ثقافتنا في عصر التحولات الكبري!

abd alsalam farouk

عبد السلام فاروق

كلما تأملت ما يجري في مصر من حديث عن ثقافتها، أجدني أعود دائماً إلى لحظة شخصية بعينها؛ كنت في القاهرة في أواخر التسعينيات، أجلس في مقهى بوسط البلد، وأستمع إلى نقاش بين شاعر شاب وناشر عجوز. كان الشاعر يشتكي من أن “الزمن تغير” وأن “الجمهور لم يعد يقرأ”، فرد الناشر بهدوء: “الجمهور لم يتغير، لكن الوسائل تغيرت، ونحن لم نتعلم كيف نلحق بها.” تلك الجملة ظلت ترن في أذني سنوات طويلة، لأنها تختصر، في بساطتها، ما نسميه اليوم أزمة الثقافة المصرية.

يتردد في السنوات الأخيرة، وبنبرة يقينية جازمة، أن الثقافة المصرية لم تعد كما كانت، وأن ما نراه اليوم ليس سوى صورة باهتة لما عرفته مصر في عقود سابقة من ازدهار أدبي وفني وفكري. وتكثر المقارنات بين حاضر يبدو فقيراً مجدباً، وماض يستعاد باعتباره زمناً ذهبياً كانت فيه مصر تصنع الثقافة وتصدرها، وتملك من المؤسسات والرموز والأسماء ما جعلها مركزاً عربياً لا يباري.

لكن هذه المقولة، على شيوعها وبداهتها الظاهرة، تنطوي على افتراضات إشكالية تحتاج إلى تفكيك. فهي تفترض أولاً أن “الثقافة” كيان ثابت يمكن قياسه بالصعود والهبوط، وتفترض ثانياً أن الماضي وحدة متجانسة مضيئة، وتفترض ثالثاً أن الحاضر وحدة متجانسة مظلمة. وكل هذه الافتراضات، كما سأحاول أن أبين، تستحق الشك لا التسليم.

وقبل أن نحكم على الثقافة المصرية بالتدهور كما يدعي البعض، ربما يتعين علينا أن نتوقف لحظة للتأمل والتعمق متسائلين أي ثقافة نعني؟ وأي تدهور نقصد؟

إن الثقافة ليست طريقاً مرصوفاً تتآكل طبقته الإسفلتية، ولا عملة تنخفض قيمتها، ولا مؤشراً اقتصادياً يمكن رصده بالصعود والهبوط؛ بل هي كائن اجتماعي شديد التعقيد، يتغير بتغير البشر والاقتصاد والتعليم والسياسة والتكنولوجيا ووسائل الاتصال وأنماط الحياة. ومن ثم فإن الحكم عليها بالانحدار والتقهقر يتطلب تحليلاً لما كانت عليه، وتوصيفاً لما أصبحت عليه، وبياناً لما فقدته وما اكتسبته على مر الزمن.

هنا يلزمني أن أتوقف عند مسألة منهجية كثيراً ما أغفلها النقاش العربي حول الثقافة: إننا نتحدث عن “الثقافة” كما لو كانت كياناً مفرداً، بينما هي في الواقع حقل متنازع عليه، تتقاطع فيه سلطات متعددة- الدولة، السوق، الدين، الإعلام، الأسرة، المدرسة. وكل حديث عن “تدهور” أو “ازدهار” يخفي في طياته سؤالاً عن السلطة أو بالأحري من الذي يحدد ما هو ثقافة أصلاً؟ ومن الذي يملك حق الحكم على قيمتها؟

فخ النوستالجيا

المعضلة الأولى في مقولة “تدهور الثقافة” المدعاة، أنها تنطلق من افتراض تفوق الماضي وتحوله إلى نموذج أسطوري غير قابل للتكرار والاستنساخ. لكن أي ماض نعنيه تحديداً في مثل هذا الافتراض المتسرع؟

هل نعني الأربعينيات والخمسينيات، حين كان الأدب والصحافة والمسرح والسينما والأغنية المصرية تصنع جزءاً كبيراً من الوعي العربي؟ أم الستينيات، حين اتسعت مؤسسات الدولة الثقافية، وانتشرت حركة النشر والترجمة، وبات الكتاب في متناول شرائح أوسع؟ أم السبعينيات والثمانينيات، حين شهدت الحياة الثقافية تحولات سياسية واجتماعية عميقة؟ أم التسعينيات، حينما بدأ الإنترنت والفضائيات ثم وسائل التواصل الاجتماعي في اكتساح المجال العام؟

إن كل مرحلة من هذه المراحل حملت أزماتها الخاصة وسماتها الفريدة، ولم تكن فردوساً ثقافياً خالياً من الرقابة اللصيقة أو العيوب والأخطاء أو ضعف المؤسسات أو صراع النخب. ولهذا فإن استدعاء الماضي باعتباره كتلة واحدة مضيئة، ووضع الحاضر في الجهة المقابلة باعتباره كتلة واحدة مظلمة، لا يعد تأريخاً للثقافة، بل أرشفة انتقائية لطوائف المثقفين.

هنا أشير إلي ما كتبه المفكر الإيطالي أنطونيو جرامشي عن “الماضي الذي لا يموت”، وعن كيف أن كل حاضر يحمل في داخله بقايا ماض لم ينجز، وماض لم يدفن بعد. فالعلاقة بين الأمس واليوم ليست علاقة قطيعة، بل علاقة جدل متواصل. وحين نستدعي ماضياً ثقافياً ذهبياً، فإننا في الحقيقة لا نستدعي الماضي كما كان، بل نستدعي صورة مشتهاة منه، صورة تشكلت في وعينا بفعل إحباطات الحاضر وقلقه.

ثم إن الزمن لا يحتفظ لنا بكل ما أنتجه؛ وإنما يحتفظ بالأفضل، أو بالأكثر تأثيراً، أو بما استطاع أن يعبر إلى الذاكرة الجماعية. وعندما نقارن اليوم بأمس، فإننا غالباً لا نقارن حاضرنا بماضينا كله، وإنما نقارن الحاضر بأفضل ما تبقى من الماضي. وهذه نقطة جوهرية كثيراً ما تغيب عن أحكامنا المتسرعة تجاه قضايا الثقافة.

إن الذاكرة الثقافية، شأنها شأن أي ذاكرة أخرى، انتقائية بطبيعتها. تنسى ما يزعجها، وتحتفي بما يطمئنها. ولو استعدنا الماضي بكامل نسيجه – بصراعاته، ورقابته، وإقصائه، ومجاملاته، ومصائبه- لوجدناه ليس تلك الجنة المفقودة التي نتصورها. لكن النوستالجيا، كما يقول ميلان كونديرا، “هي الشوق إلى ما لا يمكن استعادته”، وهي في جوهرها شكل من أشكال الوعي الزائف.

السؤال البديل

إذا أردنا أن نكون أكثر دقة، فربما علينا حينئذ أن نستبدل السؤال هل انحدرت الثقافة؟ بأسئلة أشد دقة وأكثر قابلية للتأمل، من أمثال: هل تراجع عدد القراء؟ هل تراجعت مكانة الكتاب؟ هل انخفض تأثير المثقف في المجال العام؟ هل ضعفت المدرسة والجامعة بوصفهما مؤسستين لصناعة الوعي؟ وهل فقدت المؤسسات الثقافية قدرتها على اكتشاف المواهب الجديدة؟ هل تراجع النقد الجاد؟ هل انكمش المسرح والفن التشكيلي والكتاب الجاد أمام أشكال أخرى من الاستهلاك الثقافي؟ هل تغيرت علاقة الجمهور بالفن والأدب؟ وهل صارت وسائل التواصل الاجتماعي تنتج ثقافة جديدة لم نتعلم بعد كيف نقيسها؟

هنا يتحول السؤال من سردية بكائية إلى معايير يمكن بحثها وقياسها ومقارنتها. فنحن نفتقر إلى ما يكفي من الدراسات العلمية المتصلة بتاريخ الذائقة المصرية وتحولات القراءة، وتوزيع فئات الجمهور، وتأثير المؤسسات الثقافية، واقتصاديات النشر، وعلاقة المصريين بالفنون المختلفة. ولذلك كثيراً ما نستخدم الانطباع الشخصي بديلاً عن الإحصاء، والذاكرة بديلاً عن التاريخ، والحنين بديلاً عن التحليل.

لكنني لا أريد أن أُفهم على أنني أنكر وجود أزمة حقيقية. فهناك، في واقع الأمر، ما يبرر القلق. لكن تحويل هذا القلق إلى حكم تاريخي قاطع على “تدهور الثقافة” هو خطأ منهجي، بل هو خطأ سياسي أيضاً، لأنه يصرف الأنظار عن الأسئلة الحقيقية المتعلقة بالسلطة والموارد والبنية المؤسسية.

فوراء الشعور بتراجع الثقافة المصرية واقع ملموس لا يمكن تجاهله. حين يتراجع التعليم، تنحدر الثقافة. وحين تضيق معايش الناس يقل إقبالهم على الكتاب والمسرح والسينما. وحين تتقلص الطبقة الوسطى، التي كانت تاريخياً من أهم حوامل المشروع الثقافي الحديث، يتغير جمهور الثقافة وذائقته وأولوياته. وحين يتحول الإعلام تدريجياً من صناعة المعرفة إلى اقتصاد الإعلانات والربح السريع، يتحول المحتوى إلى سلعة استهلاكية عديمة النفع.

ومن هنا فإن تحميل المثقف وحده مسئولية انحدار الثقافة جور وغبن. إن المثقف مسئول لا ريب، وكذلك المؤسسات والهيئات الثقافية. لكن المدرسة مسئولة أيضاً، والأسرة والإعلام والاقتصاد وسوق النشر والجامعة. هكذا تتوزع أنصبة التهمة على أكثر من متهم، فتهون سياط العتاب واللوم على ظهر أحدهم.

غير أنني أريد أن أضيف هنا بعداً آخر، لعله الأهم إن الثقافة ليست مجرد نتاج “إبداعي” يطفو فوق الواقع، بل هي في جوهرها ممارسة اجتماعية تتشكل في سياق علاقات القوة. ومن ثم فإن أي حديث عن “أزمة الثقافة” لا يمكن أن يكون جاداً ما لم يتناول بالتحليل علاقات القوة التي تحدد من ينتج الثقافة، ومن يوزعها، ومن يستهلكها، ومن يحكم على قيمتها.

المثقف والسلطة

في أزمنة سابقة كان بإمكان الكاتب أو المفكر أو الفنان أن يستولي وحده على اهتمام أكبر شريحة ممكنة من جمهور محبيه؛ حينما اقتصرت أدوات التأثير على الصحيفة والكتاب والمجلة والمسرح والندوة. أما اليوم فقد أصبح المجال العام أكثر ازدحاماً، وأكثر سرعة، وأشد تنافساً. لم يعد الكاتب ينافس زملاء مهنته فقط؛ بل ينافس الخبير والمذيع وصانع المحتوى والمؤثر والمدون والناشط وشخصيات تنتج شهرتها من قدرتها على جذب الانتباه لا من عمق ما تقدمه.

هكذا لم تعد القيمة الثقافية وحدها هي التي تحدد حجم الاهتمام؛ وإنما أصبح التسويق والإعلان جزءاً من القيمة ذاتها. والخطأ أن ينظر المثقفون لمثل هذه التحولات باعتبارها مؤامرة على الثقافة، بدلاً من أن يسألوا أنفسهم: لماذا تركنا المجال العام لغيرنا؟ ولماذا لم نطور أدواتنا؟ ولماذا لا نكتب ونفكر ونتحدث بأسلوب يخترق الجدار الذي يفصلنا عن جمهورنا دون أن نفقد ذواتنا ونذوب في كأس الثقافة المستورد حتى نتلاشى في محتواه؟

لكن السؤال الأعمق، كما طرحه إدوارد سعيد نفسه في ” المثقف والسلطة”، هو: من يمثل من؟ ومن يملك حق التحدث باسم الجمهور؟ إن المثقف الذي يدعي أنه يتحدث باسم “الشعب” أو “الأمة” أو “الثقافة” إنما يمارس، في كثير من الأحيان، شكلاً من أشكال الوصاية. والمشكلة أن هذه الوصاية كثيراً ما تكون مقنعة بلغة النخبة الثقافية التي تعرف ما هو أفضل للجمهور.

قد تهتز ثقة المثقف في منتجه الثقافي إذا تباينت المعايير بين النخبة والجمهور. قد يتراجع الكتاب النخبوي ويتصدر الكتاب التافه قائمة المبيعات. وقد تنكمش القصيدة التقليدية، فيما تزدهر الأغنية الشعبية. وقد ينسحب المسرح التقليدي أمام دراما المنصات الرقمية. وقد ينحسر قراء الرواية في مواجهة جماهير جديدة للقصص المصورة والبودكاست والريلز. فالثقافة الحية ليست متحفاً، والمجتمع لا يتوقف كي يحافظ على ذائقة جيل بعينه. وفلاتر الذائقة الفنية والأدبية تغدو بلا حيلة أمام طوفان الريلز والفيديوهات القصيرة عديمة المغزى والقيمة. هنا يغدو سؤال الثقافة عصياً أحياناً على الإجابة القطعية الشافية.

وأنا أرى في هذا التغير فرصة لا أزمة فقط. فالمثقف المصري، شأنه شأن المثقف في كثير من بلدان العالم الثالث، عاش طويلاً في برج عاجي، أو في كنف الدولة، أو في حضن النخبة. واليوم، حين ينهار هذا البرج، أو يتقلص ذلك الكنف، لا يجد المثقف نفسه في مواجهة “جمهور جاهل” كما يتصور، بل في مواجهة جمهور جديد، مختلف، متعدد، لا يمكن اختزاله في صورة واحدة. وهذا الجمهور الجديد يفرض على المثقف أن يعيد تعريف نفسه ووظيفته.

تحديات في الطريق

حوكمة الثقافة وضعت على عاتق الدولة دوراً رئيسياً لتطويرها، وإذا لم يكن بإمكان الحكومة تكريس الإبداع بقرار إداري، فإن باستطاعتها خلق البيئة التي تسمح له بالنمو. بإمكانها فتح أبوابها للمواهب الجديدة، وتطوير سياسات النشر والترجمة، وإعادة الاعتبار للنقد، ودعم المسرح والفنون المستقلة، والوصول للقرى والمراكز، وحسن استغلال التكنولوجيا لا بوصفها خصماً للثقافة وإنما أداة لتوسيع دائرة المنتفعين والعملاء.

لكن المشاكل تظهر حين تنتقل المؤسسة الثقافية إلى جهاز إداري غايته إدارة النشاط بدلاً من صناعة الأثر. فليس المهم كم ندوة أقيمت، ولا كم كتاباً طبع، ولا كم فعالية أُدرجت في جدول الأعمال، بل الأهم ماذا بقي في وعي الناس بعد انتهاء الفعاليات؟

وهنا يلزمني أن أتوقف عند مسألة غالباً ما تغيب عن النقاش العام وهي إن الثقافة ليست مجرد قطاع من قطاعات الدولة، ولا سوقاً من أسواق الاقتصاد. إنها فضاء مدني بالمعنى العميق للكلمة. وهذا يعني أن أي سياسة ثقافية جادة لا يمكن أن تختزل في علاقة ثنائية بين الدولة والسوق، بل يجب أن تشمل المجتمع المدني بكل تعقيداته – الجمعيات الأهلية، المبادرات المستقلة، المقاهي الثقافية، دور النشر الصغيرة، المهرجانات المستقلة، المنصات الرقمية.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول تفسير الأزمة اجتماعياً إلى إعفاء المثقفين من المسؤولية. ففي داخل الوسط الثقافي أمراض عضال لا يجوز تجاهلها: الشللية، إعادة إنتاج الأسماء نفسها، ضعف النقد، المجاملات، الصراع على المناصب، الخلط بين الثقافة والوجاهة الاجتماعية، وتحول بعض المنابر إلى دوائر مغلقة تتحدث إلى نفسها. والأخطر أن بعض المثقفين يطالبون الجمهور بالعودة إلى الكتاب، بينما لا يسألون أنفسهم إن كان الكتاب الذي يقدمونه يستحق أن يعود إليه الجمهور.

هذه الأمراض ليست جديدة، ولا هي مقصورة على مصر. لكنها في السياق المصري تتخذ شكلاً خاصاً، لأنها تتشابك مع بنية اجتماعية تتصف بمركزية شديدة، ومع ثقافة سياسية تفضل الولاء على الكفاءة، ومع اقتصاد ثقافي يعاني من ضعف الاستثمار ومن غياب الحوافز الحقيقية للإبداع. ولهذا فإن الحديث عن “تجديد الثقافة” لا يمكن أن يكون جاداً ما لم يتناول هذه البنية في جذورها.

الثقافة ليست امتيازاً يمنح أربابها حق ازدراء الجمهور. والكاتب الذي لا يفهم تحولات جمهوره، والفنان الذي لا يعرف كيف يخاطب زمنه، والمؤسسة التي لا تعرف كيف تصل إلى الناس، لا يحق لهم جميعهم لوم الجمهور على انتقائيته التي تختار غيرهم.

تحول لا انحدار!

ليست المسألة بالكم أو بالحجم. فثقافة الأمس لم تكن أكبر أو أفضل أو أكثر. ونحن لا نعيش اليوم عصر اضمحلال الثقافة، بل عصر تحولات الثقافة. لقد تغيرت الوسائل والجمهور وسرعة التنفيذ وطريقة التفكير، وتغيرت علاقة الشاب بالكتاب والصحيفة والتلفزيون والمسرح، كما تغيرت علاقته بالصورة والصوت والنص. إن ثقافة القرن العشرين لن تعود بالطريقة نفسها، لأن المجتمع الذي أنتجها لم يعد موجوداً بالشكل ذاته.

ثقافتنا لم تضمحل، لكنها تواجه أزمة انتقال من نموذج عتيق لنموذج جديد لم تتشكل ملامحه بعد. وفي خضم عملية التحول تتبدل أشياء وتتبدد مؤسسات تفقد تأثيرها، ورموز تفقد حضورها، وأنماط فنية تفقد تأثيرها، وقيم فنية تتراجع، فيما تظهر قيم وأنماط ورموز بديلة.

هنا أريد أن أقترح قراءة “مضادة” أو “كونترابوينتال” للمشهد الثقافي المصري، على غرار ما يقترحه إدوارد سعيد في قراءة الأدب الاستعماري. فبدلاً من أن ننظر إلى الثقافة المصرية من زاوية واحدة — زاوية “الانحدار” — يمكننا أن ننظر إليها من زوايا متعددة في آن واحد: زاوية النخبة وزاوية الجمهور، زاوية المركز وزاوية الهامش، زاوية الماضي وزاوية الحاضر، زاوية المحلي وزاوية العالمي. وعندما نفعل ذلك، نكتشف أن ما نسميه أزمة هو في الحقيقة نسيج معقد من الخسائر والمكاسب، من الانسدادات والانفتاحات، من الانهيارات والولادات الجديدة.

ولهذا ليس علينا أن نبكي على فقد ثقافة قديمة نموذجية ولا أن نحتفي بثقافة جديدة شائهة أو مشبوهة، لكن المطلوب أن نسأل ماذا نريد من الثقافة المصرية في العقود المقبلة؟ هل نريد ثقافة تحفظ الماضي فقط، أم ثقافة تنتج المستقبل؟ هل نقيم مؤسسات تنتج ما ينبذه الجمهور؟ هل نريد مثقفاً يتشرنق في الظل؟ أم نفضل جمهوراً يفرغ جيبه وعقله لصالح رأس المال؟

نحتاج إلى مدرسة تعيد للمعرفة قيمتها، وجامعة تنتج السؤال لا الإجابة المحفوظة، وإعلام يعيد الاعتبار للتحقيق والفكرة، ومؤسسات ثقافية تصل للجمهور وتؤثر فيه، وسوق نشر أكثر حيوية، ونقد أكثر شجاعة، ومثقف لا يخشى الجمهور ولا يحتقره، ودولة ترى الثقافة استثماراً في الإنسان لا مجرد بند في موازنة أو مناسبة في أجندة.

لكنني أريد أن أضيف شرطاً أخيراً، لعله الأهم إن أي مشروع لتجديد الثقافة المصرية لا يمكن أن ينجح ما لم يكن مشروعاً نقدياً بالمعنى العميق للكلمة. نقدياً للذات، ونقدياً للسلطة، ونقدياً للتقاليد، ونقدياً للحداثة، ونقدياً للغرب، ونقدياً للشرق. فالثقافة التي لا تنقد نفسها هي ثقافة ميتة، حتى لو كانت تنتج كتباً ومهرجانات ومؤتمرات.

وإذا كانت ثمة أزمة، فإن مواجهتها لا تتأتى بالنوستالجيا، ولا بتوزيع الاتهامات، ولا بإعلان موت الثقافة كل نهار؛ وإنما بفهم عميق للتحولات، وشجاعة التسليم بالأخطاء، وحسن استقراء الواقع واستشراف المستقبل. ثم بامتلاك الإرادة لإعادة تكريس دور الثقافة كقوة من قوى تشكيل المجتمع، لا مجرد انعكاس لأحزانه ومتاعبه وهمومه.

وهكذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في النهاية ليس هل تدهورت ثقافتنا أم لا؟ بل ماذا نريد أن نفعل بها الآن، ونحن نعرف أن الزمن لا يعود إلى الوراء، وأن الثقافة كائن حي لا يحيا إلا إذا تجدد؟

وأنا، من موقعي هذا- موقع القريب الذي لم يغادر، والغريب الذي لم يرحل، والمثقف الذي لم يتخل عن التزامه – أرى أن الثقافة المصرية، رغم كل ما يعتمل فيها من أزمات، ما زالت تحمل في جوفها إمكانات هائلة للتجدد. لكن هذه الإمكانات لن تتحقق بالحنين إلى ماض لم يكن يوماً ذلك الفردوس المفقود، ولا بالاستسلام لحاضر يبدو أحياناً كأنه فقد بوصلته. إنها ستتحقق، إن تحققت، بعمل نقدي طويل النفس، وصبور، لا يخشى مواجهة الأسئلة الصعبة، ولا يرتضي بالإجابات الجاهزة.

وهذا، في تقديري، هو معنى أن تكون مثقفاً في زمن التحولات الكبرى لا أن تحرس الرماد، ولا أن ترقص على الأنقاض، بل أن تشعل، من جديد، تلك الجذوة الصغيرة التي تجعل السؤال ممكناً، والحرية ممكنة، والمستقبل ممكناً.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع