أجرى الحوار: جيروم دوبوي
ترجمة: الحسن علاج
مترجم حياة الكاتب وصديق مقرب من أرملته، لوسيت ديستوش (Lucette Destouches)، قام فرانسوا جيبو (François Gibault) بكتابة مقدمة لروايته الأخيرة ريغيدون، التي تم نشرها عام 1969. توصل المحامي بعدد من مجلة اقرأ Lire) (سنة 2008، من أجل استحضار حياته البطولية.
ما هي الظروف التي تمكنتم فيها من لقاء سيلين (Céline) ؟
فرانسوا جيبو ـ لقد تعرفت على زوجته لوسيت ديستوش، وذلك بفضل المحامي أندريه داميان (André Damien) في شهر يوليوز 1962، عام بعد وفاة الكاتب، في ظل ظروف خاصة إلى حد ما. كبوت كبوة خرقاء أثناء رحلة وكانت هي من ساعدتني على استعادة عافيتي، بمساعدة تمارين رياضية. وتدريجيا، فقد أسندت إلي مهمة فك شفرة مخطوط رواية ريغودون Rigodon) (التي تركها سيلين عند وفاته. طيلة أسبوع، كنت أترافع في القضايا الكبرى في ذلك العهد (اغتيال المهدي بن بركة…) وفي يوم الأحد، كنت أستعين بعدسة مكبرة لتفكيك خطوط ريغودون، ببلدة مودون، في نفس الأماكن التي كان يشتغل الكاتب فيها. لقد أخذ مني ذلك سنوات عديدة. غالبا ما كنت برفقة صديقي بوب ويستوف Bob Westhoff) (، الزوج السابق لفرانسواز ساغان، وقد جرى هذا العمل في أجواء مرحة. أخيرا، وعند نشر الكتاب، سنة 1969، فقد شرفتني لوسيت ديستوش بكتابة تقديم له.
لماذا انخرطتم فيما بعد في كتابة سيرة لويس فرديناند سيلين؟
ف. ج. ـ لقد قدمتني السيدة ديستوش إلى مارسيل أيمي Marcel Aymé) (، جين بول Gen Paul) (، هنري ماهي Henri Mahé) (، جان ديبوفيهJean Dubuffet) (وعدد من أصدقاء سيلين آخرين. كما أطلعتني على مراسلات وصور غير منشورة. وفي يوم من الأيام، اقترحت عليّ سيمون غاليمار، التي كانت تشرف على مجلة (Mercure de France)، كتابة سيرة حياة. قبلت، معتقدا إنني كنت في وضع مناسب للقيام بذلك. استغرق مني ذلك خمسة عشر عاما. اقتفيت آثار سيلين في الدانمارك، روسيا، ألمانيا، إنجلترا، إفريقيا… لقد اطلعت على أرشيف وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية والقضاء العسكري.
مكنتني السيدة بديرسون Pedersen) (، وهي وزيرة للعدل الدانماركي [من 1950 إلى 1953]، من زيارة الزنزانة التي كان الكاتب محبوسا فيها بكوبنهاغن. إن كوني غالبا ما أكون في صحبة مدام ديستوش، وصفتي كمحام يطمئن محاوريَّ. علاوة على ذلك فإني ممتن للسيدة ديستوش لأنه لم يسبق لها أبدا المطالبة بقراءة النص قبل نشره.
لقد كانت مغامرة رائعة، إذ إن لويس فرديناند سيلين شارك في مآسي القرن العشرين قاطبة ثم إن عمله الروائي هو في جزء كبير منه عمل سيرذاتي.
من أي وسط ينحدر سيلين؟
ف.ج. ـ بإمكان المرء القول أنه ينتمي إلى وسط بورجوازي صغير، ذي طموحات أرستقراطية، وبإمكانيات كادح. ويعتبر الأب ـ الذي لا يكن له الابن أي إعجاب ـ موظفا متوسطا في شركة تأمينات وتشتغل الأم ببيع أقمشة الدانتيل. أضف إلى ذلك، فإن لويس تربى في أحضان النساء ـ أمه وجدته من أمه، سيلين غيو، التي سوف يقوم بتكريمها فيما بعد، متخذا من اسمها الشخصي اسما مستعارا للكاتب. ازداد لويس في 27 من شهر ماي 1894، منحدر جسر بكوربوفوا ـ كما سيتذكر ذلك طيلة حياته، مشيدا أسطورة عن قاطن الضاحية. فعلا لقد هاجر، وهو في الثانية من عمره، مع أبويه إلى باريس، حارة بابيلون ثم معبر شوازول، بالقرب من حي الشوارع الكبيرة. لطالما قارن المعبر في وقت لاحق ب” ناقوس غاز “. لقد تمكنت من النفاذ إلى مساكنهم: وفي واقع الأمر فقد كان ضيقا للغاية، مع متجر قماش الدانتيل في الأسفل، سلم صاعد في الطابق الأول، وفي الطابق الثاني، أعلى المظلة الزجاجية، توجد غرفة لويس، حيث كان بالإمكان رؤية السماء.
هل كانت طفولته سعيدة؟
ف.ج. ـ ليس تماما. لقد كان طفلا وحيدا، ثم إنه كان مضايقا طيلة الوقت من قبل أبويه. لم يمتلكا سيارة، ونادرا ما كانا يخرجان في العطل. وسيشكل مشهد الغرب المتوحش Buffalo Bill) (والمعرض العالمي لعام 1900، ذكرىً من ذكرياته الكبرى. قلما كانت تلك الأسرة تؤمن بالجامعة وكانت تحدوها الرغبة في دفع لويس كي ينخرط في التجارة. وبمجرد نيله لشهادة الدراسات، والتي ستظل شهادته الوحيدة، فقد تم إرساله، من أجل إجادة لغة أجنبية بمدينة دايفولز وكارلسروها بألمانيا، ثم بمدينة برادستيرس وروشستر بأنجلترا. إنها طفولة أكثر اعتزالا، وسوف يحافظ طيلة حياته، إلى حدود سنواته الأخيرة، ببلدة مودون، على الرغبة في الوحدة. علاوة على ذلك، سيصبح كاتبا منعزلا، لا ينتمي إلى أي مدرسة، كنيسة صغيرة أو أكاديمية. ستتحول حياته إلى فرار طويل إلى الأمام، من أجل الخروج من شرطه الاجتماعي، تماما مثل سعيه وراء ابتكار كتابة متخلصة من صيغ التعبير التقليدية.
هل ترعرع في بيئة معادية للسامية؟
ف. ج. ـ لا يمكن أن ننسى أبدا أن لويس فردناند سيلين ولد في السنة التي تفجرت فيها قضية درايفوس. فقد خضّت تلك المأساة طفولته. لما أصبح مُتابعا، بعد 1945، من قبل المحاكم، فقد قال في نفسه بلا هوادة إنه ” ضحية قضية درايفوس بالمقلوب “. وأبوه الذي كان مواظبا على قراءة الجريدة اليومية الكلام الحر، التي أسسها الصحافي دريمون Drumont) ([جريدة معادية للسامية ]، كان يعارض مراجعة محكمة دريفوس، على غرار أصحاب المتاجر الصغار معتقدا رؤية البنك والمقاولات الكبرى تسود في كل مكان. إضافة إلى ذلك فقد كان ناقما وجعل من لويس وطنيا صغيرا صالحا فرنسيا.
لطالما ادعى سيلين انخراطه في الحرب العالمية الأولى. هل ينطبق ذلك مع الواقع؟
ف.ج. ـ ليس تماما، كما جرت العادة محدد دائما. وفي الواقع، فقد انخرط في صفوف الجيش قبل السن القانونية لذلك، سنة 1912، ملتحقا بالفيلق الثاني عشر للمدرعات، ببلدة رامبوييه Rambouillet) (. لكنه لم يكن يشكل جزءا من جيش محترف أبدا. ومع ذلك، فقد تمتع ببسالة كبيرة، وسوف ينطبع ذلك على جسده وروحه بواسطة الحرب، مثلما سيعبر عن ذلك بشكل يبعث على الدهشة في الصفحات الأولى لرواية رحلة في أقاصي الليل. منذ بداية الحرب سوف يعاني من جرحين. عند المرة الأولى، انفجار قذيفة قريبا منه، قذفت به إلى شجرة، متسببة له في اضطرابات في الأذن، وهو ما يستسبب له في معاناة طيلة حياته، من الدوخة والصفير ـ ” الانهيارات الجليدية ” الشهيرة التي استحضرها في رواية موت بالتقسيط. سوف يتلقى الرقيب الأول ديستوش جرحا خطيرا للغاية مرة ثانية، بواسطة رصاصة في إقليم الفلاندرز، بالقرب من بلدية بويلكا بيل، في 27 أكتوبر 1914، أثناء تطوعه لنقل رسالة عبر الخطوط. لقد تم التسليم بأنه معاق بنسبة 75 % ـ وحتى أنه يتم التفكير في بتره ! ـ، وسوف يحتفظ بذلك طيلة حياته، بآثار في الذراع الأيمن، وسيكتب بيد معوجة. من ناحية أخرى، فهو لم يسبق له أبدا تثقيب جمجمته، مثلما أكد ذلك أحيانا، ومثل الكثيرين الذين كرروا ذلك. وبفضل فعله البطولي، فقد استحق الغلاف الرابع للأسبوعية المصورة ويمنح وسام الصليب العسكري والميدالية العسكرية. لكنه بطل مصدوم يتمتع بروح حربية ومسالمة في نفس الوقت، يعود من ساحة الوغى.
أعقب ذلك فترة غريبة بلندن، لا نعرف عنها إلا النزر القليل…
ف. ج. ـ بعد تعافيه بمستشفى فال ـ دو ـ غراس، بُعث إلى هناك، في عام 1915، كموظف في مكتب الجوازات بقنصلية فرنسا. وفي لندن، سوف يعيد بناء ما تم تدميره تماما. وبمعية صديقه جورج جيوفروا، سوف يستمتعان بالحياة بعد فظائع الخنادق. يترددان على حانات حي سوهو المشبوهة والمرسى، وبدون شك المواخير. وتم العثور على الديكور المريب في رواية Guignol’sband) (، التي تمت كتابتها بعد ثلاثين سنة. وفي لندن بتاريخ 19 يناير 1916، سيعلن زواجه بشكل عفوي من سوزان نوبو، ثم سرعان ما انفصل عنها على وجه السرعة. ” أنا رجل الرحيل المتسرع “، كتب ذلك إلى عمه في ذلك العهد. ونظرا لكونه لم يتم التصديق على تلك الرابطة بقنصلية فرنسا، فإن ذلك الزواج لن يكون له أي سند قانوني بفرنسا.
هل التقى هناك بماتا هاري، كما يُقال؟
ف.ج. ـ ربما استدعته ماتا هاري لتناول الغذاء في شقتها بفندق سافوا، رفقة صديقه جيوفروا Geoffroy) (. لا شيء يثبت ذلك، لكن هذا محتمل الوقوع تماما. لقد كانت الجاسوسة بلندن في نفس الفترة التي كان سيلين يتردد عليها، من أجل أنشطة أعضاء القنصليات…
لماذا ذهب إلى إفريقيا إذن؟
ف. ج. ـ لقد تم تسريحه من الجندية تماما، وهو في سن الثانية والعشرين، وقد تم إغراؤه بأحلام الثروة. اجتاحت كل من فرنسا وإنجلترا الكاميرون، وهي مستعمرة ألمانية سابقة، وكان الأمر يتعلق بإيجاد أشخاص لاحتلال الأرض. وقع سيلين عقدا مع الشركة الغابوية سانغا ـ أوبانغي Sangha-Oubangui) (فوجد نفسه في بنكوميمبو، بلدة صغيرة تبعد بعشرين يوما سيرا عن مدينة دوالا. كان يمارس المقايضة مع الأهالي ـ السجائر مقابل أنياب الفيل… وفي مستهل شتنبر 1916، تولى تسيير مزرعة كاكاو بجزيرة دبيكار. لقد ذهبت إلى تلك المناطق، مقتفيا آثاره، وهي في الوقت الحاضر تشكل منظرا لغابة شملها الضياع تماما. يتم تخيله وحيدا في الليل الإفريقي، منزعجا من الضجات، مثلما روى ذلك بشكل غاية في الروعة، في رواية رحلة في أقاصي الليل. يعيش سيلين في ظل ظروف مناخية وصحية سيئة. أصيب بحمى المستنقعات والزحار الإسهالي، كان يقضي أسابيع في كوخه، في وسط الغابة الاستوائية، يتصبب عرقا، يشرب نبيذ الأفيون حتى الثمالة. مُتعبا من دون تكوين ثروة، انتهى به المطاف إلى طلب العودة إلى الوطن ربيع 1917.
تشبه حياته حياة مغامر. هل شرع فعلا في الكتابة في ذلك العهد؟
ف. ج. ـ بالكاد. لقد أعيد اكتشاف أول أثر في ظروف غير متوقعة جدا. أثناء مروره في الفيلق الثاني عشر، ببلدة رامبوييه، فقد شرع في التحرير، في دفتر صغير مغلف بفرو جلد أسود اللون، دفتر يوميات كانت بدايته كالتالي: ” قد لا أملك القدرة على التصريح بما كان يحثني على أن أنقل كتابة ما أفكر فيه كتابة. ” عندما أصيب بجرح في الخطوط الأمامية، فقد أودع حقيبته لدى جندي، هو موريس لانغلي (Maurice Langlet)، الذي احتفظ بالمذكرة. وبمجرد صدور رواية من قلعة لأخرى، قام لانغلي بمقاربة بين الرقيب أول ديستوس والروائي سيلين ! لذلك فقد أعاد إلى صديقه ذلك النص، الذي سيصدر تحت عنوان مفكرة فارس مدرع ديستوش. وبإفريقيا سيشرع في كتابة ـ بخجل ـ أقصوصة تحت عنوان ” أمواج ” وقصيدتين ـ ” عاطفيتين تقريبا ـ بعثها إلى صديقتة.
عند عودته إلى فرنسا، تعرف على رجل ذي مزاج متقلب سوف يصبح واحدا من أهم شخصيات عمله…
ف. ج. ـ طبعا، المخترع راوول ماركيز، الذي يحمل اسما مستعارا هنري دو غرافينييه، وهو نموذج الشخصية المستقبلية كورسيال بريريس لرواية موت بالتقسيط. شغوفا بالطيران بمنطاد الهواء الساخن، ومصممَ أجهزة كهربائية مدهشة، مدمن كتابة غير ندمان ـ نحن ندين له ب140 عملا حول الطائرات الورقية، السيارة أو الخياطة ! ـ ساهم في تحرير مجلة أوريكا. وهناك التقاه سيلين. ويبدو أن لويس كان يده اليمنى، سكرتيرا، ساعيا، موزعا… يوجد قبر هنري دو غرافينييه في الوقت الحالي، بمقبرة سيبتوي [ بلدية إفلينس، ملاحظة التحرير ]. لقد قمت بتغيير الامتياز الثلاثيني لهذه الشخصية السلبية للغاية إلى امتياز مؤبد.
ماهي الظروف التي أصبح فيها لويس ديستوش طبيبا؟
ف. ج. ـ بعد أن جاب إبريطانيا لفترة زمنية، رفقة برامج مؤسسة روكيفلر Rockefeller) (لمحاربة داء السل، حصل على شهادة الباكلوريا سنة 1919. وفي تلك الأثناء تعرف، في مدينة رين، على إديت فولي Edith Follet) (التي سيتزوجها في شهر غشت من تلك السنة. وهي ابنة أطناس فولي، وهو عميد كلية الطب بمدينة رين. استفاد لويس حينئذ من تسهيلات تسمح لقدماء المحاربين باجتياز امتحاناتهم تبعا لدروس مكثفة. وقام في عام 1922 بالفعل، بإتمام ما يعادل أربع سنوات في دراسة الطب بمدينة رين. أكمل تكوينه بباريس، ضاعف تدريباته الطبية، وناقش أطروحته التي خصصها للعالم الهنغاري فليب إنياس سوملويس (Philippe Ignace semmelweis). لقد اقتنعت بأنه كان طبيبا متفوقا، كان يكتفي أحيانا أثناء تشخيص مؤكد، بأن يدون على الوصفات الطبية: ” لا قهوة، لا سجائر، لا كحول “.
في تلك الفترة، كان بمقدور المرء تصور أن الدكتور ديستوش، وهو صهر لشخصية من وجهاء مدينة رين، العميد فولي، أب للصغيرة كوليت ـ مزدادة عام 1920 وفارقت الحياة في سنة 2011 ـ أصبح متبرجزا. لكن كما هو الحال في كل مرة، سوف يلوذ بالفرار في أول سانحة، تاركا زوجته إديت مذهولة. التقيتها فيما بعد مرارا. لقد كانت امرأة فاتنة، أيضا فقد قامت بربط علاقات ودية مع سيلين ـ ولوسيت ـ في آخر أيامها.
يشتغل لويس ديستوش إذن لصالح الأمم…
ف. ج. ـ شعر بالاختناق بمدينة رين، وتم تعيينه ك” طبيب القسم الصحي ب” في عصبة الأمم SDN) (، بجنيف. سوف يرافق مجموعات من الأطباء بأوربا، إفريقيا، الولايات المتحدة ؛ وفي هذا الظرف، فقد اكتشف نيويورك أول مرة. تم استقبال البعثات التي ينتمي إليها، من قبل الرئيس الأمريكي كوليدج وفيما بعد، بروما، من قبل موسليني. سيدعي بكونه اشتغل طبيبا لدى شركة فورد. وفي الواقع، فقد قضى بها يومين وحرر تقريرا: ” ملاحظة حول المنظمة الصحية لمصانع فورد بدترويت “. وكعادته، وانطلاقا من عمل حقيقي، فقد شيد لنفسه أسطورة… ففي ذلك العهد، نهاية 1926 أو بداية 1927، ألف مسرحية تدور أحداثها بعصبة الأمم، الكنيسة. وقد تم رفضها من قبل غاليمار، بالرغم من التعليق اللاحق، المميز جدا: ” حول قوة السخرية، لكن تفتقد إلى الاستمرار، مَلَكة تصوير أوساط أكثر اختلافا “.
ونتيجة لذلك فقد استقر كطبيب..
ف. ج. ـ طبعا، استقر في ضاحية باريسية، ببلدية كليشيه. إلا أن عيادته قلما كانت تستقطب الزبائن، أدمج مستوصف المدينة حيث يقوم بفحص المرضى يوميا. بالتوازي مع ذلك، فقد كتب نصوصا إشهارية، لفائدة مختبرات العلاج الحيوي، تدين له بإشهار واحد لمعجون الأسنان سانوجيل ـ وطور عقارا مضادا للاضطرابات النفسية
للغدة الدرقية المبيضية، عقار تضخم الغدة الدرقية التي تدر عليه بعض الحقوق الهزيلة.
هل هناك شرع في كتابة رواية الهزيع الأخير من الليل؟
ف.ج. ـ لقد ترك عددا معينا من الأحداث من حياته حتى تنضج ـ الحرب، إفريقيا، نيويورك… ـ قبل التعبير عهنا كتابة، وبالتأكيد فقد اشتغل عليها في عام 1929.اشتغل عليها في المساء، يوم الأحد، أثناء الليل، في شقته بحارة لوبيك. لطالما ادعى الشروع في الكتابة، لكسب رزقه، ” تسديد ما عليه من ديون ” لشقته، مثلما كان يقول. لا شيء يبعث على اليقين. روت إليزابيث كرايغ، وهي راقصة أمريكية، التقاها بجنيف، تعيش معه وسوف يهديها روايته، أنه كان يبدو، كما لو كان في حالة غيبوبة، أثناء الكتابة. لابد من تصور ذلك، هو الذي لم يكن يعرف أي كاتب، طبيب متواضع في ضاحية المدينة، يكرس سنوات عديدة من حياته بدون كلل لهذا العمل. لقد سود آلاف الصفحات دون أن يظهرها لأحد. وفي ربيع 1932، أودع مخطوطه لدى غاليمار ودونويل. ماطلت غاليمار واقترحت تخفيضات. قام روبير دونويل، وهو شاب بلجيكي مغامر، بالتهام الرواية في ليلة واحدة. وعلى وجه السرعة قبل بالمخطوط. تم توقيع عقد في 30 يونيو. اختار لويس ديستوش الذي يرغب في الإبقاء على هويته المجهولة، سيلين كاسم مستعار. منذ الأيام الأولى، ظهر هذا الأسلوبي صرامة مع ناشره: ” من فضلكم لا تضيفوا أي مقطع إلى النص من دون إبلاغي بذلك ! إنكم تخربون الإيقاع بسهولة. “
هل تشكل رواية سفر في الهزيع الأخير من الليل منذ الوهلة الأولى زلزالا في الأوساط الأدبية؟
ف. ج. ـ طبعا، نقاد وقراء أدركوا على الفور أنهم في مواجهة سيل كلامي جديد جذريا. من الروعة بمكان، ملاحظة أن الرواية لم تتأثر بمرور الأعوام، في الوقت الحالي. لكن سيلين سوف يظل مجروحا للغاية، من خلال مغامرته في نيل جائزة الغونكور. وبفضل دعم لوسيان دوسكاف، فقد كان قاب قوسين أو أدنى من نيلها، عقب المداولة التحضيرية للجنة التحكيم، في 30 نوفمبر 1932. لذلك فقد اقتنع بأنه سوف يُتوج. وفي يوم توزيع الجائزة، توجه إلى ساحة غايون، أمام مطعم دوران، وانتظر مع أمه وابنته، كوليت. كان يحمل على عاتقه جرسا فضيا صغيرا، مستمد من مهد ابنته والذي يستعمل كتميمة. وفي آخر المطاف، فقد مُنحت جائزة الغونكور إلى غاي مازولين لفائدة روايته الذئاب. ولدى علمه بالخبر، فقد عمل على سحق الجرس في يده من الغضب. احتفظت كوليت به حتى موتها، تذكارا لذلك اليوم… هذا سوف لن يحول دون أن تصل مبيعات رواية الرحلة إلى ثمانين ألف نسخة في عام واحد.
هل سيغير النجاح من حياته؟
ف. ج. ـ بتاتا، خاصة وأن روايته الثانية، موت بالتقسيط، التي ظهرت في 1936، لاقت ترحيبا أقل. صُدم العديد من القراء من بعض المقاطع، التي كان ينبغي بترها.
واصل سيلين استشاراته بالمستوصف، واقترب من بوهيمية حي مونتمارتر، حيث عاش منذ ذلك العهد. كان يخالط الرسامين، جين بول وهنري ماهي، الكوميدي روبير لو فيغان، مارسيل أيمي… كما أن الراقصات جذبن اهتمامه، أناقتهن، كمال أجسادهن. ” أرغب في إنهاء حياتي في دروس الرقص “، كتب ذات يوم… لقد ساءه كثيرا عودة إليزابيث كرايغ إلى الولايات المتحدة، والتي كان أكثر ارتباطا بها. علاوة على ذلك سوف يتوجه إلى كاليفورنيا أملا في حملها على تغيير رأيها لكن عند الانتهاء من لقاء مأسوي، سيعود وحيدا إلى فرنسا. ربط علاقة آنئذ براقصة دانماركية، هي كارين ماري جونسون. ونحن نعلم ربطه بعض العلاقات العاطفية، مع عازفة البيان لوسيان دولفورج، وهي شابة يهودية نمساوية، سيلي بام، أو روائية بلجيكية، إيفلين بوليت. اعتاد في تلك الفترة، حضور دروس في الرقص. كذلك لدى أستاذة الرقص بلانش دالساندري، التقى لوسيت المنزور، وهي راقصة سوف يرافقها إلى أواخر حياته.
كيف يمكن تفسير أنه بعد هاتين الروايتين انخرط سيلين في كتابة كتيبات وجيزة معادية للسامية؟
ف.ج.: ثمة سذاجة كبيرة من جانبه في هذا المشروع، جانب دونكيشوتي يائس: لقد اعتقد أنه، بوصفه كاتبا فرنسيا صغيرا، كان بإمكانه منع الحرب بواسطة كتبه ! نشر في بادئ الأمر نصا وجيزا، اعتراف بالخطأ Mea Culpa) (الذي يسجل انطباعاته أثناء رحلته إلى روسيا الشيوعية. لقد راعه ما شاهده هناك. لقد أدرك وهو يحرره، أنه يمتلك وموهبة حقيقية في تحرير نصوص وجيزة. وعلى الرغم من أنه يحدوه الإحساس، بأن أوروبا تسرع الخطى في اتجاه الحرب، وكونه كان يبلغ من العمر أربعة عشر سنة، كان يرغب بأي ثمن في تجنب مجزرة جديدة. حتى في حالة التحالف مع الألمان. كان يعتقد أن اليهود يدفعون فرنسا إلى الحرب ضد هتلر ولذلك فلابد من الحد من تأثيرهم. قام بنشر مذبحة عديمة الجدوى في سنة 1937، ثم مدرسة الجثث في السنة الموالية. إن الإفراط في أقواله، الذي يشده أسلوب ملتهب في الغالب، سوف يرغمه على الاستقالة من مهامه بنستوصف كليشيه Clichy) (.
تقول الأسطورة أنه التقى جان مولان في تلك الفترة…
ف.ج.: حدث اللقاء عند صديق لسيلين، الدكتور توسيت، الذي كان يقطن بلدية كامبر. وفي بيته أيضا التقى سيلين الكاتب ماكس جاكوب.
كيف أصبح عند إعلان الحرب؟
ف.ج.: سوف يعيش حدثا سخيفا، حدثا سيلينيا بامتياز: تحطم سفينة في البحر الأبيض المتوسط. ففي شهر شتنبر 1939 أصبح طبيبا بحريا لدى شركة باكي. ركب إذن على متن سفينة شيلا، التي تؤمّن خطا بحريا نحو المغرب. على أنه أثناء الليل في 5 إلى 6 يناير 1940، أمام جبل طارق، نخست السفينة عن طريق الخطأ، سفينة حربية ابريطانية. نتج عن ذلك الحادث سبعا وعشرين من الضحايا، من الجانب الإنجليزي، واهتم الدكتور ديستوش بمعالجة الضحايا. وصلت شيلا بصعوبة إلى مرسيليا. فيما بعد، فقد عاش سيلين الهجرة. إنه يشتغل طبيبا بمستوصف سارتروفيل، ويساهم في إخلاء المدينة. فهاهو يتخذ وجهة الجنوب، داخل سيارة إسعاف البلدية، مرفوقا بلوسيت، ورضيعين وامرأة مسنة. كانت الرحلة ملحمية، وروت لي لوسيت أنهم ناموا في ليلة من الليالي في إسطبل مع حصان، وهو ما تمكنت من التأكد منه ! سوف يسيرون حينئذ حتى بلدية سانت جان دا أنجلي، بالبلدة الفرنسية شارونتا ؛ ثم، وفي يوليوز، عاد سيلين إلى باريس وأصبح طبيبا بمستوصف بوزون [فال دواز].
سؤال مهم: هل تعاون سيلين مع الألمان أثناء فترة الحرب؟
ف.ج.: لا، لكن كانت له علاقات ودية مع ألمانيين، كانت له معرفة بهم، بالنسبة للغالبية العظمى، قبل الحرب. لقد التقيت البعض منهم بخصوص سيرتي: الدكتور كارل إبتينغ، مدير المعهد الألماني في باريس، الملازم غرهارد هلر، الذي كان سيلين يطلق عليه اسم ” زازو “، أو الكولونيل ss) (هرمان بيكلر. إن لقاء هذا الأخير، كان علاوة على ذلك، بمثابة فك لغز تماما. لقد وجدته في آخر المطاف في مقر سكناه الإيطالي، على بحيرة لوغانو. تمت دعوة سيلين إلى الرحلة الشهيرة للكتاب الفرنسيين، في ألمانيا، لكنه رفض الدعوة. وبالتأكيد، فقد ذهب إلى برلين، عام 1942، لكن من أجل إعادة مفتاح خزينة صديقته كارين ماري جونسون، ببنك كوبنهاغن، حيث كان يخزن الذهب. فإذا لم يكن قد تعاون بالمعنى الدقيق للكلمة، فبالإمكان معاتبته، لنشره كتيبا ثالثا أخيرا، معاديا للسامية، عام 1941، الشراشف الجميلة، ولاسيما إعادة طبع الكتيبين الأولين، سنة 1942، على الرغم من الجميع كان على علم بالمداهمات والترحيلات. كما أنه قام ببعث رسائل عديدة غاية في العنف إلى الصحافة المتعاونة، وبصفة خاصة إلى أسبوعية أنا في كل مكان، مع علمه أنه يتم نشرها تماما. هو الذي لم يكن مطلقا ميالا إلى النقد الذاتي، سوف لن يبدي، علاوة على ذلك، بعد الحرب، سوى ندم واحد، رهيب: تحريضه ربما بعض الشباب للانخراط في فيلق المتطوعين الفرنسيين ضد البلشفية على حساب ـ بالنسبة للبعض ـ حياتهم.
من جهة أخرى، سوف يفر من فرنسا أثناء التحرير…
ف.ج.: قضى الحرب بين شقته بحارة جرادون، حيث كتب رواية Guignol’s band) (، التي تم نشرها سنة 1944، مع رحلات ذهابا وإيابا إلى ابريطانيا، وخاصة مدينة سانت مالو، حيث كانت له التزامات. لكن فحتى قبل إنزال الحلفاء، فقد بدأ يتلقى نعوشا صغيرة في مقر سكناه. وما من شك في أنه لو بقي في باريس، ليتم اغتياله من قبل المقاومين أو تحكم عليه المحاكم بعقوبة الإعدام. تسعة أشهر قضاها متسكعا في ألمانيا، سوف يلتقط مادة لثلاث روايات رائعة مطولة تم نشرها فيما بعد: من قلعة لأخرى، وشمال وريغودون.
إلى أين ذهب؟
ف. ج.: كانت لدى سيلين فكرة محددة لم تفارقه أبدا: الالتحاق بالدانمارك، بلد محايد، حيث أخفى ذهبه. منذ 8 يونيو، منحته هو وزوجته، السلطات الألمانية، جواز سفر للأجانب، للسفر إلى ألمانيا. قاما أيضا بتزييف وثائق، باسم لوي فرانسوا دوليتان ولوسيل ألكانتي. قام بإفراغ خزنته من بنك كريدي ليوني، من جميع العملات الذهبية، التي عملت لوسيت على خياطتها في سترة خاصة، لن تنفصل عنها بتاتا. وفي 17 يونيو، مصحوبين بقطتهما بيبرت في جراب، استقلا القطار إلى مدينة بادن ـ بادن، ” حمّامات ـ حمّامات “، مثلما قال سيلين. سوف يقضيان بضعة أسابيع، في أحضان تلك الطبيعة الخلابة. وهناك، في شهر غشت، سيلتحق بهما الكوميدي روبير لوفيغان، الذي سوف لن يفارقهما إلا في مارس 1945. ومن ثم سوف يكون واحدا من بين كبار شخصيات الثلاثية الألمانية. وفي متم الصيف، توجها إلى برلين، حيث يلتقيان بالدكتور هامبولت، وهو واحد من كبار المسؤولين لفرقة أطباء الرايخ. قام هذا الأخير بإسكانهما لدى أصدقاء، آل سكيرزو، بكرانزلان، وهي قرية توجد بالقرب من برلين. سوف لن يمكثا إلا بضعة أسابيع خلف تلك الأبواب المغلقة، لقرية براندبورغ، لكن سيلين سوف يستوحي منها رواية أجيال أسطورية تتضمن 400 صفحة، شمال.
