تمثال الروح الضالَّة

ساكي
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

ساكي [1]

ترجمة: ناصر الحلواني

كان هناك عدد من المنحوتات الحجرية الموضوعة على مسافات متساوية، على طول درابزين سطح الكاتدرائية القديمة. كان بعضها يصور ملائكة، والبعض الآخر ملوكا وأساقفة، وكانت جميعها تتموضع في حال سمو إيماني وسكينة. لكن تمثالا واحدًا، كامدا، في الجانب الشمالي البارد من المبنى، لم يكن له تاج، ولا قلنسوة أسقف، ولا هالة نورانية، وكان وجهه قاسيًا تعلوه المرارة والسكون، “لابد وأنه شيطان”، قالت الحمامات الزرقاء السمينة، التي تحط لتتشمَّس طوال اليوم على حواف الإفريز، لكن الغراب العجوز الذي يسكن برج الجرس، والذي كان خبيرا في العمارة الكنسية، قال إنه كان روحًا ضائعة. وهكذا استقر الأمر.

في أحد أيام الخريف، رفرف فوق سطح الكاتدرائية طائر هزيل ذو صوت جميل، كان يهيم بعيدا عن الحقول الجرداء، وسياج الشجيرات الذابلة، بحثا عن مكان يعشش فيه في الشتاء. حاول أن يُريح قدميه المتعبة في ظل جناح ملاك عظيم، أو أن يؤوي إلى ثنايا رداء ملكي، لكن الحمامات السمينة كانت تدفعه بعيدًا كلما استقر في مكان، ودفعته جماعة العصافير المزعجة بعيدًا عن حواف الإفريز. “لا يوجد طائر محترم يغني بمثل هذه المشاعر الجياشة” زقزقت العصافير قائلة لبعضها البعض، وكان على الطائر الهائم أن يبتعد عن المكان.

وحده التمثال البشع والكامد للروح الضالة مَن عرض مكانا ليلجأ إليه الطائر. لم يعتبر الحمام آمنا أن يحطَّ على نتوء شديد الميل، بالإضافة إلى أنه يقع بأكمله في الظل. لم تكن يدا التمثال تتقاطعان على النحو الورع مثلما هي المنحوتات الأخرى ذات المقام الرفيع، وإنما كانت ذراعاه مضمومتين في هيئة تحدي، وشكلَّت جوانبها موضعا مريحًا للطائر الصغير. في كل مساء كان يتسلل بثقة إلى ركنه المقابل للصدر الحجري للتمثال، الذي بدت عيناه الداكنتان كما لو كانت تراقب غفواته. نما الطائر الوحيد على حبِّ حاميه الوحيد، وكان بين الحين والآخر، أثناء النهار، يحطُّ على أنبوب تصريف المطر، أو على دعامة أخرى، ويردد أحلى زقزقاته الموسيقية، شاكرا ممتنا لمأواه الليلي. وربما كان بتأثير الرياح والطقس، أو بعض العوامل الأخرى، بدا الوجه المنحوت بنحو وحشي وكأنه يفقد شيئًا من قسوته وتعاسته. كل يوم، خلال الساعات الطويلة الرتيبة، كانت تغريدات ضيفه الصغير تصعد في ترديدات خاطفة إلى متابعه الوحيد، وفي المساء، حينما يجلجل جرس المساء، وتنساب الخفافيش الرمادية الكبيرة خارجة من مخابئها في سقف برج الجرس، يعود الطائر المتلألئ العينين، ويشدو ببعض الألحان الهادئة، ويسكن إلى الذراعين اللذين تنتظراه. كانت تلك أياما سعيدة للتمثال الكامد. وكان جرس الكاتدرائية الكبير، يرن يوميا منشدا رسالته الساخرة: “بعد الفرح … الحزن”.

(2)

لاحظ القوم في المنزل الخاص بخدم الكنيسة طائرًا بنيًا صغيرًا يحوِّمُ حول ساحات الكاتدرائية، وأبدوا إعجابهم بشدوه الجميل. “لكن من المؤسف” قالوا “أن يذهب هذا الشدو سدى، ويضيع بعيدًا عن السماع، على الإفريز في الأعلى”. كانوا فقراء، لكنهم كانوا يفهمون مبادئ الاقتصاد السياسي. لذلك، أمسكوا بالطائر، ووضعوه في قفص صغير من الخيزران خارج باب المنزل.

في تلك الليلة، افتُقد ترديد المنشد الصغير المعتاد، وعانى التمثال الكامد، أكثر من أي وقت مضى، من مرارة الوحدة. ربما قُتل صديقه الصغير على يد قطة جوَّالة، أو أصيب بحجر. ربما . . . ربما رحل إلى مكان آخر. ولكن عندما جاء الصباح، تناهى إلى سمعه، من بين ضوضاء وصخب عالم الكاتدرائية، رسالة خافتة موجعة للقلب، من السجين في قفص الخيزران، تأتي من أسفل. وفي كل يوم، في الظهيرة، عندما تكون الحمامات السمينة خاملة في صمت، بعد تناولها لوجبة منتصف النهار، والعصافير تتحمم في برك المياه في الشارع، تصعد أغنية العصفور الصغير إلى إفريز السطح – أغنية جوع و شوق ويأس، صرخة من غير المقدور الرد عليها. لاحظت الحمامات، بين أوقات الوجبات، أن التمثال يزداد ميله إلى الأمام، أكثر من أي وقت مضى.

ذات يوم، لم ينبعث أي شدو من القفص الخيزران الصغير. كان أبرد أيام الشتاء، والحمام والعصافير على سطح الكاتدرائية، يبحثون بقلق، في كافة الأنحاء، عن بقايا الطعام التي كانوا يعتمدون عليها في مثل هذا الطقس القاسي.

“هل ألقى ساكنو المنزل أي شيء على كوم القمامة؟” سألت إحدى الحمامات حمامة أخرى، كانت تطل على حافة الإفريز الشمالي.

“فقط طائر صغير ميت” أجابت.

كان هناك صوت قرقعة في الليل، على سطح الكاتدرائية، وضوضاء، كما لو بسبب سقوط بناء. قال الغراب الساكن برج الجرس إن الصقيع يؤثر على المبنى، ولأنه تعرض للعديد من مواسم الصقيع، فلا بد أنه هذا هو سبب القرقعة. في الصباح، شوهد تمثال الروح الضالة ساقطا عن إفريزه، وصار حطاما مركوما فوق كومة القمامة، خارج المنزل.

(3)

“هذا جيد”، هدلت الحمامات السمينة، بعدما حدقت في الركام لبضع دقائق، “الآن سيكون لدينا ملاك لطيف يوضع هناك. من المؤكد أنهم سيضعون ملاكًا هناك”.

“بعد الفرح … الحزن”، أنشد رنين الجرس الكبير.

……………………

[1] ساكي، هو الاسم الأدبي للكاتب البريطاني هيكتور هيو مونرو (1870 – 1916)، ويُرجع هذا الاسم إلى كلمة “ساقي” العربية، ومصدرها “رباعيات الخيام”، كما أكد أحد الصحفيين في عصره وأخته إيثيل مونرو. اعتبره معلمو وعلماء اللغة الإنجليزية سيد القصة القصيرة. تصطبغ أعماله بالهجاء الساخر من المجتمع، والثقافة، في عهد الملك إدوار السابع (1901 – 1910). له العديد من القصص القصيرة، ورواية قصيرة، وبعض المسرحيات. [المترجم]

مقالات من نفس القسم

عبد الرزاق جرنة
أعجمي
ناصر الحلواني

أقفاص