فريد الأطرش..زمان يا حب

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام
أيمن حامد* كان في الخامسة عشرة من عمرة، يعمل عازفا على العود في فرقة المطرب إبراهيم حمودة، الذي دعته الأسرة المالكة للغناء في حفلة ساهرة، رحبت الأميرة بحمودة، لكن ما إن وقع نظرها على فريد الأطرش وهو يحمل عوده، حتى صاحت "يا باى. الواد الشامي ده دمه تقيل..خليه يطلع بره..مش قادرة أشوفه". ارتبك إبراهيم حمودة ولم يدر ماذا يفعل، هل يطرد فريد ويوصم بالجبن أم يرفض فيتعرض للعقاب. وقبل أن يقرر كان فريد قد خرج فعلا من القصر.  

مسيرة من الألم والحب واليأس والحزن والنجاح والإبداع عاشها الفتى فريد “19 أكتوبر 1910- 26 ديسمبر 1974” لكن فصول الألم في حياته كانت أطول أو كان يخيل إليه أنها كذلك. حتى في أبهج لحظات النجاح لم ينس فريد آلامه وطفولته البائسة وهو سليل الملوك والأمراء، عاش حتى اليوم الأخير من حياته شاعرا بالاضطهاد وموقنا أن أياد خافية تحاربه في الوسط الفني. لم يكن يرغب حتى في نسيان شظف الحياة في صالة بديعة مصابني حينما بدأ عازف في فرقتها ليعيل أمه وأخته أسمهان، كانت الراقصة الكبيرة التي كانت يومها صاحبة نفوذ كبير في الأوساط الراقية تعامله بالقطعة، فإذا صفق الجمهور له في ليلة كانت تدعوه للعشاء على مائدتها، وإذا لم يصفق له السكارى في ليلة أخرى أشاحت عنه بوجهها، وكم كان ذلك قاسيا على الأمير الدرزي العاشق للفن. لكن يظل الموت المبكر لأسمهان الفجيعة التي غيرت مجرى حياته إلى الأبد، وطبعت صوته بصبغة الحزن لم تغادره حتى في أحلى لحظات حياته.

كانت أسمهان عالم فريد الأثير،فلم يخرج للفضاء والنور من صالة مصابني المعتمة إلا مع تلحينه لأغنية “ليالي الأنس في فيينا” التي غنتها الشقيقة في فيلم”غرام وانتقام”. كانت أسمهان لونا صوتيا وغنائيا متميزا، ساعدت فريد بصوتها في نشر إبداعه. لكن رحيلها المفاجئ قصم ظهره وكانت الخسارة مضاعفة..عاطفية لفقده الأخت، وفنية لخسارته شريك وثنائي ناجح.

فرض موت أسمهان على الفتى، المولود في بلدة “القريا” في جيل الدروز، حياة أشبه بالمقامرة، وعشق بعدها المقامرة، صاحبه إحساس بأن الحياة صدمته مبكرا، وأصبح يخشى من نفسه ويخاف من الوحدة، عشق الليل والسهر وتمنى أن تتحول الحياة كلها لليل طويل، محاطا دوما بأصدقاء، ومجلسه دائم للفرفشة والأنس والسرور والتسلية وقليل من الغناء. افتقد فردي الأسرة فعاش وحيدا وكان اسمه في معظم أفلامه “وحيد”. لم يؤمن كثيرا بمؤسسة الزواج، ولم يثق كثيرا في المرأة كان يحب أن يحيى “اليوم بيومه” بلا قيود كان يظنها في الزواج.    

أحب فريد سميرة احمد بعد أن وقفت أمامه في فيلم”شاطئ الحب”، أسرته شخصيتها الجذابة ورقتها، شعر أنه أمام امرأة تختلف عن كل النساء اللواتي عرفهن في حياته. دعاها لمجلسه الساهر وعلمها لعبة “الكومي”..ويضحك من قلبه عندما تسأله وبراءة الأطفال في عينها: أديله “بصلة يا فريد؟ تقصد باصرة. صارحها بحبه لها وبادلته حبا بحب. لكن سميرة كانت تعي أن الحب يعني الزواج، فيما لم يعي ذلك فريد أبدا. وغابت سميرة عن حفلاته.أرسل لها هدية عندما كان في بيروت، سيارة “سبور” وملابس وعطورا لكن سميرة رفضتها. غضب فريد منها وردت عليه لا شيء غير الزواج. قرر فريد العودة إلى القاهرة ليتحدث معها، وكان موعد العودة صباح يوم 5 يونيو عام 1967. اتصل به عبد الوهاب وهو يحزم حقائبه ليخبره أن الحرب نشبت وأن المطارات أغلقت.

البرنس فريد كان إنسانا بسيطا ومتواضعا لكن العطاء عنده بلا حدود للآخرين، لم يكن يحسبها أبدا، مارس الحياة بكرم حاتمي مذهل. يوما كانت الفرقة الماسية تحيي بعض الحفلات في دبي، وفي طريق عودة أعضاء الفرقة وكان عددهم حوالي الثلاثين من دبي إلى القاهرة توقفت بهم الطائرة في بيروت على أن يستقلوا طائرة أخرى من بيروت إلى القاهرة، لكن أول طائرة الى القاهرة كانت في صبيحة اليوم التالي. واحتارت الفرقة، لأنهم أعضائها لم تكن لديهم أموال تكفي لحجز ليلة في فنادق بيروت لقضاء الليل. وتجمع أعضاء الفرقة في فندق بريستول يتشاورن، إذ يراهم فريد صدفة أثناء خروجه، وبمجرد أن علم بالمشكلة أصر على أن ينزل الجميع في الفندق على نفقته الخاصة، بل ودعا أعضاء الفرقة الى مأدبة ضخمة تكفي مائة فرد في مطعم اليلدزلار الشهير.

ويلتقي فريد “المقامر” وبصحبته الممثلة الأمريكية ريثا هيوارث  صديقه الموسيقار محمد عبد الوهاب في باريس، ويقرر فريد دعوة عبد الوهاب لمشاهدة سباق الخيل الذي كان مولعا به. ويطلب من عبد الوهاب أن يرشح له رقما ليلعب عليه في السباق، الذي اعتذر لعدم خبرته في الموضوع، لكن فريد أصر، واختار عبد الوهاب رقم “7” لأنه كان  يتفاءل به. ويلعب فريد ويكسب أربعة آلاف جنيه مرة واحدة. ليصر على اقتسامها مع عبد الوهاب، وحاول الأخير مرارا أن يرفض لأنه اعتبر الأمر كله مجرد مزحة، لكن فريد لم يهدأ إلا بعد أن اقتسم عبد الوهاب المبلغ معه.

مساهمة فريد في الغناء العربي امتدت إلى جبهة واسعة جدا، شملت كل الألوان..من الأغنية القصيرة إلى الطويلة، إلى الاستعراضية، الى الشعبية، إلى الاوبريتات. الأغنية الطويلة عند فريد كثيرة وخالدة من بينها أغنية “الربيع” و”بنادي عليك”و”حبيب العمر”، هذه الأغاني الطويلة التي تمتد لأكثر من نصف ساعة، وربما كانت تصل في الحفلات إلى حوالي ساعة ونصف الساعة، ولم يكن بمستطاع أن تتحمله الجماهير إلا من صوت قادر له مسافة رائعة ومقدرة هائلة على الأداء. كان فريد بخلفيته التلحينية الكبيرة قادر على إعادة الجملة بإضافات جيدة وجميلة وممتعة، ولا عجب أذن أن استمر يغني أغنية الربيع طيلة 25 عاما متواصلة على المسرح، فيما لم يمكن استقبال الجماهير له في كل مرة يغنيها إلا تعبيرا عن إيمانهم بهذه الموهبة الفذة.

الأمير القادم من قصور جبل الدروز تمرغ إلى حد الدهشة في عوالم الأغنية الشعبية المصرية كأنه قادم من حواري السيدة زينب، إذ ساهم بعشرات الأغنيات إلي تميزت بالإيقاع الشعبي الراقص، والبساطة في التلحين، ومن ينسى الفاتنة هند رستم وهي تتمايل راقصة على أنغام “يا مقبل يوم وليلة” في فيلم “انت حبيبي”، حينما  جلس “الأمير” فريد مع الفلاحين في عربة قطار ليغني للفلاحة المصرية “وديني للزينة الفلاحة مشتاق وقاتلني الشوق”. ومن لم يتغن يوما بأغانيه الخفيفة “ما قالي وقلتله” و” نورا يا نورا” و”قلبي ومفتاحه” أو”يا ابو ضحكة جنان” حين لم تكن هناك أحلى من ضحكة فاتن حمامة…زمان يا حب.

الأغنية الحديثة كانت حاضرة أيضا عند فريد، إذ خرج بها إلى آفاق أخرى غير اللون العربي، لكنه لم يحد عن الأصالة في الإحساس بها، نقل بمهارة بعضا من ألوان الغناء الغربي كالتانجو إلى موسيقانا العربية على نحو ما أبدع في “يا زهرة في خيالي” و”أنا واللي بحبه”.

مكث فريد في بيروت معظم أيامه الأخيرة فيما وهن قلبه المثقل بالجراح المولع بالسهر، لم يعد إلى مصر منذ نشوب الحرب. كان الخروج الأخير صعبا، إذ أراد أن يغادر مصر إلي بيروت لزيارة أمه المريضة ومنها إلى لندن لمراجعة حالته الصحية عند طبيبه، فظل شهرا يحاول الحصول على تأشيرة خروج دون جدوى، إلى أن توسط كامل الشناوي، وتحدث إلى الأستاذ هيكل، لينقل الشكوى إلى الرئيس جمال عبد الناصر، الذي أمر بمنحه تأشيرة الخروج في الحال.

صدمه في بيروت موت صديقه الأثير عبد السلام النابلسي في 1968، لكن قلبه هو لم يعد يحتمل أكثر من ذلك. سافر إلى لندن للعلاج في ديسمبر عام 74، قال له طبيبه أن نصف القلب الذي تعيش به أصبح ربعا ناصحا إياه بالعودة. كان واثقا من موته خصوصا بعد أن فقد أثناء تصوير فيلم “نغم في حياتي” المصحف الذي أهدته إياه سامية جمال قبل 25 عاما في ذروة حبها له، قالت له يومها” أحفظه يا فريد..لأنه يقيك من كل الشرور”. عاد إلى بيروت إلى مستشفى الحايك بسن الفيل، الغرفة 202، بعدها بيومين توقف قلبه عن النبض. كانت ولادته في عيد الأضحى ومات أيضا في المستشفى صبيحة عيد الأضحى من عام 1974. والى بيت الطائفة الدرزية انتقل الجثمان ثم إلى القاهرة. لم يختر أشياء كثيرة في حياته، لكنه هذه المرة حرص على أن يدفن بجوار أسمهان التي رحلت عنه مبكرا جدا، فيما كان في أمس الحاجة للاستئناس بها قليلا.      

 

مقالات من نفس القسم