سؤال الأصل والصورة والمصير!

abd alsalam farouk

عبد السلام فاروق

 إذا سئلت فى كمين أو على بوابة مطار من أنت؟ فربما أجبت بشكل تلقائي فلان الفلاني، أعمل فى مهنة كذا.. فماذا إذا سئل المصري فى كمين دولي، إن وُجد من أنت؟ فبم يجيب؟!

 هل يجيب أنا سليل الفراعنة كما اعتاد، ويغدو السؤال التلقائي التالي فماذا أضفت اليوم لهذا العالم؟ هل شيدت معابد ومسلات وأهرامات؟ هل تركت للقادمين بعدك تراثاً إنسانياً يبقي مئات السنين؟ ماذا أضفت للعلم أو الأدب أو الفن؟ وما موقعك بين الأمم؟ ثم السؤال الأخطر ما هويتك الثقافية المعاصرة؟ وهل ستجد لمثل هذا السؤال إجابة موحدة، أم إجابات شتي؟

 حقاً فلتسأل نفسك ماذا تعني كلمة “مصري” الآن؟ هل تعني أنك حفيد المصري القديم؟ أم ابن الحضارة العربية الإسلامية؟ أم ابن النيل والريف والقاهرة والأزهر والكنيسة؟ أم ابن عبد الناصر والسادات وأم كلثوم وعبد الحليم ونجيب محفوظ؟ أم كل هؤلاء مجتمعين؟ وهل يمكن أن تصبح كل هذه الهويات صحيحة في وقت واحد؟

الغريب أننا حين نتحدث عن الهوية نتصرف أحياناً كأنها بطاقة شخصية أو جواز سفر مغمد في جيوبنا، ثم نشهره عند اللزوم! والحقيقة أن الهوية ليست بطاقة، بل سؤال حائر تتغير إجابته على الدوام.. إنها ليست صورة فوتوغرافية ثابتة، وإنما صورة تتطور كلما تقدم بنا الزمن..

محلك سر..

يمكن تشبيه واقعنا اليوم بشخص يبدو فى كادر التصوير القريب يهرول، ثم تبتعد الكاميرا فإذا بنا نفاجأ به يجري فى المكان دون أن يتقدم خطوة واحدة.. ثم نندهش حين نتبين حقيقة الأمر..  نكتشف أن هذا الشخص مشدود من الخلف والأمام بنفس الدرجة وفى ذات الوقت..

 إن معضلتنا كمصريين أننا مقيدون باحترام الماضي إلى حد التقديس، ومشدودون لمستقبل نراه يطير أمامنا ويسبقنا دون أن نتمكن من اللحاق به.. وبين هاتين القوتين المتضادتين نقف محلك سر.. سؤال الهوية يمزق نسيجنا الثقافي دون أن نحسمه..

 الفريق الذي يقدس الماضي ليس آثماً على طول الخط، ففي حين يحولنا تقديس الماضي إلى كائنات متحفية جامدة، فإن الأمة التي تحتقر ماضيها تغدو كائناً بلا ذاكرة ولا ضمير ولا جذور… أما الأمة الحية فهي التي تعرف كيف تجعل الماضي ذاكرة لا قيداً، والحاضر عملاً لا شكوى، والمستقبل احتمالاً واقعياً لا وهماً من نسج الخيال.

الماضي ليس متهماً يراد له مدافعات ومرافعات.. والمشكلة في التراث ليست أنه قديم، وإنما فى اعتقاد البعض أن كل ما هو قديم صحيح، واعتقاد البعض الآخر أن كل ما هو حديث مرجح.. وكلاهما تفكير قاصر.. فالتراث ليس كتلة واحدة نتفق عليها؛ إنه كامن فى آلاف الكتب وعشرات القرون ومئات التجارب.. ثمة أفكار عظيمة وأخرى عقيمة، واجتهادات أصابت وأخرى أخطأت، وحياة بشرية كاملة بما فيها من عبقرية وضعف.. ولهذا فإن احترام التراث لا يعني تقديسه.. إنك حين تحترم أباك لا تصبح ملزماً بارتداء ملابسه نفسها، أو العمل في مهنته نفسها، أو تكرار أخطائه نفسها.. أنت تحترمه لأنك تعرف أنه كان مرحلة في وجودك، لكنك لا تتحول إلى نسخة منه.. وكذلك الأمم.

 ولهذا نسمع أمين الخولي يقول: “أول التجديد قتل القديم فهماً وبحثاً ودراسة”؛ ما يعني أن التجديد لا يبدأ بإحراق الماضي، بل بإخضاعه للفهم والنقد.. وأن حبل التجديد يتصل بآخر ما توصل إليه مَن سبقونا.. وتاريخنا التليد لا ينبغي أن  يتحول إلى صنم يعبد، وإنما كمرحلة تحترم.

هوية المغلوب!

تقرأ فى مقدمة “ابن خلدون” مقولة مثيرة للتأمل، إذ يقول: إن المغلوب مولع بالاقتداء بغالبه؛ في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده! وهي مقولة تفسر “عقدة الخواجة” عندنا..

 تلك المقولة ليست مدعاة للانغلاق والتقوقع، بل هي محاولة لفهم النفس البشرية فى نظر رائد علم الاجتماع الأول.. فالإنسان كثيراً ما يظن أن ما عند الآخر أفضل لمجرد أن الآخر أقوى؛  ومن هنا يبدأ التقليد الذي لا يكتفي باستيراد الآلة، بل يستورد معها طريقة التفكير والذوق وأحياناً حتى طريقة الحزن! نأخذ من الغرب التكنولوجيا، وهذا حسن.. نأخذ منه العلم، وهذا أعظم.. لكن المشكلة تبدأ حين نعتقد أن علينا استيراد شخصيتنا وهويتنا ضمن ما نستورد.. ليس عيباً أن تتعلم من الآخر ولو كان عدواً، العيب أن تتماهي فيه حتى تنسى حققيقتك.. وقد نهض الأوروبيون أنفسهم بفضل اقتدائهم بالحضارة الإسلامية التي فاقتهم تقدماً وعلماً آنذاك، لكنهم لم ينسوا هويتهم.

 مفارقة عجيبة لدي الإنسان الشرقي تكمن فى فهمه المغلوط أن التجديد والمحافظة نقيضان! مثل هذا الفهم ينبغي تصحيحه؛ يمكن للمرء أن يحترم التراث ويستخدم الذكاء الاصطناعي… قد يحب أم كلثوم ويستمع للموسيقى العالمية.. يقرأ الجاحظ ويستخدم الهاتف الذكي فى ذات الوقت، ما المشكلة؟! الحياة لا تتحرك بوتيرة آلية ثابتة…

أما أن يصبح الغرب عند بعضنا منبعاً لكل الشرور، ويغدو التراث لدي البعض الآخر مصدراً لكل النقائص، فهذه ليست معركة فكرية بهدف الوصول للحقيقة؛ بل حرب اتهامات عقيمة..

معايير الحكم السليم

 هناك ميزان لضبط المسألة الخلافية الأزلية بين المحافظة والمعاصرة، لا بد من إيجاده.. سمها معايير أو مقاييس أو فلاتر لتنقية الرأي من شوائب الانحياز والمبالغة والشطط..

 ثمة أربعة أسئلة تقف أمام الرأي لحسم صحته واعتداله: 1. هل يقبله العقل والمنطق؟ ليس المقصود عقلاً متعالياً يظن أنه يمتلك الحقيقة كاملة.. 2. هل تؤيده التجربة؟ فالآراء التي تبدو جميلة في الكتب قد تمسي كارثية فى الواقع.. 3. هل يخدم قيمة إنسانية رسختها الأديان؟ هل يزيد كرامة الإنسان وحريته وعدالته؟ أم يحوله إلى تابع للخوف والعادة؟ ثم يأتي السؤال الرابع: هل نتمسك بهذا الشيء لأنه نافع أو ضروري، أم لأننا نخشي تركه؟ وهنا تختلط الحكمة بالخوف البشري؛ فليس كل ما نتمسك به نحبه، وليس كل ما نرفضه نبغضه.. أحياناً نتمسك بشيء لأننا نخشى الفراغ الذي يتولد من غيابه!

نهاية المخاض

 المجتمع المصري عايش مخاضاً طويلاً مؤلماً على مدي بضعة عقود، وتبدلت أفكاره مراراً منذ ثورة يوليو ثم التأميم ثم الانفتاح والهجرة لدول النفط وتغير أنماط الاستهلاك والعمل والتعليم، كلها وغيرها من تحولات جوهرية تركت آثارها في الأسرة والطبقة الوسطى والقيم والعلاقات الاجتماعية ووضعتنا فى قلب سؤال الهوية.. والنتيجة أننا فى مخاض معاصر، كما كنا دائماً فى مخاض تاريخي.. فالهوية المصرية لم تكن يوماً شيئاً نقياً منعزلاً عن العالم،  بل كانت محور عبور وتفاعل: فرعونية، ثم هلِنستية، ثم رومانية، ثم قبطية، ثم عربية إسلامية، ثم عثمانية، ثم دولة حديثة؛ وفي كل مرحلة كانت مصر تأخذ وتعطي..

 ثم جاءت العولمة، وتحولت مصر كغيرها من بلدان العالم الثالث إلى سوق هائل للأفكار والسلع والصور والأذواق؛  فالشاب المصري يشاهد اليوم مسلسلاً كورياً، ومباراة أوروبية، وفيلماً أمريكياً، ويستمع إلى أغنية عربية، ثم يأكل خليطاً من الهامبورجر الأمريكي والبيتزا الإيطالية ثم يحبس بشاي سيلاني وقهوة برازيلية! هنا تصبح المعركة الحقيقية مع العولمة معركة تنوع لا انغلاق.. أن تكون عالمياً لا يعني أن تصبح بلا ملامح وأن تنصهر فى هوية الآخر..

 والأخطر من ضياع الهوية أن نتوقف عن السؤال عنها؛ والأمة التي تسأل من أنا؟ لم تضع بعد.. الأزمة تبدأ فقط حين نهملها ولا نبالي.. عندها يصبح المرء مستعداً لأن تملأ أي قوة هذا الفراغ: السوق، أو الجماعة، أو الموضة، أو الخطاب الديني، أو الخطاب السياسي، أو الإعلام، أو خوارزميات مواقع التواصل.. وهذه هي الكارثة؛ فالهوية التي لا تشكلها بنفسك سيصنعها لك الآخرون.

 لا يمكننا اليوم أن نعيد مصر التي كانت، ولا ينبغي أن نفعل.. ولا أن نقفز إلى مصر الغد، لأن المستقبل لم يُكتب بعد.. لكننا نستطيع أن نختار الاتجاه؛ أن نأخذ من الماضي أصالته، ومن الحاضر حماسته، ومن العالم معارفه وعلومه، ثم نضيف من عندنا شيئاً ولو ضئيلاً تنتفع به البشرية وتذكرنا به الأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع