القراءة كفعل إبداعي: كيف نتلقى الأدب ونتذوقه؟

تشكيل

أسامة الدواح 

شهد الحقل النقدي مع بدايات النصف الآخر من هذا القرن اتجاها نقديا جديدا مؤثرا يقوم على سلطة القارئ، ويستند إلى استجابته للنص الإبداعى وتفاعله معه من خلال آفاق من التوقعات ذلك هو نقد جماليات التلقى. فالتلقي في مدرسة سوسيولوجيا الأدب هو عملية فهم وتحليل وتكيف وتغيير بين القارئ والمجتمع من خلال وسيط الأدب الذي يعمل على كشف حقيقة ذلك المجتمع، مستندا إلى مرجعية مشتركة مع القارئ، الذي يسعى إلى الوصول لذلك التوازن النفسي الاجتماعي، مستعينا بتلك القراءة.

ومن المعلوم أن اللغة وعاء الفكر وأداته الأولى في التشكل والتعبير، إذ لا تنفصل العمليةُ الفكرية في جوهرها عن النظام اللغوي الذي يمنحها إمكان الوجود والصياغة والتداول. فالتفكير في أبعاده المختلفة، لا يتحقق إلا من خلال اللغة التي تُكسب المعاني صورها، وتمنح الأفكار قابليتها للفهم والتواصل، كما ينعكس أثره إيجابا على التحصيل المعرفي في مختلف مجالات العلم والثقافة والفكر. وبناء عليه، فإن الارتقاء بالكفاية اللغوية وتطوير الذائقة الجمالية تجاه النصوص لا يمثلان مجرد غاية تعليمية، بل يشكلان مدخلا أساسا لبناء شخصية المتعلم وتنمية ملكاته الفكرية والمعرفية.

وتُعد الوظيفة التواصلية من أبرز وظائف اللغة وأكثرها حضورا في الحياة الإنسانية، إذ تنهض بدور أساسي في نقل الرسائل وتبادل الحاجات بين المتخاطبين، بما يضمن انسياب المعاني وتحقق الفهم المشترك بين أطراف الخطاب. فهي تضطلع بوظيفة التبليغ والإخبار، من خلال إيصال مراد المتكلم إلى المخاطب داخل الجماعة اللغوية الواحدة، وفق ما يحكم العلاقة بينهما من تعاقد تخاطبي ضمني أو صريح، يحدد شروط الفهم وطرائق التأويل وحدود المشاركة في إنتاج الدلالة. وبهذا المعنى، “تصبح اللغة أداة للتواصل الإنساني الفاعل، ووسيلة لبناء التفاعل الاجتماعي وتيسير تداول المعرفة بين أفراد المجتمع اللغوي.…”[1].

   ومع تطور وسائل المعرفة والتحصيل الحديثة، واتساع دائرة البحث عن المراجع الأدبية والعلمية المختصة، باتت تواجه مناهج التعليم تحديات كثيرة وعميقة، وأصبحت لها رهانات مستقبلية بعيدة المدى، تطلبت توطيد صلتها بهذه المعارف وتنويع وسائل التحصيل والبحث، “حيث صار من اللازم على الموجهين والأكاديميين في الجامعات والمدارس، التعرف على مختلف المعارف، والإبحار في تخصصات متنوعة للاستفادة والنهل منها، وذلك بغية توسيع رقعة العلم، والاستمتاع بمزاياه الغنية، العمل على توفير مساحة أكبر لتنمية الحس والوعي النقدي التذوقي”[2].

  لقد تبنى المغرب المقاربة بالكفايات، التي جاءت كرد فعل على المقاربة بالأهداف، في إطار ورش يضم مشاريع لإصلاح قطاع التربية والتكوين، واعتمد المنهاج الدراسي للغة العربية على مبدأ الوحدات، ومبدأ التكامل الداخلي بين مكونات مادة اللغة العربية، ومبدأ الكيف ومبدأ التدرج والاستمرارية، والتركيز على الحس المهاري لدى المتعلم، بدل الاعتماد على الشحن والإلقاء، وقد تم تنويع الوضعيات التعليمية والأنشطة خلال إرساء الموارد وإدماجها أو تقويمها ودعمها، وهو ما يسمى في البيداغوجيات الحديثة بمبدأ التنويع البيداغوجي والديدكتيكي.

  وانطلاقا من أن التعليم الطريق الأسلم لتحقيق الإبداع، وتنمية ملكات المتعلم التذوقية والنقدية وتطويرها، فالملاحظ اليوم، هو هذا التضارب والاختلاف حول أهمية الإبداع ومدى مستويات حضوره في الممارسة التعليمية في مادة اللغة العربية، “يمكن أن يكون السبب راجع في ذلك إلى تباين وجهات النظر حول مفهومه وشروط تحقيقه والعوامل الفاعلة فيه وأشكال تجلياته”[3].

وفي هذا السياق، يرى روبرت هولب، أن “طروحات النقد الأدبي حول الإبداع منذ القدم تدور في إطار ثالوث أساسي هو: المؤلف والنص والقارئ، غير أن التحولات التي عرفها النقد الحديث جعلت القارئ يحتل موقعا مركزيا في العملية الأدبية، بوصفه الطرف الذي يبعث الحياة في النص ويكشف إمكاناته الدلالية والجمالية”[4]. ومن هنا نفهم أن الذي يقيم النص هو القارئ المستوعب له، وهذا يعني أن القارئ شريك للمؤلف في تشكيل المعنى، حيث إن النص لا يكتمل وجوده إلا عبر فعل التلقي والتأويل. وفي هذا السياق تتجلى القيمة التربوية للأدب، حيث يغدو التذوق الأدبي مدخلا أساسيا لتكوين قارئ فاعل قادر على استنطاق النصوص واكتشاف طبقاتها الدلالية، الأمر الذي يسهم في صقل مهاراته القرائية وتنمية قدراته على الفهم والتحليل والتأويل.

وبناء عليه، فإن العلاقة بين الأدب والتلقي تتجاوز كونها علاقة استهلاك للنص، لتصبح ممارسة معرفية وجمالية تجعل المتعلم شريكا في إنتاج المعنى، وتؤهله للارتقاء بقراءته من مستوى الفهم المباشر إلى مستوى التفاعل النقدي الخلاق.

  فالتذوق الأدبي من الوسائل التي تساعد على تنمية الحس لدى المتعلم والقارئ معا، مرتبطا باللغة وقراءة النص قبل الحكم عليه، والتدريب على الموضوعية في نقد النص والمقارنة بين النصوص، فإنه – أي التذوق الأدبي- أحد المجالات الأكثر تطبيقا على الشعر الذي له علاقة وطيدة بالتخييل، ذلك أنه “مفتاح تحليل الحركة النفسية للقصيدة، لإدراك مدى أهمية الكلمة فيها، بل لاستقراء الوحدة العضوية، وفهم مكونات الصورة الشعرية ومدى قدرتها على التعبير عن أحاسيس الشاعر”[5] .

ومن هنا لم يعد دور المتلقى دورا سلبيا استهلاكيا فى صلته بالنص، “ولم تعد استجابته للنص استجابة عفوية ترضى تعطشه الجمالى، وتشبع فيه نزوعه إلى التلقى الشخصى الممعن فى كثافته وفرديته فى آن، لكنه أصبح مشاركا فى صنع النص، تشكل استجابته للنص نسيج الموقف النقدى برمته مؤثرة فى النصوص القادمة ،لأن عمليات التلقى المستمر تشكل وجدان المبدع والقارئ معاً، وتنمى إحساسها بأبعاد النص العميقة التى تظل تعطى دلالات لا نهائية تسمح بالتأويل فى دائرة لا ينغلق فيها النص بل يتجدد مع كل قراءة تعد بدورها إساءة قراءة أخرى”[6]

  وحسب الباحث التربوي عبد الكريم غريب، فإن التذوق الفني “يفيد القدرة على الإحساس والشعور بالعمل الفني، وإدراك قيمته الجمالية، واكتشاف معالم الإبداع وسماته، ويمثل التذوق الجمالي محور المعايشة الجمالية التي تتولد بين المتلقي والأثر الجمالي”[7].

وكما سبق الذكر، فإن ملكة التذوق لا تحدث بمعرفة طائفة من القواعد والقوانين التي اكتشفها أهل البيان، ولكنها تكتسب بممارسة الكلام الجيد، والتفطن لخواصه ومزاياه، مع توفر الاستعداد، واستجابة الطبع، فالممارسة والدربة شرطان أساسيان لتنمية هذه الملكة ودعمها وتطويرها. كما أن عملية التذوق الأدبي تتكون من عدة عناصر تشكل في مجموعها منظومة أو نسق مترابط من الأفكار والألفاظ والتراكيب، والعاطفة، والخيال، ثم الموسيقى والصور الأدبية. على اعتبار النص الأدبي”مجموعة من المقومات أو اللبنات التي يقوم عليها أي عمل، وتختلف من فن لآخر حسب طبيعة هذا الفن”[8].

  ومن بين الفضاءات الحيوية التي يتم فيها صقل ملكة التذوق الأدبي وتنميتها، المدرسة. بمحيطها التعليمي التعلمي النشط، وتعد “الأنشطة التعليمية من الوسائل المهمة في نجاح العملية التعليمية التعلمية، لما لها من ارتباط وتأثير شديدين على مختلف جوانبهما، إنها مهمة لكل من المدرس والتلميذ، ففي طريقها يستطيع المدرس معرفة المستوى الفعلي للتلاميذ قبل الشروع في تدريس المقرر، كما تحقق هذه الأنشطة أهدافا معرفية ومهارية ووجدانية”[9].

  كما تسهم هذه الأنشطة كذلك بدورها الفعال في تنمية مهارات التذوق الأدبي لدى المتعلمين، وذلك ” بعد أن يقرأ التلميذ النص الأدبي، ويفهم معناه ويفسر غموضه”[10]، فالفهم مفتاح سحري لتذوق النص الأدبي، ولا يصل التذوق إلى المتلقي إلا إذا فهم، وأدرك العلاقات والارتباطات بين مكونات العمل الأدبي، وأدرك أسرار جماله ومواطن ضعفه وقوته.

   يمكن القول إن الأدب في معناه الجمالي الخاص، لا يخضع لمقياس موضوعي صارم يمكن بواسطته تحديد مقدار ما يحمله من جمال أو تميز، بل إن تقديره يظل مرتبطا بدرجة كبيرة بذائقة المتلقي وقدرته على التلقي والفهم والتأويل. فالمتلقي هو الذي يُدرك النص ويُعيد بناءه وفق خبرته الجمالية وحساسيته الفنية، مما يجعل الحكم على القيمة الجمالية للأدب حكمًا ذا طابع نسبي، يتصل بالذات المتلقية بقدر ما يتصل بالنص نفسه، على نحو ما هو الحال في تذوق اللحن الموسيقي أو استيعاب جماليات الفنون التشكيلية والفوتوغرافية. ومع ذلك، فإن هذا الطابع الذاتي لا ينفي وجود قدر من الاتفاق بين الخبراء والمتذوقين المتمرسين في الحكم على مظاهر الجمال الفني في الأدب وسائر الفنون، حيث تشير دراسات عديدة إلى وجود مشتركات معيارية نسبية تُسهم في توجيه الذائقة وتقريب وجهات النظر. وقد انتقلت هذه الإشكالية من مجال التنظير المجرد إلى مجال البحث التطبيقي، حين سعى بعض الباحثين، ومنهم رشدي طعيمة، إلى استجلاء معايير أكثر موضوعية للتذوق الأدبي ومظاهره المتعددة، من خلال محاولة تقنين مؤشرات يمكن الاستناد إليها في قياس القدرة على إدراك الجمال في النصوص الشعرية والنثرية على حد سواء.”[11].

  هذا ولقد تناولت عدد من الدراسات مهارات التذوق الأدبي وخلصت إلى أن المهارات الأساسية له كما أشار إليها بعض علماء النفس اللغوي والنقاد تتمثل في:

  • “تمثل القارئ للحركة النفسية في العمل الأدبي
  • استخراج البيت أو الأبيات –في الشعر- التي تتضمن الفكرة الرئيسية
  • القدرة على اختيار أقرب الأبيات إلى بيت معين
  • إدراك مدى أهمية الكلمة في العمل الأدبي
  • إدراك الوحدة العضوية في العمل الأدبي وما بين أفكاره من ترابط
  • القدرة على اختيار العنوان المعبر عن فكرة الأديب وأحاسيسه
  • فهم درجة التواؤم بين التجربة والصياغة
  • استنباط القيم والاتجاهات الشائعة في العمل الأدبي
  • تخيل بعض الصور والشخصيات والأحداث والمناظر التي يصفها الأديب، والتعبير عنها”[12].

  وغيرها كثير من المهارات التي يتضح من خلالها أنها عبارة عن أنماط سلوكية لازمة يقوم بها التلاميذ بصورة تدريجية عند تعاملهم مع النصوص الأدبية الشعرية والنثرية.

يمكن الوصول من خلال كل ما سبق إلى أن:

  • التدريس عملية تعليمية تربوية، تقوم على أساس وقواعد ونظريات، فلم تعد مهمة المعلم داخل الفصل تقتصر على تلقين المعلومات والحقائق والمفاهيم وسردها وترديدها للمتعلمين، بل أصبحت مهمته توجيه وإرشاد التلاميذ وتقويمهم تقويما شاملا.
  • تتعدد طرائق تعليم اللغة بتعدد المدرسين وخلفياتهم المرجعية والفكرية، والمواقف والآراء تتضارب فيما بينها من حيث الطرائق، فكل طريقة جديدة تبين أفضليتها ونجاحها في حل مشاكل متعلمي اللغات وتليين صعوبات تعلمها.
  • المدرس مطالب في تدريسه للنصوص القرائية استعمال طرق ديداكتيكية حديثة تشرك المتعلم في بناء المعرفة كالطريقة الحوارية التي تعطي الفرصة للمتعلم لاستخلاص الأفكار الخاصة بكل مرحلة من مراحل التأطير والفهم والتحليل والتركيب، ومناقشتها وإدراكها بشكل سليم…

   ونشير كذلك على سبيل الختم، أن التذوق الأدبي يكتسي أهمية بالغة، ويعتبر من الأدوات الرئيسية والمداخل الهامة لربط القارئ بجغرافية الأدب، ورسم مسارات إيجابية نحوها، لما يحتويه –أي التذوق الأدبي كما رأينا- من مهارات تجعل من المتلقي أكثر نضجا ووعيا في كيفية التعامل مع النصوص الأدبية وفهمها، واستيعاب مضمونها الظاهر، ومكنونها المضمر، من هنا كان الاهتمام به وسبل تطويره لدى الكثير من المهتمين بالأدب وبالقارئ بشكل عام، على اعتبار الأدب أساس متين ولبنة حصينة في بناء الشخصية الناضجة، وتنميتها مهاريا وأسلوبيا، وإدراكا وتفكيرا وفهما، وتكوين روابط اجتماعية وثقافية قوية، فلا وجود للغة دون وجود زاد أدبي ومخزون موسوعي وافر، يساعد المتلقي على صقل قدراته التعبيرية، وتنمية كفاياته اللغوية التي تمكنه من استخدام اللغة بشكل سليم وعلى وجه أسلم.

كما أن التجربة الأدبية الحقة هي التي تترك القارئ تتركه مواجها لمساحات عميقة وفجوات دلالية غير مرئية بين السطور، يستفز فيه النص صياغتها وإعادة تشكيلها؛ فالقارئ المتذوق هو وحده من يملك الكفاءة القرائية لفك تلك الشفرات وملء الفراغات بناء على وعيه وثقافته الخاصة. ومن هنا، تتأسس شراكة مشروعة في صنع المعنى تعيد صياغة العلاقة بين أطراف العملية الإبداعية؛ فالنص لا ينغلق أو يكتمل بمجرد فراغ المؤلف من خطه، وتتجدد حياته مع كل مقاربة قرائية جديدة، حيث يتجاوز القارئ فيها دور المستهلك السلبي ليلج فضاء “المؤلف الثاني” الذي يمنح الأثر قيمته الحقيقية وأبعاده التأويلية اللانهائية.

ولنمذجة “القراءة كفعل إبداعي”، لنأخذ على سبيل المثال بيتا شعريا شهيرا لشاعر الغزل جميل بثينة كمثال تطبيقي بسيط يُظهر كيف يتحول القارئ من مستهلك سلبي إلى “شريك في صنع المعنى” عبر ملء الفراغات وتفكيك الشفرات.

يقول جميل بثينة: “رَسْمُ دَارٍ وَقَفْتُ فِي طَلَلِهْ … كِدْتُ أَقْضِي الحَيَاةَ مِنْ جَلَلِهْ”[13]

سنلاحظ أن ثنائية التلقي في الممارسة النقدية تتمظهر عبر مستويين متباينين:

 يتشكل أولهما في: “التلقي السلبي الاستهلاكي” الذي يقف فيه القارئ عند العتبات المعجمية والظاهر السطحي المباشر للنص؛ يكتفي هذا النمط من القراءة بالفهم الأدنى للمشهد الطللي، حيث يرى الشاعرَ واقفا أمام بقايا ديار محبوبته، مشرفا على الهلاك لعِظم الخطب، لتنتهي الاستجابة هنا في حدودها العفوية العابرة دون النفاذ إلى جوهر التجرِبة الجمالية.

وعلى النقيض من ذلك، ينهض المستوى الثاني المتمثل في “التلقي الإبداعي النقدي” الذي يتجاوز حدود المنطوق ليفجر الدلالات الكامنة ما وراء الحبر، عبر آليتي تفكيك الشفرات وملء الفراغات الدلالية؛ إذ لا يمر القارئ المبدع بلفظة “كِدْتُ” في قول الشاعر “كِدْتُ أَقْضِي الحَيَاةَ” مرورا عابرا، بل يلج من خلالها إلى فجوة درامية يتأرجح فيها الشاعر في مسافة برزخية بين الموت واللاموت، حيث تتنازعه جذبة الذاكرة الصاعدة نحو الفناء وغريزة البقاء المتمسكة بالواقع، فيملأ المتلقي هذا الفراغ غير المرئي بأحاسيس الفقد واللوعة.

ويمتد هذا الأفق التأويلي لتفكيك مشهدية بيت الشعر وإعادة إنتاجه عبر شفرة التضاد اللغوي الكامنة في كلمة “جَلَلِهْ” حمالة الأوجه؛ فبينما يذهب التأويل الأول إلى اعتبار “الجلل” حزنا عاتيا كاد يودي بحياة الشاعر، ينفذ التأويل الثاني والأعمق إلى بواطن النص ليجعل من “الجلل” مرادفاً للشيء الهين الصغير، متخذا من اللفظة أداة لمعاتبة الذات ولومها على الاهتزاز والتهاوي أمام حجارة صامتة وبقايا تراب زائل.

وفي المحصلة، يخرج هذا التطبيق القارئ من إسار الدور السلبي الناقل للخبر إلى فضاء “المؤلف الثاني” المشارك في الصياغة الإبداعية؛ ليعيش الصراع النفسي عبر تفكيك الممكنات الدلالية، ويختبر التناقض الجدلي بين عظمة العاطفة الإنسانية وهوان الشواهد المادية، بما يضمن انبعاث النص حياً متجدداً يرفض الجمود مع كل قراءة تغوص في أعماقه.

إن هذا النمط من التلقي الجمالي وتدريب القارئ على النفاذ إلى “ما وراء السطور، يعد رافعة أساسية لصقل المهارات وتوسيع الأفق؛ إذ ينمي لديه تفكيرا نقديا مرنا يخرجه من إسار السطحية والجمود إلى رحابة التحليل والعمق، لتغدو قراءته للحياة والمجتمع قراءةً واعية وبصيرة. وفي المحصلة، فإن صناعة هذا القارئ البصير الذي “يرى غير المرئي” هي الثمرة الكبرى والأسمى للتعليم الأدبي الرفيع؛ فهو يقبل على النص ليجعل من مرآته وسيلة لإعادة اكتشاف ذاته وتوسيع آفاق توقعاته، إلى جانب وقوفه على ما قاله الكاتب وفهمه.

……………

الهوامش:

– محمد الأوراغي: اللسانيات النسبية وتعليم اللغة العربية، منشورات الاختلاف، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى 2010.

– عثمان حسن: أهمية التذوق الأدبي، مقالة نشرت في جريدة الخليج، بتاريخ:2013/10/14.

– ماهر شعبان عبد الباري: التذوق الأدبي طبيعته- نظرياته- مقوماته- معاييره- قياسه، دار الفكر ناشرون وموزعون، الطبعة الأولى، 1430ه- 2009م.

– بدر بن علي أحمد الخيري: تقويم نشاطات التعلم في مقرر لغتي الخالدة في ضوء مهارات التذوق الأدبي، بحث لنيل شهادة الماجستير في المناهج وطرق التدريس، جامعة أم القرى، كلية التربية، المملكة العربية السعودية.

-عصام علي مقداد: مستوى مهارات التذوق الأدبي لدى معلمي اللغة العربية بالمرحلة لأساسية العليا، وعلاقته بالثقافة الإسلامية لديهم، بحث لنيل شهادة الماجستير، قسم المناهج وطرائق التدريس، بكلية التربية، فلسطين، غزة.

– رشدي طعيمة أحمد: وضع مقياس التذوق الأدبي عند طلاب المرحلة الثانوية (فن الشعر) رسالة ماجستر كلية التربية جامعة عين شمس.

– عبد الناصر حسن محمد، نظرية التلقي بين ياوس وإيزر، القاهرة: دار النهضة العربية، 2002م

 

[1] – محمد الأوراغي: اللسانيات النسبية وتعليم اللغة العربية، منشورات الاختلاف، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى 2010، ص:68.

[2] – عثمان حسن: أهمية التذوق الأدبي، مقالة نشرت في جريدة الخليج، بتاريخ:2013/10/14.

[3] -نفسه، ص: 21.

[4] – عبد الناصر حسن محمد، نظرية التلقي بين ياوس وإيزر، القاهرة: دار النهضة العربية، 2002م، ص: 2 ( بتصرف)

[5] – عثمان حسن: أهمية التذوق الأدبي، مرجع سابق.

[6] – عبد الناصر حسن محمد، نظرية التلقي بين ياوس وإيزر ( مرجع سابق) ص: 2

[7] – عبد الكريم غريب: مستجدات التربية والتكوين، منشورات عالم التربية، ص:407.

[8] – ماهر شعبان عبد الباري: التذوق الأدبي طبيعته- نظرياته- مقوماته- معاييره- قياسه، دار الفكر ناشرون وموزعون، الطبعة الأولى، 1430ه- 2009م، ص:147.

[9] – بدر بن علي أحمد الخيري: تقويم نشاطات التعلم في مقرر لغتي الخالدة في ضوء مهارات التذوق الأدبي، بحث لنيل شهادة الماجستير في المناهج وطرق التدريس، جامعة أم القرى، كلية التربية، المملكة العربية السعودية، ص:5.

[10] – نفس المرجع السابق، والصفحة.

[11] -عصام علي مقداد: مستوى مهارات التذوق الأدبي لدى معلمي اللغة العربية بالمرحلة لأساسية العليا، وعلاقته بالثقافة الإسلامية لديهم، بحث لنيل شهادة الماجستير، قسم المناهج وطرائق التدريس، بكلية التربية، فلسطين، غزة، ص: 28-29.

[12] – رشدي طعيمة أحمد: وضع مقياس التذوق الأدبي عند طلاب المرحلة الثانوية (فن الشعر) رسالة ماجستر كلية التربية جامعة عين شمس، ص:153.

[13] – محمد بن محمد حسن شراب، شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية “لأربعة آلاف شاهد شعري” ط 1، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1427هـ – 2007م، ص: 234.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع