متى أقابل كاتبا مستورا؟!

عبد الرحيم طايع

عبد الرحيم طايع*

لسنوات طويلة قضيتها في الوسطين الأدبي والثقافي، لا زالت مستمرة، لم أقابل كاتبا مستورا بمعنى الكلمة (الستر: بكسر أوله وسكون ثانيه، معناه ساترٌ، حجابٌ، ما يُستَتَر به ويُتَغَطَّى، والجمع سُتُورٌ وأَسْتَارٌ وسُتُرٌ). الملحوظة صادمة بالطبع، لكنها حقيقية تماما؛ فمعظم الشعراء والأدباء والمثقفين لا يملكون ما يسترهم، نعم حديثي هنا عن المال تحديدا، ربما باستثناء الكتاب النجوم، وما أندرهم وما أشد تعقيدات حكاياتهم، كذلك من انفصلت أعمالهم عن مواهبهم، وكانت أعمالا ممتازة تكفل عيشهم، وتفيض، ومن انخرطوا في مجال الكتابة للدراما، ومن احترفوا كتابة الأغاني، ومن أتيح لهم توسع مثمر في نطاق تصحيح اللغة وتحرير النصوص، ومن هؤلاء ممن يسهل استنتاجهم، أما الباقون، وهم الأغلبية من بين كافة الأجيال، فأحوالهم بائسة، لا سيما الذين لا وظائف مغنية بأيديهم، والأعمال التي تتوفر للكتاب عموما، ككتابة مقالات للصحف الورقية أو الإلكترونية مثلا، عوائدها ضئيلة، ولا تتوفر بالحاجة الماسة إليها، مع الإجادة المطلوبة، إنما بالواسطة، وأكثر الكتاب ليست لديهم هذه الواسطة اللعينة.

في يوم بعيد، لا أنساه بتة، قابلت خمسة كتاب معتبرين، بيننا كثير من صفاء المودة، وقد شاءت الأقدار حينها أن تكون ظروفهم المادية جميعا عسيرة، وأن يطلبوا مني عونا ينقذهم لو كنت أستطيعه، صرت يومها في موقف لا أحسد عليه بالمرة؛ فإحساسي بضنكهم هائل، ولكن جيبي خاو كجيوبهم، وطالما تكرر الموقف معي بعدها؛ مما جعلني أتنبه للكارثة الفادحة المخزية، وأبحث لها عن حلول تتجاوز المؤسسات المسؤولة التي ماتت، وما أكبر صخبها وبريقها، إلا أنها صامتة الأعماق ومظلمة القلب والعينين!

الحل الوحيد الساطع يعتمد على اجتهاد فردي من كل شخص موهوب ضاق صدره بالهموم، وعلى رأسها الهم المادي، في وقت غلبت فيه النقود كل ما عداها، وصارت الحاكم المتحكم في المصائر، ويمكن لهذا الموهوب بالطبع أن يوجه طاقته كلها، أو جزءا منها، إلى أعمال مجزية بعيدة عن مجاله، قد يكون بعضها مخلا بقيمته للأسف، لكنه الاضطرار لا الاختيار، ولا فلسفة للمضطر.

سألت نفسي مرة: هل يمكن أن نحلم برعاة للكتاب على غرار كرة القدم؟.. بدا التصور مبالغا فيه، وربما بدا مضحكا بمعنى من المعاني أيضا، غير أنه لم يكن مستحيلا، المسألة تحتاج إلى خطة ألمعية تتلوها بداية جادة ومنظمة، لا شيء أكثر، بعد ذلك يمكن أن يكون حصاد طيب وافر.

جربت أنا القصة الحزينة، ووصلت إلى حد العجز الكامل عن تدبير شؤون حياتي، ومن أعول، لا سيما بعد أن أصابني داء الأعصاب الطرفية؛ فمنعني من التفكير في أي عمل أساسه الاتكاء على طاقة الجسد، وأصابتني أدواء أخرى، كانخفاض وظائف الكلى نتيجة لارتفاع السكري والضغط، وضعتني في قلق من الأضرار البالغة المحتملة أكثر مما صرفت تفكيري إلى كيفية تدبير نفقات العلاج، وطالما بقيت السماء متكفلة بالتدبير المقصود، ولا ريب في أن الانتظار المطلق لما تجود به الغيوب من المغيثات، وإن كان إيمانا بشكل أو بآخر، هو نوع من أنواع العبث!

لا يخوض حبري الآن في قضية بسيطة عابرة؛ فالكاتب ما لم يكن مستورا، ولو قدرا قليلا من الستر، وإن كان الستر كله قدر واحد، فإما خفاء واق وإما انكشاف فاضح، فإن منتجه سيتأثر بمعاناته تأثرا سلبيا، بل سنفتقد قلمه غالبا في دوائر حساسة عديدة، لعله كان يحب أن يتعرف إلينا من طريقة طرحه لرؤاه حولها، وكنا نحب أن نتعرف إليه بقراءة تأملية لأطروحاته.

أنا أطلب النجدة لنفسي، ومن ثم لأصدقائي وتلامذتي من المبدعين كبارا وناشئة، قبل أن تنطفئ الفوانيس التي تنير الطرق للآخرين، أطلبها بلهفة صادقة حارة، معيدا على المهتمين بالموضوع سؤالا مدويا يائسا شغلني بأمداء الأعوام: متى أقابل كاتبا مستورا؟!

…………………………

* شاعر وكاتب مصري

[email protected]

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع