«جزيرة هرموش» .. غرائبية ترصد الصراع الإنسانى

جزيرة هرموش محسن يونس

محمد ممدوح

فى روايته «جزيرة هرموش.. فانتازيا يُحكى أنّ»  الصادرة عن دار غايا للإبداع 2024م، والفائزة بجائزة أفضل رواية بمعرض الكتاب 2025م، يبنى الروائي الكبير «محسن يونس» حكايته، الموزّعة على ثلاثة فصول وخمسين مقطعاً سردياً، على قراءة فانتازية للواقع ولتفاعل شخصيات العمل -لا تخلو ردود أفعالها أحياناً من السخرية- مع هذا الواقع، ليطرح الكاتب من خلالها أسئلته الكبرى عن الخير والشر، الحياة والموت.

تتكئ الرواية على لفظة تتكرّر كمفتتح لمقاطع سردية تتفاوت طولاً وقصراً: “يُحكى أنّ”، فتحيلنا بتنويعاتها الأخرى: “يُحكى أنّ ماذا؟”، “يُحكى أنهم”، إلى صيغة شائعة فى الحكايات الشعبية والخرافية لصناعة فضاء خيالى ما، ولتأكيد الطابع الجماعى للحكاية.

نقطة البدء فى الرواية -ستُبنى عليها الأحداث فيما بعد- قطعة أرض رملية على يابسة جزيرة، يجد عليها «سلامة هرموش» موظف الضرائب قطعة ذهب بحجم بيضة، فيقرّر فى شم النسيم الذهاب إليها بقارب مُستأجَر من مَرْسى المدينة إلى الجزيرة لاستخراج الذهب، يصحبه زميله فى العمل «خليل حوّاس»، «حمدى بهنس»، «حسن خريزة»، إضافة إلى «مخيمر» صاحب القارب، و«بلتاجى» الباحث عن الثأر لمقتل أبيه.

تحتل الحكاية بمدلوليها العام والخاص ركُناً مركزياً فى الرواية، تتبدّل تفاصيلها من شخصية لأخرى حسب تطوّر الحدث، وتعتمد على المفاجأة التى تسيطر على القارئ حتى آخر سطرٍ فى الرواية، كما تشكّل جغرافيا الأماكن بتنويعاتها المختلفة وتفاصيلها الدقيقة (بحر، قارب، جزيرة) محرّكاً أساسياً ومؤثراً على مصائر الشخصيات، وتطوّر الحدث تقديماً وتأخيراً، صعوداً وهبوطاً، وليس حِليةً مجانية فى خلفية العمل.

طالت رحلة القارب فى قلب البحر، وظهرتْ معها الصراعات الشخصية التى كشفتْ الإنسان فى ضعفه وأنانيته، وصراع لأجل البقاء والقضاء على الآخرين لأجل البقاء، وللوصول إلى الجزيرة ومن ثمّ الاستحواذ على الكنز. والتناص مع الأمثولة/ الحكاية الشعبية، أو ألف ليلة وليلة حاضر بكثافة، فمن شطحة هرموش عن الكابوريا، إلى الدلافين التى ركبوها حتى تصل بهم إلى الجزيرة إثر الدماء التى سالت من ذراع بهنس، مروراً بإطلاق البلتاجى النار من مسدسه على مخيمر صاحب القارب ثأراً لمقتل أبيه ليتضح أنّه ليس القاتل نتيجة اختلاف اسم الأم من واقع شهادة الميلاد!، وطمعه -بقوة السلاح- فى زوجة هرموش، لكن الصراع على الجزيرة كان أشد عنفاً بالتآمر والقتل فى حلقة دائرية لاتنتهى، بحثاً واستحواذاً على الكنز.

يُفاجأ القارئ فى الفصل الثالث والأخير من الرواية بأنّ الجزيرة غير موجودة فى الأصل، وأنها بُنيتْ على كذبة: «هذه الرواية كذبة كبيرة بكل وقائعها وأحداثها التى تصل فى بعض مناطق من متنها إلى حد الخيال المفرط» (ص 185). يتفاعل أبطالها فى الواقع مع أحداثها المتخيّلة عنهم، والتى انتشرتْ على ألسنة الناس فى المدينة وفى مكان العمل، تتلاشى الحدود هنا بين واقع الحياة، وواقع/خيال الرواية، ليستأجروا قارباً ويذهبوا إلى الجزيرة ليحصلوا على الكنز، وما إن يجدوه حتى يبدأ الصراع من جديد؛ لكن فى واقع هو وجه آخر للمتخيّل.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع