ساحة التحرير: تأملات في وحدة الإنسان المعاصر

ساحة التحرير

مؤمن عبد الباري

صدر حديثًا عن دار المرايا في القاهرة رواية «ساحة التحرير»، تأليف: أندريه بلاتنيك، وترجمة: محمد رمضان. وهي رواية من الأدب السلوفيني الحديث، ترصد عددًا من التحولات الثقافية والسياسية والاجتماعية في سلوفينيا.

في بعض الحالات تصبح الحكاية هي المنوط بها الفهم. الفهم عمومًا. فالرواية ليست سياسية عن سلوفينيا ما بعد الاشتراكية -الاستقلال-. السياسة هنا شرط خفي، لكنه حاضر في كل شيء. المؤلف يريد إظهارها عن طريق الممارسات والمؤسسات، وعن طريق اليومي، كالحب، والعمل، والموسيقى، والأسرة، وحتى المدينة نفسها.

لو ظهرت السياسة على الهامش، فتذكر أنها مخفية في ممارسات الاقتصاد والاجتماع، لكنها تحكم كل المشهد.

تبدأ الرواية من مظاهرة شعبية عام 1988 من أجل الاستقلال. لقاء بين شاب وفتاة هو النافذة لقراءة كل التغيرات التي حدثت في البلاد، في محاولة لصياغة سؤال: كيف ضاع الإنسان؟ وكيف تحول المجتمع الاشتراكي إلى سوق استهلاكية؟ وكيف تحول مفهوم الخلاص من مفهوم جماعي إلى خلاص فردي لا يتم؟ والأهم: هل ساعد استقلال الدولة في تحرر الفرد؟

الأسئلة هي الأساس. فمثلًا، في أعمال كونديرا كان السؤال الملح: كيف تدمر السلطة السياسية حرية الإنسان واختياراته؟ وكيف تقمع ذاكرته وتعيد تشكيله؟ هنا الأسئلة في حالة سيولة -كما عبر عنها زيجمونت باومان-: فماذا يحدث للإنسان عندما تختفي السلطة التقليدية التي كان يقاومها؟ وكيف يواجه السوق؟ وكيف يقف أمام فقدان المعنى واليقين؟

انهارت السرديات الكبرى. فإذا كانت الحرية قضية وجودية يحاول الإنسان الدفاع عنها، وتأكيد فرديته، ففي عالم رأسمالي سائل يصبح السؤال: ماذا يفعل الإنسان بحريته؟ وهل هي حرية حقيقية؟ تقوم السوق بذات القمع الذي مارسته النظم القديمة، لكن بطريقة مختلفة، يصعب الكشف عنها وتفكيكها. الصراع لم يعد بين الفرد والدولة، بل بين الفرد والعالم الجديد. والأصعب أن الفرد أصبح وحيدًا، وحيدًا على نحو مريع.

كيف فكك المؤلف أسئلته؟ السياق متشعب، لذا اعتمد على تكنيك اللوحات القصيرة. مثلًا، لوحة عن دور موسيقى البانك بوصفها تمردًا على الروك، ودور الأدب، وكيف كان الأدب الجاد مطلوبًا قبل أن ينزع إلى الشعبوية والتسطيح؛ ليلائم المرحلة الجديدة. ودور الملكية عندما تحولت من جريمة إلى مرتكز وأساس. ولوحة عن المدينة ومبانيها المهترئة التي غُطيت بواجهات إعلانية. ولوحة عن الكتابة المشوهة في عصر مشروط ومعقلن، وكيف تشوه قيود النشر النص، فيصبح مسخًا لا يعبر عن شخصية كاتبه. كل شيء محسوب ورشيد، لا تتعدى القيود، وإن أردت النجاة فاكتب إعلانات. وكيف تتحول الوطنية إلى سلعة ببيع شعارات عن سلوفينيا. وكيف أصبح رجال الأمس هم دعاة الديمقراطية. ولوحة عن وفاة أمه في دار الرعاية، وضبط الوقت، والترشيد في دفن أمه. كل شيء معقلن بطريقة جنونية. ولوحة عن الهاتف المحمول ودوره؛ مثلًا، كيف تحول السؤال من: «كيف الحال؟» إلى: «أين أنت؟». عصر السرعة، يا سادة.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع