الحداثة السائلة في “تفسير ما لا يقال” هايكو الشاعرة بلقيس خالد

بلقيس خالد

عباس محمد عمارة

اتسم مفهوم “الهايكو العراقي” عند الشاعرة بلقيس خالد برصد الواقع العراقي وإحياء الروح في الأشياء الجامدة، لتبدو كائناتٍ حيةً تتفاعل، لا مجرد أجرامٍ ساكنة. وتعد هذه الأنسنة مفرطةً أحياناً من وجهة نظر الهايكو الكلاسيكي، لكنها تبدو طبيعية إذا نظرنا إليها كأسلوب سريالي في الهايكو الحديث، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل نصنف هذه النصوص سريالية أم لا؟ كما في الهايكو التالي:

 تدعوني الطاولة أن أضع يدي عليها،
لأشعر به:
دفءٌ بثته الشمس..

**

من البديهيات المتعارف عليها في الهايكو مبدأ “أرِني ولا تخبرني”، وقد نجحت هذه النصوص في تحقيق هذا المبدأ بمشهدية محايدة، اقتنصت اللحظات دون حشو أو زخرفة لغوية. ومع استخدام علامة القطع (النقطتين الرأسيتين مثلاً)، خلق النص فراغاً ومعادلاً موضوعياً بين نهاية القطع والسطر الذي يليه:

 يكتب رسائل صغيرةً
 إلى الهواء:
 بخارٌ يتصاعد من فنجان قهوة.

**

 من السدرة تهبط العصافير..،
 وتختبئ
 في جيب ابن الجيران.

**

أما هذه النصوص:

 لأول مرةٍ لم يطاردني،
 يركض حافياً..
 الوقت.

**

 أطفو بين فكرةٍ وأخرى،
 فتتساقط على الأوراق.. بتلات:
 الحروف.

**

 معلّمٌ..
 قاسٍ وجميلٌ: الشوق.

**

 ألمس الأشياء فتغني،
 عدوى لطيفةٌ انتشرت في أصابعي:
 الحب.

**

 كأننا عشنا ألف وداعٍ
 قبل أن نتعلم كيف نقول:
 مرحباً.

**

 كأنها طريقٌ مقصودٌ:
 أخطاؤنا.

**

نسيتُها..
في اللحظة المناسبة:
كلمةٌ، كنتُ على وشك قولها.

هي أقرب إلى الومضة والحكمة، إذ لم نجد فيها من تقنيات الهايكو —كلاسيكياً كان أم حديثاً— ما يكفي لتصنيفها ضمن هذا الجنس الأدبي، وهذا لا ينفي عنها جماليتها. وتبرز اللغة الاستعارية في تعبيرات مثل: “عدوى الحب” و”بتلات الحروف”، وهي من تأثيرات قصيدة النثر، حيث يتداخل المفهوم المجرد مع الصورة البصرية، مما يضفي طبقة من الضبابية على تقنيات الهايكو الرئيسية، وهي “الصورة الحسية المشهدية”.

الملاحظة الثانية هي استخدام كاف التشبيه، لو افترضنا أن هذه النصوص هايكو. فالتشبيه من تقنيات الهايكو، لكن استخدامه بكثرة يضعف النص، وقد تجاوز الهايكو المعاصر هذه التقنية إلى تقنية التجاور، دون الحاجة إلى استخدام أدوات التشبيه، منذ هايكو عزرا باوند الشهير:

 ظهور هذه الوجوه في الحشد
 بتلاتٌ على غصنٍ رطبٍ، أسود.

**

وفي السياق ذاته، جاء النص الأخير أقرب إلى الدعاء والمناجاة، وهو نص صوفي بامتياز:

 إلهي..
 كطفلةٍ.. تطلب أن يُعاد خلقها من الضوءِ،
 وقفتُ على بابك.

وهذا النص متناصٌّ مع النص المنسوب إلى رابعة العدوية في مذهب الحب الإلهي، وثنائية الضوء والجمال، وموضوعة الباب المفتوح:

 “إلهي.. غارت النجوم ونامت العيون وغلقت الملوك أبوابها، وبابك مفتوح، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك”.

إن تجربة الشاعرة بلقيس خالد تتأرجح بين رصد الطبيعة (هايكو) ورصد الطبيعة الإنسانية (سينريو) بصدق وعاطفة عراقية جياشة. وتتجلى الطاقة السائلة في هايكو بلقيس خالد في تمردها الواعي على صرامة الأشكال اليابانية، وانزياحها نحو سيولة تتجاوز ضيق التقنيات، لتذيب الحدود المتعارف عليها بين الأنا والطبيعة.

فنصوصها لا تقيدها لحظة الاقتناص، إنما تولد كتدفق عضوي يشكل ماهية القصيدة لحظة ولادتها؛ فتارة تطل علينا بجنس الهايكو، وتارة كومضة أو حكمة، وأحياناً كمناجاة صوفية.

وأمام هذا التدفق المنفلت من القوالب، يبرز تساؤل نقدي ملح: لماذا نحصر هذا الفضاء الجمالي الرحب تحت تسمية “الهايكو العراقي”؟ إن حصر هذه التجربة ضمن هذا العنوان الضيق (الهايكو) قد يؤدي، دون قصد، إلى تحجيم طاقتها التعبيرية وتقويض حيويتها التي تتجاوز الهايكو إلى أشكال تعبيرية لا تقل أهمية عنه.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع