عثمان بن شقرون
مقدمة:
يأتي كتاب المشاء الساخر (Le promeneur ironique) الذي نحن بصدد مراجعته كحلقة جوهرية وتتويج لمشروع بحثي متكامل صاغه المحلل النفساني الفرنسي فيليب لاكادي (Philippe Lacadée) عبر ثلاثية أدبية- نفسية فريدة من نوعها. فقد استهل لاكادي هذا المسار بكتابه الأول “سوء التفاهم لدى الطفل” (Le malentendu de l’enfant)، ثم مضى يعمق البحث في المسارات المتقاطعة للتمرد والصمت في مؤلفه الثاني “اليقظة والمنفى” (L’éveil et l’exil)، ليصل في عمله الثالث هذا إلى سبر أغوار التجربة الإبداعية للكاتب السويسري روبير فالزير.
ويستمد لاكادي أدواته في هذا التقصي من أرضية لاكانية صلبة؛ فهو عضو فاعل في المدرسة الأوروبية للتحليل النفسي (ECF) وفي الجمعية العالمية للتحليل النفسي، ويُعرف في الأوساط الثقافية باهتمامه العميق بالجسور الرابطة بين التحليل النفسي والأدب. إذ لا ينظر فليب لاكادي إلى الكتابة كترف جمالي، وإنما كآلية دفاعية وبنيوية يواجه بها المبدع ألمه الوجودي واغترابه الذاتي.
ومن هذا المنطلق، يطرح الكتاب تساؤلاً منهجياً حاداً: كيف يمكن للتحليل النفسي أن يقرأ كاتباً دون أن يحوله إلى مجرد حالة إكلينيكية؟ إن محاولة لاكادي هنا تتجاوز التنميط؛ فهي تسعى لإعادة التفكير في العلاقة بين النفس والكتابة من داخل النص لا من خارجه، متلمسةً ببراعة مناطق الرغبة والاغتراب. وهي ثيمات لا تكتفي ببعدها النفسي، بل تتقاطع بشكل مثير مع الأسئلة الوجودية والروحية حول حدود حرية الذات في مواجهة اغترابها وقلقها الكوني.
تتجلى براعة هذا العمل في الانتقال الحاسم من الحالة (Le Cas) إلى الذات (Le Sujet)؛ فلاكاديه يتجنب بوعي كامل فخ التحليل النفسي التطبيقي التقليدي الذي يختزل المبدع في مريض أو حالة إكلينيكية قابلة للتشخيص، أو حتى بوصفه عبقرية معزولة يُستعاد مسارها البيوغرافي. بدلاً من ذلك، يُعيد الاعتبار للكتابة بوصفها عملية ترميم للذات (Restauration du sujet) تتشكل في اللغة عبر آليات دقيقة من التخفيف والتقليص وإعادة توزيع الحضور. ويؤكد لاكاديه في كتابه أن مشروعه لا يندرج ضمن كتابة سيرة تاريخية لروبير فالزير، وإنما ضمن محاولة استجلاء الذات من داخل النصوص نفسها. فالنص هنا ليس مرآة لحياة خارجية، بل هو المكان الذي تتشكل فيه الحياة وتُعاد صياغتها.
منذ الصفحات الأولى، يتضح أن رهان لاكاديه لا يقوم على استخراج مضمون نفسي مخفي خلف النصوص، وإنما على الإصغاء المرهف لكيفية انتظامها. إن ما يشد اهتمامه ليس الحدث السردي، وإنما الإيقاع، وليس الحبكة، بل موضع الأنا داخل الجملة. هكذا تتحول القراءة إلى تتبع دقيق للاقتصاد الداخلي الذي يحكم الكتابة الفالزيرية، بوصفها أداة لإعادة بناء العالم الداخلي الذي تداعى تحت وطأة الواقع.
السخرية كتنظيم للتّماس مع العالم
يُعد تحليل ما يسميه لاكاديه “السخرية غير التهكمية” أحد المحاور المركزية في الكتاب. ويمكن تعريف “السخرية غير التهكمية” بوصفها آلية رمزية لتنظيم المسافة، لا تهدف إلى نفي الواقع أو فضحه، بل إلى إعادة ضبط علاقة الذات به دون انخراط اندماجي أو عداء دفاعي. إنها شكل من أشكال الاقتصاد الوجداني الذي يسمح للذات بأن تحافظ على تماسها بالعالم مع تقليص درجة التماهي معه. هذه السخرية لا تعمل كأداة تفكيك عدواني، ولا كموقف أخلاقي متعالٍ، بل كمسافة دقيقة تتيح للذات أن تبقى على تماس مع العالم دون أن تُستغرق فيه. إنها كما يصفها لاكاديه: «ضحكة خفية (Sous-rire) تُبقي العالم على مسافة محترمة، مما يسمح للذات بألا تغرق فيه» إن فالزير، في قراءة لاكاديه، لا يواجه الواقع ليهزمه، ولا يحتضنه ليذوب فيه؛ إنه يعيد صياغة المسافة التي تفصل بين “الأنا” والواقع.
هذه المسافة ليست حياداً بارداً، بل هي شكل من أشكال التنظيم الوجودي. فبدلاً من أن تنخرط الذات في “لعبة الامتلاء” والادعاء والتأكيد الصارخ، تميل إلى تخفيف حضورها وتقليص حجم مطالبها من العالم. تؤدي السخرية هنا وظيفة مزدوجة وحيوية. فهي تحمي الذات من التماهي الكامل مع القوالب الجاهزة، وفي الوقت نفسه تمنعها من الانغلاق الدفاعي أو العزلة المرضية؛ إنها “منطقة عبور، لا جداراً”. ومن منظور أعمق، فإن هذا “التقليص للذات”(Minimisation) والزهد في الحضور الطاغي، يحول السخرية عند فالزير إلى تمرين روحي في الحرية؛ حرية ألا يكون المرء “شيئاً” محدداً أو ملكاً لنظرة الآخرين. إنها سخرية تقترب من مفهوم “التخلي” الواعي، حيث تصبح المسافة مع العالم هي السبيل الوحيد للبقاء فيه بكرامة وحرية، بعيداً عن صخب الرغبات التملكية.
سيادة التفاصيل: الهامش كمركز جديد
يتوقف لاكاديه عند كثافة التفاصيل اليومية في نصوص فالزير، ويرى في هذا الاختيار ما هو أبعد من مجرد نزعة جمالية؛ إنها إعادة توزيع للمركزية السردية والوجودية. فالمعنى عند فالزير لا يُحتكر في الحدث الاستثنائي أو الدراما الصارخة، بل يُنثر بوعي في اللحظات العادية والمهملة؛ في نزهة قصيرة، أو مشهد عابر، أو ملحوظة بسيطة.
وفي هذا السياق، لا يستعيد لاكاديه حياة فالزير بوصفها تسلسلاً لأحداث كبرى أو محطات تاريخية فاصلة، بل يقرأ نصوصه كرواية للواقع نفسه. فالحياة لا تظهر هنا كسردٍ للوقائع، بل كطريقة في السكن داخل العالم: في المدينة، في الطريق، في الطبيعة، في الثلج. إنها سيرة تُكتب عبر الإيقاع لا عبر الحدث، وعبر الحضور الخفيف لا عبر البطولة. يمثل المشي هنا جزءًا لا يتجزأ من هذا الإيقاع اليومي والحياتي. فروبير فالزير يمشي كما يكتب، بخطوات هادئة، ومتأملة، دون ادعاء أو محاولة لاحتلال المكان، لكنه حاضر ويقظ. الحركة والجملة، والمشي والكتابة، يتشابكان في ممارسة متبادلة لإدارة المسافة مع العالم؛ كل خطوة، وكل عبارة، هي طريقة للحضور ضمن التفاصيل الصغيرة، دون الانغماس في الحدث الكبير أو ضجيج المراكز الكبرى.
بهذا المعنى، لا تظهر الكتابة الفالزيرية ككتابة “فقيرة درامياً”، وإنما هي غنية بطريقة مغايرة تماما. إنها تنقل ثقل التجربة إلى مناطق لم تكن تُعتبر تاريخياً جديرة بالاهتمام. وهنا تبرز القاعدة الذهبية التي يستخلصها لاكاديه: كلما صغر الموضوع، ازدادت كثافة اللغة المسلطة عليه. إن ما يبدو “تواضعاً” في المادة الخام للحكي، يتحول عبر فعل الكتابة إلى كثافة في المعالجة، وهو ما يسمح للذات بأن تجد لنفسها مكاناً آمناً بعيداً عن صخب المراكز الكبرى.
تقليص المساحة، تكثيف الحضور: فلسفة الحد الأدنى
يمنح لاكاديه اهتماماً خاصاً لتجربة “الكتابة المصغّرة” (Microgrammes) عند فالزير، ويرى فيها انعكاساً لشكل أعمق من “الاقتصاد النفسي”. فالخط المجهري الدقيق، وضيق الحيّز، والاقتصاد الشديد في الامتداد النصي، ليست مجرد ظواهر شكلية، وإنما هي علامات سيميائية على رغبة في إدارة الفائض. وفي هذا الانكماش، لا يرى لاكاديه نقصاً، بل إنجازاً يصفه بأن: «هذا “الصفر الجميل” ليس تعبيراً عن نقص في الكينونة، بل هو غزو لمكانٍ تنفلت فيه الذات من قبضة نظرة الآخر». والصفر هنا، في عمقه الوجودي، لا يعني الخواء أو العدم، بل يمثل “نقطة التوازن المطلقة”؛ تلك الدائرة المغلقة التي يكتفي فيها الكاتب بذاته صوناً لها من ضجيج التوقعات وتطفل العالم. فمن خلال جعل نفسه “صفراً”، يغدو فالزير غير قابل للكسر أو التصنيف، محققاً امتلاءً من نوع خاص لا يحتاج لاحتلال مساحات الآخرين. لذا، فإن النص الفالزيري، في قراءة لاكاديه، لا يسعى إلى التمدد أو احتلال الصفحة بـ “أنا” متضخمة؛ بل يختار الانكماش، كأنه يختبر إمكانية الوجود في “الحد الأدنى” المتاح.
لكن هذا الانكماش لا ينتج فراغاً، بل يؤدي إلى تركيز مذهل؛ فكل كلمة تبدو محمولة بوعي حاد بحدودها، ومسؤولة عن ثقلها الخاص. ومن خلال هذا الوعي بالضيق، تتشكل كتابة تتفادى الصخب دون أن تفقد كثافتها. ويشير لاكاديه هنا إلى أن هذا التقليص هو وسيلة نجاة، حيث: «الكتابة بقلم الرصاص هي بالنسبة لفالزير محاولة لتفكيك تيبّس اللغة لاستعادة سيولة همس اللالغة – (Lalangue) »، وهو الجانب الحي واللاواعي للغة، حيث تتحرك الأصوات والإيقاعات والهمسات قبل أن تتشكل الكلمات بمعناها المنطقي. بعبارة أخرى، إن فالزير لا يكتب الكلمات فقط، وإنما يتيح للغة أن تكون امتداداً للذات، لغة الشعور واللاوعي، تجعل الكتابة تجربة حية تتجاوز المعنى الظاهر. لقد كان فالزير يخلق بذلك “مكاناً للسكن” داخل اللغة؛ مكاناً حصيناً لا يمكن لأحد أن يقتحمه أو يصادره. إنه يمارس سيادته الخاصة في الحيز الضيق، تماماً كما هو “المشاء” الذي يمتلك الطريق بمجرد المرور فيه، فيستمتع بكليته دون أن يملك منه شبراً واحداً. إنها ملكية الوجود لا ملكية الحيازة.
الانسحاب والصمت: من الاستمرارية لا القطيعة
في تناوله لفترة إقامة فالزير الطويلة في المصحة وصمته اللاحق، يرفض لاكادي السقوط في القراءة المأساوية التقليدية التي تفصل بحدة بين مرحلتين: مرحلة الإبداع المتدفق ومرحلة الانطفاء المفاجئ. بدلاً من ذلك، يكشف لاكادي عن خيط استمرارية دقيق يربط بين ما كان يُبنى داخل النصوص من مسافة وتخفف (L’allègement)، وبين ما اتخذ لاحقاً شكل انسحاب واقعي ومادي. فالصمت هنا ليس موتاً للإبداع، بل هو وصول الكتابة إلى أقصى درجات صفائها، حيث لم يعد الكاتب بحاجة للحبر ليثبت وجوده، لأن الكتابة قد تحولت فعلياً إلى صيغة وجود. في هذا السياق، يكتسب الميكروغرام — بخطوطه المجهرية التي تقتصد في الحيز وتكثف المعنى— دلالة جسدية تتجاوز البلاغة؛ لقد كان فالزير يمارس على الورق تمريناً يومياً على التواري وتقليص الحضور. وحين انتقل إلى المصحة، لم يفعل ذلك انكساراً أو خضوعاً للمرض، بل نقل استراتيجية الميكروغرام من الحيز الورقي إلى الحيز الجسدي. لقد صار صمته هو الميكروغرام الأخير الذي كتبه بجسده، ممارسةً ماديةً للانسحاب الذي يضع حداً لتطفل نظرة الآخر. إن الصمت في المصحة ليس عَرَضاً طارئاً أو انحساراً للملكة الإبداعية، بل هو الامتداد الطبيعي لعملية التخفيف التي جعلت من جسد فالزير فضاءً حصيناً؛ وكأن هذا الصمت هو الشكل النهائي والمطلق للسيادة، حيث استحال على القلم أن يواصل فعل التحرر، فأصبح الجسد هو النص، وصار التواري هو أقصى درجات الحضور.
الأسلوب كصيغة للوجود: لا مسافة بين الحبر والحياة
تكمن القوة الجوهرية في كتاب لاكادي في رفضه القاطع للفصل التقليدي بين “الأسلوب” الأدبي و”الوجود” الإنساني. فالاختيارات الشكلية عند فالزير — من السخرية الخفيفة، والهامشية الموضوعية، إلى الاقتصاد اللغوي وتقليص المساحة النصية— لا تُقرأ هنا كخصائص تقنية أو مهارات بلاغية، بل بوصفها خياطة أسلوبية (Suture stylistique) تحمي الذات من التبعثر. يرى لاكادي أن الأسلوب هو الطريقة الوحيدة والممكنة للحضور عبر اللغة، بل هو الحصن الذي شيده الكاتب ليعيش فيه بسلام بعيداً عن صخب المراكز الكبرى؛ ففي حالة كاتب مثل فالزير، يتلاشى الفارق بين “كيف يكتب” وبين “كيف يحيا”، ليصبح الأسلوب هو “المسكن” الذي يتيح له التموضع في قلب العالم مع الحفاظ على مسافته الضرورية والآمنة منه.
يستحضر لاكادي هنا الظلال اللكانية للمقولة الكلاسيكية الشهيرة: “الأسلوب هو الإنسان ذاته” (Le style est l’homme même)؛ لكنه يزيحها عن معناها التقليدي ليجعل من الأسلوب تجلياً لـ “بنية الذات” في تعاملها الفريد مع “الرغبة” و”الفقد”. ففالزير لا يشيّد خطاباً متماسكاً يدّعي الامتلاك أو يهدف إلى إقناع الآخرين، بل يترك المعنى يتحرك في مساحات ضيقة لكنها مشحونة بذبذبات وجودية هائلة. إن الذات هنا لا تتقدم لتحتل المركز، بل تتراجع بوعي كي تتيح للعالم أن يظهر ويتجلى دون ضجيج “الأنا” المتضخمة. الأسلوب عند فالزير هو الأداة التي تحول “التقليص” من عجز إلى سيادة، ومن فقدان إلى امتلاء من نوع آخر؛ إنه فعل حرية بامتياز، حيث تتحول الجملة إلى “خيط نجاة” يربط الكاتب بالحياة في لحظات شعوره بالاغتراب المطلق، مما يجعل من أسلوبه “صيغة وجود” ترفض الانصياع للقوالب الجاهزة وتختار التواري كأقصى درجات الحضور.
ومع أن لاكادي يستند في طرحه إلى التقليد الفرويدي الراسخ الذي يُقرّ بأن الأديب يسبق المحلل النفسي في سبر أغوار النفس وتلمّس تموجات اللاوعي، إلا أن هذا الرهان يضعنا أمام تساؤل منهجي حاد: إلى أي حد يمكن لجماليات “الانسحاب” و”التخفف” الأسلوبي أن تحجب عنا ثقل المعاناة السريرية الواقعية التي كابدها الكاتب؟ إن رهان لاكادي على “السيادة المعرفية” للنص — كحصن منيع لا يصله عطب الواقع— قد يبدو في بعض الزوايا وكأنه ترحيل للمأساة من الجسد إلى الورق. فهل نكتفي بقراءة صمت فالزير كفعل سياديّ متعالٍ، أم أننا بهذا التفسير نغامر بخسارة الأثر الإنساني للفاجعة؟ إن القارئ مدعو هنا ألا يستسلم لهذا الانبهار بـ “كمال النص”، بل أن يظل يقظاً أمام ذلك التوتر الدائم بين حرية الذات في اللغة، وانكسارها البيولوجي والسريري الذي لا تملك اللغة – مهما بلغت سيادتها- أن تمحوه تماماً.
بين مِشط التحليل النفسي وتشريح اللغة: ساشا زيلبرفارب شريكاً
لا يقف فيليب لاكادي وحيداً في مواجهة سيرة “المشاء”، بل يختار أن يُشرك معه في بنيان الكتاب صوت ساشا زيلبرفارب- Sacha Zilberfarb، المترجم والباحث الذي يمتلك “الأذن الموسيقية” والخبرة اللغوية لتفكيك الروح الفالزيرية في لغتها الأم. إن منح لاكادي لزيلبرفارب مهمة صياغة “التقديم الختامي” (Postface)، يعكس اعترافاً بأن فهم فالزير يتطلب رؤية مزدوجة: نفسية وأسلوبية في آن واحد.
يرى زيلبرفارب أن النزهة عند فالزير ليست انتقالاً في المكان، بل هي “تضاعف لغوي” (Dédoublement) مستمر؛ فالزير لا يصف العالم، بل يبنيه ويهدمه في آن واحد عبر لعبة لغوية ماكرة. إنه يستخدم صيغ التأدب المفرطة والجمل الاعتراضية المعقدة لا تقديراً للغة الألمانية، بل ليفرغها من سلطتها ويحولها إلى سلاح يشهره في وجه زيف الواقع. هذا “الموجه” الختامي يمنح مقالنا بعداً جوهرياً: السخرية عند فالزير ليست مجرد موقف فكري، بل هي “نفي مُربّع”؛ كما يتجلى في شخصية “تومزاك” (من رواية النزهة) الذي يظهر ككائنٍ بلا وطن ولا سعادة، يجسد اللحظة التي تنكسر فيها بهجة المشي لتكشف عن فجوة العدم الكامنة خلف الكلمات. إنها رحلة تبدأ بضجيج اللقاءات وتنتهي بالصمت المطبق عند حافة البحيرة، حيث تعجز اللغة عن مواراة الحقيقة العارية. إن المشاء في نهاية المطاف، كما يقول زيلبرفارب، يظل “عدواً للعالم ولنفسه، غريباً عن هذا وذاك”.
خاتمة
تتجلى الأهمية القصوى لكتاب “المشاء الساخر” في قدرته على انتشال فالزير من فخ “التنميط الإكلينيكي” وإعادته إلى رحابة الذات المبدعة؛ فلاكادي لا يسقط القواعد على النصوص، بل يستجلي منها اقتصاداً وجودياً فريداً. وتكتسب هذه القراءة راهنيتها في مواجهة عصر الامتلاء الرقمي وصخب الحضور الطاغي، حيث تُستنزف الذات في الاستعراض الدائم تحت وطأة “نظرة الآخر” التقنية. في هذا الضجيج، يبرز فالزير كمنادٍ بـ “حق التواري”، مبيناً كيف يمكن لـ “التخفف” أن يكون قمة السيادة، وللصمت أن يكون أقصى درجات الحرية.
بهذا المعنى، يقدم لاكاديه مراجعة عميقة لإمكانية أن تكون الكتابة مكاناً لتنظيم العلاقة بالعالم، لا مجرد تعبير عنها أو انعكاس لها. إن فالزير، في ضوء هذه القراءة، ليس كاتب الهامش فحسب، بل هو بالدرجة الأولى “كاتب المسافة”؛ تلك المسافة الضرورية التي تحفظ للذات توازنها الهش، وتمنح اللغة قدرتها الفريدة على أن تكون فضاءً لـ “التخفف” لا للتراكم، ولـ “العبور” لا للاستقرار. ومع أن الطابع التأملي للعمل واعتماده المكثف على الجهاز المفاهيمي للتحليل النفسي قد يضع تحدياً أمام القارئ الأكاديمي الصرف، إلا أن هذه “الذاتية” هي ما يمنح التحليل حيويته، وهي ما يجعل من الكتاب دعوة مفتوحة لاكتشاف كيف يمكن لـ “التقليص” أن يكون قمة الحضور، وكيف يمكن للصمت والانسحاب أن يكونا أقصى درجات الحرية وامتلاك الذات.
















