ميلان كونديرا وفن الرواية

كونديرا

بيير لوباب

ترجمة: الحسن علاج

«إن روائيًا يتحدث عن فن الرواية ليس أستاذًا يحاضر من على منبره. تخيّلوه، بدلًا من ذلك، رسامًا يستقبلكم في مرسمه، حيث لوحاته المثبّتة على الجدران، من كل جانب، تختلس إليكم النظر». مع كتاب «الستارة» (Le Rideau)، يدعونا ميلان كونديرا إلى اكتشاف ورشته الروائية. يتحدث فيه عن نفسه وعن كتبه، خلسةً إلى حد ما؛ كما يتحدث عن الآخرين، وعن رواياتهم التي يُعجب بها أو يحبها (والأمران يجتمعان غالبًا)، والتي تظل «حاضرةً خفيةً في عمله الخاص». تلك اللوحات، التي تُرى جميعها في ضوء المرسم، تتحدث عن نفسها وتتحاور فيما بينها، وتمتزج بصوت ميلان كونديرا الخاص، لتشكّل نمطًا معينًا من الحكاية: نسخته الشخصية عن تاريخ الرواية.
وقبل نحو عشرين سنة، في عام 1986، جمع كونديرا دراسةً مؤلفة من سبعة أجزاء، طوّر فيها تصوّراته عن فن الرواية بوصفه روائيًا (1).
أما ما يتناوله الآن فهو تاريخ الرواية نفسه، بمنهجية لا هي منهجية المؤرخين، ولا منهجية التاريخ الأدبي الجامعي، ولا منهجية الصياغة النظرية، ولا منهجية الاستطيقا الفلسفية. لقد اقتسم تجربةً مزدوجة، قارئًا وكاتبًا للروايات. يتحدث القارئ عن الطريقة التي مزّقت بها الروايات، منذ رابليه، وبشكل واضح منذ سرفانتيس، حجبَ الجهل والأفكار الجاهزة التي تخيّم على الواقع، ولا سيما الواقع البشري: «ما لا تستطيع الرواية وحدها قوله». ويروي الكاتب كيف تشكّل كتب الآخرين تاريخًا يمكن لرواياته أن تجد فيه مكانًا لها، وأن تؤكد في الوقت نفسه فرادتها التي لا يمكن اختزالها.
تاريخ الرواية كُلٌّ، تحيل إليه كل رواية. ولا تُبطل روايةٌ روايةً أخرى، كما تُبطل الجمهوريةُ الملكيةَ.
فحتى إن انخرطت الأجيال الجديدة من الروائيين في الكتابة، مدفوعةً بطموح ووهم إبطال كتابات آبائهم وحجبها، فإن الأمر لا يتعلق بدحض ما أُنجز، بقدر ما يتعلق بتسليط الضوء على مناطق لم تُستغل كما ينبغي، والتركيز على ألغاز جديدة. كل روائي يغترف من تاريخ الرواية برمّته موادَّ فنه.
سيقول المؤرخون ومنظّرو الأدب إن ورشة كونديرا مرتّبة ترتيبًا سيئًا. فلا يُراعى فيها التسلسل الزمني منذ البداية إلا بغية انتهاكه لاحقًا. يتقاسم الروائيون جميعًا: سرفانتيس، وموزيل، وديدرو، ورابليه، وبروست، وبلزاك، وغومبروفيتش، وستيرن، وبروش، ودوستويفسكي، تركةً ولغاتٍ امتدتا عبر القرون. وذلك من دون إغفال دور الحدود الوطنية في تشييد النوادي الأدبية، ومن دون نسيان تسليط الضوء على «الفجوة التي يصعب ردمها» بين اللغات «الكبرى» واللغات «الصغرى» — تلك الفجوة التي كان كافكا سيعرفها لو أنه كتب بالتشيكية بدلًا من الألمانية. ومع ذلك، لا يعارض كونديرا «السياق الصغير»، الذي يضع العمل الفني في إطار التاريخ الوطني (فـ«البؤساء» أعظم رواية فرنسية)، بـ«السياق الكبير»، أي سياق الفن الروائي العابر للحدود، حيث لا تحتل رواية «البؤساء» إلا حيزًا هامشيًا. وهذا ما كان غوته يطلق عليه «الأدب العالمي»، وهو ما مكّن الرواية من الانفلات من الاختزال الإقليمي. وحتى إن أكد كونديرا أن «أوروبا لم تنجح في التفكير في الأدب كوحدة تاريخية، ولن أتوقف عن تكرار القول إن هنا يكمن فشلها الثقافي الذريع»، فإن له أيضًا صفحات رائعة يستحضر فيها «الجسر الفضي» الذي امتد بين رواية أوروبا الوسطى في ثلاثينيات القرن العشرين و«طفرة» الرواية الأمريكية اللاتينية في سبعينياته.
وسينتقد المحافظون مرة أخرى استهتار كونديرا بحدود التسلسلين الزمني والجغرافي، وسيقولون إنه يضيف إلى ذلك فوضى الجرد الشخصي لموضوعاته، التي يقذف بها هنا وهناك تحت تأثير دعابات عابرة، مثيرة للقلق، وحساسة لتقلبات خياله الجامح.
إن الخطاب الرئيس، وهو خطاب تاريخ الرواية، تخترقه وتزيّنه محكيات قصيرة ثانوية، بعضها وجيز جدًا، ومختلفة الخصائص تمامًا: ملاحظات حول المبتذل (الكيتش)، ومقال قصير عن الدعابة، وتأمل في الشباب، ودروس في التاريخ — نيرة، جديرة بأن تُدرج في برامج العلوم السياسية — عن أوروبا الوسطى، ومقال عن الدلالة الوجودية للضحك، وقراءة لسوفوكليس، وتنويع حول النسيان، ومحاولة لتعريف الحماقة، وأشياء أخرى كثيرة تبدو كأنها تتسرّب إلى الصفحات، مستفيدةً من الحرية المتسامحة التي يمنحها إياها المؤلف.
والحرية هي أيضًا ما يهيمن على نبرة الكتاب. وليست المقصودة حرية الأسلوب؛ فأسلوب كونديرا موجَّه بالكامل بضرورات الاقتصاد، وهي بدورها خاضعة لأخلاقية ما، وتابعة في نهاية المطاف لاستطيقا معينة. يتعلق الأمر، في كل لحظة، بمنح الفكر تعبيرًا أدق وأبسط وأكثر اكتمالًا، وخاليًا من الزخارف الزائدة. ولذلك لم يكفّ كونديرا عن إضفاء لمسات لطيفة على وضوح جملته الرائع والصارم: دعابة تغمر كل شيء مثل نور المساء؛ وطريقة موفقة تجمع قوة الإيمان، والحضور المألوف للشك، وابتهاجات العقل السجالي في حركة الفقرة الواحدة. بإمكانه أن يكتفي بإبراز ما يقوله، وسبب صوابه وعمقه الإنساني؛ لكنه لا بد أن يضيف إلى ذلك متعة الإغراء، التي لا تنفصل لديه عن ممارسة فكرية قوامها التواضع.
بفضل تركيز العقل، تمنح «الستارة» تاريخًا للرواية متواصلًا، ومكوّنًا في الوقت نفسه من حشد متفاعل من التواريخ الاستثنائية. ومن المؤكد أن المرء سيفهم أن الفوضى الظاهرة في الكتاب تخفي، كي لا يتفكك، تأليفًا صارمًا لمادته، بحركاتها الواضحة بقوة، وموضوعاتها التي تُعرض وتُقارَب وتخضع للتقلب، وبإيقاعاتها المتعددة وتوزيعها ولعبة أصدائها. والورشة، في نهاية المطاف، غرفة مرتّبة بعناية فائقة، سعيًا إلى أثر معرفي مقصود صراحةً: عمل فني.
وقد يراود المرء، في الوقت الحاضر، حلمٌ بأن يعود الكاتب كونديرا، بعد «اعترافاته» حول الممارسة وتاريخ الرواية، مرة أخرى إلى تجربته الأدبية الفريدة، ليكتب «فن المقالة»، ذلك التاريخ الآخر لستارة ممزقة.
……………………………
*فن الرواية، ميلان كونديرا، غاليمار، 1986؛ أُعيد طبعه لدى منشورات فوليو.
*مصدر المقال: المجلة الأدبية الفرنسية (Le Magazine Littéraire)، العدد 442، مايو 2005.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع