا يعرف أي شيء سيجده هناك، فهو لا يملك من أمره شيئًا.
يعيش الإنسان مثلما غيره من الكائنات، صغيرها وكبيرها، يعيش ولا يملك لنفسه شيئًا، ويموت لا يجد لنفسه دورًا. فيعيش الحياة، يأكل ويشرب مثل كل الكائنات، ويترك ما وراء ذلك للمجهول. وهذا ما يعيشه الإنسان العادي، غير أن المبدع ليس إنسانًا عاديًا، لكن السؤال يؤرقه ويضج مضجعه، فيترجم ذلك في إبداع، وليس في حياته سوى الحلم، الذي يستقي مادته من الحياة المعيشة، إلا أنه لا يخضع لقواعد ثابتة، فيعبر عن نفسه فيما يكتب، وربما لا تكون هناك رؤية محددة، لكنه -في النهاية- يصف الحياة التي لا يشعر تجاهها سوى اليأس والتساؤل.
وما نقرأه إلا ازديادًا في التأمل فيما نعيش، وهو ما حاوله بيتر ماهر الصغيران في مجموعته المسماة «جمهورية عمعم»، والتي يراها القارئ فلا يصل منها إلى شيء محدد، لتكون أول تساؤل يثير القارئ، فيدلف إلى قراءة القصص، فربما يصل منها إلى شيء، لكنه يجد أن «جمهورية عمعم» ليست سوى قصة من قصص المجموعة، تسير على نفس المنوال: الفرد في مواجهة قوة كبرى، لا يستطيع لها دفعًا، ولا يستطيع أن يحمي نفسه، فيراه مسوقًا إلى نهاية مأساوية، لا يلبث القارئ حيالها سوى الدهشة، وسوى النظر فيما حوله، ليجد نفسه مزروعة داخل هذا المجتمع.
ويجد تهويمات تمنح الإحساس قبل أن تمنح قصة محددة الأبعاد، وتنظر في وجود الإنسان، الذي يتماهى مع الطبيعة، فيبدو في أول قصة في المجموعة «أحلام الجغرافيا»، حيث يرى الراوي نفسه وقد تحول إلى خريطة تجمع اليابس والأخضر، ويتحول إلى أنهار، تلك التي هي الشيء الأساسي في وجود الإنسان والحيوان والنبات، ويمتد إلى الابن، ليعلن الكاتب رؤيته للرؤية الكافكاوية العبثية: {انتقلت الأحلام بالوراثة إلى ولدي الصغير، لقد أصبحت لديه جغرافيته الخاصة، أخبرني ذات مرة عن جغرافية الظلام!}.
حيث يصبح الظلام هو أول شيء يُخيف الابن الصغير، بل وتتكاثر الأشياء المخيفة للصغير: {هي أن تسير في شوارع ضيقة معتمة، في أماكن تأوي الفئران ومشاكسات القطط وعواء الكلاب}. وأيضًا يمتد الخوف إلى الزوجة: {في الأيام الأخيرة انتقلت عدوى الجغرافيا إلى زوجتي}. ويمتد الخوف والكابوس الجاثم على أنفاس الإنسان منذ الصغر وحتى الكبر، الإنسان كيفما هو، الكبير والصغير، الرجل والمرأة، الإنسان الذي لا يملك إلا الهروب داخل الأشياء الأبدية، والتي قد لا يعرف الإنسان المصري غيرها.
ويعود السارد إلى الوطن، إلى مصر، وكأنه يحلم بالهروب منها: {ثم جاء السؤال الأهم: أين يختفي؟ في عمق النيل أو داخل الأهرام؟ في الحقيقة لم نحدد الوجهة، فقد كان الاختباء هو الأهم}. وهكذا يتحول الحلم، أو الكابوس، إلى مصر، لينظر القارئ حوله، ويرى كيف تحولت الحياة في مصر إلى كابوس، فاستمد الكاتب حياته المصرية وما يجري فيها إلى… كابوس.
وفي ثانية القصص بالمجموعة «القطة والتابوت»، ينتقل الكاتب من الحالة العامة إلى الحالة الخاصة، حيث يستدعي العنوان فيها «القطة»، بما عُرف عنها من وداعة وسكينة، بينما «التابوت» يستدعي الموت، إلى أن السارد والزوجة اشتريا غسالة جديدة، وعند الاحتفال بها ألقت الزوجة الشعر، أي إنها رومانسية، وتلك خاصية مهمة توصف بها المرأة عند الخطبة، فتقول القصة: {ألقت قصيدة بالفصحى حول مأساتها في السنوات الماضية، ثم ضحكنا معًا، ولا أعرف لماذا تذكرت أيام الخطبة! كنت أراها وقتها مثل قطة شيراز، تمشي بكل زهو، أحببت فيها هذا الزهو عندما كانت الأحلام الوردية في عقولنا تنمو، لكنها ماتت بعد أقل من سنة من الزواج، كل تلك الأفكار تم استدعاؤها، جعلتني أنسى الشباك المطل على المنور مفتوحًا، مما أدى لدخول قط أسود!}.
فهكذا تحولت الأحلام الوردية عند الخطوبة إلى الكابوس الممثل في القط الأسود بعد أقل من سنة من الزواج. ويستقر القط الأسود، لتقول الزوجة إنه أخوها الذي مات، وجاء ليحتمي بأخته، لكن الكاتب يعود إلى الحياة الكابوسية التي تحيط بالإنسان، ليعلن الزوج: {لم لا تكون قطة محنطة منذ أيام قدماء المصريين؟ ألا تعرفين حكايات هوسهم بالقطط؟! فقد وجدوا الآلاف من القطط المحنطة}.
وأثمرت القطة السوداء عن العديد من القطط التي ولدتها القطة الأم، وضاعت بهجة الغسالة الجديدة. ومن الصورة العبثية، عبر الكاتب عن مشكلة أسرية تمتد إلى آلاف السنين، وتقلب حياة الأسرة من الرومانسية إلى مقبرة، أو تابوت تُدفن فيه تلك الرومانسية، بينما لا يعدم القارئ أن ينظر إلى توسيع الرؤية، والخروج من الوحدة الضيقة (الأسرة) إلى الوحدة الأوسع، والتي تتشكل من مجموع الأفراد والأسر.
في ثالث قصص المجموعة «دستور الأحد الماضي» -ويلاحظ هنا استخدام كلمة (الدستور) ليمنح (العادة) الاستمرارية والثبات-، حيث يستحضر الكاتب القطط للتعبير عما بداخله -كراو- مستخدمًا صيغة الحلم الذي يملك الحرية في التصور والتصوير. فإذا كان القط -أو القطة- هو الحيوان الأليف الذي اعتاد أن يعيش مع الإنسان داخل بيته، يأتنس كل منهما بالآخر، فإن لون القطة في المخيال الشعبي ارتبط بالتفاؤل والتشاؤم.
فبينما اعتاد أهل الأسرة على الذهاب إلى الكنيسة كل أحد: {منذ سنوات لم تغير العائلة دستورها، وهو الذهاب إلى الكنيسة، لحضور القداس كل يوم أحد}، فالاعتياد والسكون والتسليم هو ما يقود العائلة، غير أن شيئًا غير عادي، ولأول مرة، يحدث: {الأسبوع الماضي تغير الطقس لأول مرة، حيث كنا نستعد للذهاب، فمرت قطة سوداء من أمام والدي وهو يبدل ملابسه، مما جعله يشعر بالتشاؤم، فتشاءمنا جميعًا}.
ولنلحظ أن الاعتياد هنا كان بالذهاب إلى الكنيسة، التي تدعو للسلام والوئام وتسليم الأمور إلى الله يسيرها كما شاء، لكن تبدأ الحركة ويبدأ التحرك حين تهجم القطة على الوالد: {في الأسبوع التالي، كانت قطتنا العزيزة تتجول في أروقة البيت، بينما دعاها أبي حتى يداعبها كالمعتاد، فأمسك ذيلها، لتقفز القطة من مكانها، وتغرس مخالبها في يده}.
ومات بعدها الوالد، لتبدأ الحركة، وتصبح القطة المسالمة هي مبدأ التحرك، فتقترب الأم من الجنون، رغم أن الطب أكد أن الوفاة ليس لها علاقة بالقطة، وإنما كانت سكتة قلبية. ويظهر القصر دون سابق إنذار، ولينتبه القارئ إلى ما ترمي إليه القصة، حيث يُدهس الكثير من القطط، فتزداد شراسة، إلى أن يقوم السارد بدهس الجالس في القصر، فتعود القطط إلى سابق عهدها: {تراءت لي القطط وهي مبتسمة وسعيدة، ظهر بعضهم حولي واقتربوا مني، وظلوا يتمسحون بقدمي كأنها علامات الشكر، وأنا أفكر في مصيري القادم، والأسئلة أكثر.. على استعداد لما هو قادم، فكل شيء جائز}.
ولتقذف الكلمات الأخيرة بما يمكن أن يصيب السارد من متاهات يمكن أن يؤدي إليها قتل من بالقصر.
واستخدم الكاتب هذا الأسلوب الكافكاوي، الغرائبي، للوصول إلى الواقع، والتعبير عن شيء موجود بالفعل. ولتقول القصة إن العادة، والدين، الذي يدعو إلى الاستسلام، لن يؤديا إلى التغيير.
وتأتي قصة «سيرة القطط»، والتي لم يأتِ بالقصة تركيز على القطط، لكن العنوان يفرش وجوده على القصة بكاملها، حيث تتحدث القصة عن فاترينة للملابس، ألبسوها أقنعة النمور والقطط والأرانب. ليصبح هناك واحدة من النمور، واثنان من الجهة المقابلة للنمر (القطط والأرانب)، وتمر فتاة أمام الفاترينة، فيلفت انتباهها أن نمراً يجري وراء أرنب خطف جزرة صفراء وهرب. حيث يثير ذلك المشهد ما هو أبعد من تلك الصورة؛ فالقوي يجري وراء الضعيف، الذي سرق جزرة صفراء.
ثم نعلم أن حريقاً التهم كل صور الفنان، ولم يتبقَّ منها غير صورة فتاة الأسد الخمرية، والتي استطاع الفنان أن يعبر من خلالها عن لمس الفتاة للأسد. فنصبح أمام صورة جديدة: فتاة تلمس الأسد، وفتاة وليست ولداً، لتصبح القوة الممثلة في النمر تلين وتتخفف أمام الأنثى، التي تُثير الكثير من الغيرة -التي لم يقلها الكاتب-، فيتآمرن عليها ويطردنها من عند الفنان، الذي يثير الخيالات، ويتهمن الفتاة والفنان بالرذيلة، فيهربا، ويتزوج «المعلم» زيجة جديدة، ويكتب «المالك» قائمة جديدة بالأسعار.
فإن كانت القصة لا تحمل قصة بالمعنى المعروف عنها، والذي يعتمد على التجربة الشخصية، إلا أن الصيغة الكافكاوية أحالتها إلى صورة تحمل الكثير من الواقع المعاش، ليقرأها القارئ فتنطبع في ذهنه رؤية الواقع بصورة محفزة للخيال الذي يؤدي في النهاية إلى الفعل، حيث يتصور ما يمكن أن تشير إليه صورة القطط والأرانب، معتمدة على ما يمكن تسميته بالصورة الجمعية، أي التي تتحدث عن المجموع، وتساق إلى المجموع، فتحمل صورة عامة تحتوي على تعميق رؤية المجتمع، وهذا في حد ذاته رؤية الأدب عموماً.
وينتقل الكاتب في استخدام الزواحف، فيأتي بأشرسها «التمساح»، والذي يأتي الإنسان بجانبه كالنملة أمام الجمل، وهو من أشرس الزواحف، فيتحول من رسم على الـ«تي شيرت» في قصة «التمساح المعلق» إلى تمساح حقيقي لا يراه سوى السارد، بينما لا تراه الشرطة التي يتم استدعاؤها لإنقاذه، فتقوم الشرطة بتحويله إلى مستشفى العباسية. وأظن أن القصة ليست إلا ترجمة للواقع المعيش، خاصة عندما تقول القصة على لسان السارد: {لقد كبلني وأنا الذي كنت حراً في السابق}. لتحصر القارئ في الآن، مدعماً بحديث عن الزوجة التي تنظر في المرآة، فيراها السارد، فيقول عن التحول في سلوكها: {كل هذا اختلف، وكأنها إحدى آلهة اليونان المهزومين في معركة من معارك النفوذ والسلطة}. حيث إن استخدام النفوذ والسلطة يشير بالتأكيد إلى وجود الدافع الأرضي، البعيد عن الفنتازيا.
وإن كانت هذه القصة تعتبر من أطول القصص في المجموعة، فلأنها تناولت الوضع الواقعي بالحديث عن الزوجة، ومحاولة التمويه وقراءة القصة باستخدام الفانتازيا، فأجاد وخبأ الرؤية في سياق العمل، وأشار إليها بالكلمات الموحية.
كما يستخدم «التمساح» في قصة «جمهورية عمعم»، القصة التي منحت المجموعة اسمها، حيث يبدأ: {كان منظر التمساح وهو يأكل في حديقة الحيوان منظراً مؤثراً، حتى إنني أغمضت عيني، فقلبي لا يحتمل كل هذا}. فجاء التمساح كشيء فظيع لا يتحمل قلبه رؤيته وهو يأكل، في رؤية للوحدة، بينما الناس حوله كثير، لكنهم يُشبهون التماسيح، حيث يحكي له الصديق أنه رأى في المنام كائنات على شكل بشر برؤوس تماسيح، حتى إن سائق السيارة بذات المنظر، ورآهم على جنبات الطريق والأرصفة والسيارات والأتوبيسات.
وتترسب هذه الرؤية داخله، فاختفى الناس من حوله، وظنوه خطراً على وجودهم. ورغم أنه -السارد- يعرف {أن السريالية هي صور من أشياء مدمجة معاً في خيال وواقع}، وكأنه يؤكد لقارئه أن هذا ليس بخيال محض، ولا واقع محض، ولكنه أشبه بما يمكن أن يترجم القصة -والقصص عموماً-. حتى إنه عندما ركب أتوبيس النقل العام وجد كل من يركب فيه من الأشكال الجديدة، ورفض الكمساري أخذ ما يقدمه له كنقود بحجة أنها قديمة، وليزداد الشعور بالغربة، فرأى الكمساري جسداً إنسياً ورأس تمساح، ورأى ما يريه إياه ويطلب مثله، رأى شخصاً على العملة، فسأل: من هذا؟ ليجيبه الكمساري: «إنه رئيسنا الجديد عمعم!!».
ولم يستطع التعرف عليه، و{توقف الأتوبيس، وتحول السائق إلى قاضٍ، والجالسون على المقاعد إلى شهود}، ويقولون له: {أنت من بقايا النظام السابق}، وهو لا يعرف أي نظام سابق يقصدون. وليتحول سائق الأتوبيس والكمساري والركاب إلى شهود عليه. لنستحضر رواية ١٩٨٤ لـ جورج أورويل، حين تحول الشعب كله إلى مخبرين مؤيدين للحاكم، خوفاً ورعباً، لينطق الجميع: {نحن حراس عمعم، حكمنا عليك بالهلاك}.
التقنية القصصية
إذا كانت القصة القصيرة تعبر عن عربة في القطار، الذي تمثله الرواية، إلا أنه في الآونة الأخيرة بدأ تجاوز هذا المفهوم، حيث لم تعد القصة تمثل اللحظة بقدر ما تعني عدم تجاوز الموقف، وتحتفظ لنفسها بالتكثيف الذي تميزت به. حيث يمكن التغلب على مرور الزمن بعملية التقطيع، أي تقديم القصة بأرقام متتالية، بينما تظل نفس القضية قائمة.
ففي قصة «دستور الأحد الماضي» نرى القصة وقد تجاوزت الزمن المعروف في القصة القصيرة، ووصلت إلى الأسابيع والشهور، إلا أنها ظلت محتفظة بالرؤية الواحدة، والتي تبدأ بالاعتياد والركون إلى الدعة والاستنامة، وصولاً إلى تحقيق الفعل في النهاية، والخروج على تلك الحالة الاستسلامية.
فضلاً عن أن التحرك جاء من جانب القطط المسالمة، في كناية عن الشعب المستسلم للعادة، ولدعوة الدين إلى التسليم وترك الأمر لله، فكأنها تحذير من أن تتحول المسالمة والاستسلام إلى حركة قد تؤدي إلى ما لا تُحمد عقباه، لكن في النهاية فالشعب هو المنتصر.
وفي قصة العنوان «جمهورية عمعم» يمتد أيضاً الزمن، ليطول الحكم على شخص معين، وتتركز الصورة الذهنية في ذهن القارئ، التي تهدف إليها القصة، دون أن يخرج عنها، أو عن التركيز فيها، وكأن الكاتب ينقل ذلك التركيز إلى أعماق القارئ، فتحرك فيه الساكن، وتميت فيه الموات، فتظل القصة القصيرة حاضرة بروحها، لا بشكلها.
إلا أن القصة القصيرة تلعب فيها الكلمة الواحدة دوراً رئيساً بما تحمله من مكنون التداعيات، وكذلك فإن الطول الزائد قد يُخل بالتكثيف الذي تلعب عليه القصة القصيرة، مثلما نرى في قصة «أشعار الثور الملكي»، حيث نرى الزمن قد امتد كثيراً، دون أن تتحلى القصة بالتكثيف الأساسي في بنائها. فامتداد الزمن غير المضغوط يُشعر القارئ بطوله، فضلاً عن أن القصة تحولت إلى ما يشبه المسرح، حيث اعتمدت على الحوار كلية، فخرجت عن السرد الذي هو عماد القصة، فبدت الحكاية وكأنها تلخيص لرواية طويلة.
وهو ما نجده في الكثير من قصص المجموعة، مثل قصة «أحلام الكلب وربيع الميامة»، والتي نرى فيها أن الفنتازيا لم تساعد في تجاوز الزمن الفاصل بين الأب والأم.
ولجوء الكاتب إلى ما يسمى بـ«ق ق ج» أو القصة القصيرة جداً، والتي تخلو من القصة، وضمها في عنوان كبير مثل «ثعبان الجنة»، والتي تحتوي على الكثير من الأشياء مثل الشجرة، والثعبان، والرجل، والمرأة… إلخ، بينما لا يخرج القارئ منها بشيء، ولا حتى بالإحساس، مما أدى إلى وجود تنوع في النماذج المقدمة، الطويلة والقصيرة، ما يمكن الخروج منه بشيء، وما لا يمكن الخروج منه بشيء، الأمر الذي أدى إلى فقدان المجموعة للهوية الواحدة، حتى وإن كانت تلك الهوية تكمن في عجز الإنسان أمام القوة الجبارة، والداعية إلى التفكير والتأمل، والنظر فيما حوله.