لماذا ذهبا لاحقا إلى مدينة سيغمارينغن بألمانيا، حيث لجأ الماريشال بيتان وكبار العُملاء؟
ف. ج.: لم يكن لهما في حقيقة الأمر أي اختيار. ذهبا للعيش هناك مدة أربعة أشهر، تحت ظلال القلعة العظمى لجبل هوهنتسولرن، حيث سوف تقوم لوسيت بتمارين الرقص، في قاعة للرقص. أقاما بفندق لوين. وخلافا لما كان يُقال، لم يكن سيلين طبيبا شخصيا لبيتان ـ الذي كان يلقبه ب” فيليب الأخير ” ـ بل طبيبا للمستعمرة الفرنسية. قام بربط علاقات خاصة مع هابيل بونار، وزير التربية الوطنية، جان بيشلون، وزير الإنتاج الصناعي، وبول ماريون، كاتب الدولة السابق في الإعلام. لقد رسم، في رواية من قلعة لأخرى، لوحة مدهشة وساخرة، لتلك امستعمرة المتعاونة الصغيرة.
ماهي بالضبط حصة الواقع وحصة الخيال في الثلاثية الألمانية؟
ف.ج.: ينطلق سيلين دائما من أحداث حقيقية، يقوم بنقلها فيما بعد، بطريقته الخاصة. وهكذا، يروي بإسهاب كيف ذهب، على متن القطار، لحضور مراسيم دفن جان بيشلون، بمصحة هوهينليشن. إنها فقرة ملحمية وكوميدية بشكل مذهل. إلا أن الأمر لم يكن يتعلق بالسفر… كما أن جرائم القتل الوحشية في نهاية رواية شمال لم تحدث أبدا.ومن ثم، ثمة انطباع دائما أنه كان يعيش تحت القذائف، بينما في واقع الأمر لم يكن يبعد أقل من 200 كيلو ميتر عن الجبهة…
كيف توصل، في آخر المطاف، إلى الالتحاق بالدانمارك؟
ف. ج.: غادر بمعية لوسيت مدينة سيغمرنغن ثم ـ وكانا أي قطار من القطارات على غير هدىً ـ يعودان إلى هامبورغ، فمدينة فلانشبورغ. وهناك، يستقل الزوجان قطارالصليب الأحمر السويدي لكوبنهاجن.
لم يساور الشك سيلين في أنه سقضي هناك ست سنوات…
ف. ج.: عند وصوله إلى كوبنهاغن هدأ روعه. استقر هو ولوسيت في شقة منحتهما إياها مجانا، الراقصة كارين ماري جونسون. أرخى لحيته وانتظر إلى أن تستقر الأحداث. إلا أن مع مرور الأشهر، أصبح سيلين متهورا. قبل عيد الميلاد لسنة 1945، بقليل، طالبت فرنسا بتسليم المجرمين، تم توقيفه وإيداعه السجن، في السجن الغربي.
قمت بزيارة الزنزانات، ولم يكن في حقيقة الأمر مكانا يبعث على البهجة، لاسيما بالنسبة لرجل مثله، متعطش للحرية. عليل، نحيف، لقد كبر بعشر سنوات، خلال الثمانية عشر شهرا، التي سيقضيها هناك ؛ وعندما سيعود إلى فرنسا، سيصبح شيخا، يرتدي ملابس شبيهة بملابس متشرد. انتهى به المطاف بإطلاق سراحه بشكل مشروط، وانطلق يعيش على مبعدة من مئات الكيلومترت من العاصمة، في كوخ ريفي صغير.
هل ستتم محاكمته بفرنسا؟
ف. ج.: ثمة بادئ ذي بدء مطاردة قط وفأر طويلة بين السلطات الدانماركية والفرنسية. فبفضل محاميه، وبفضل قوة إقناعه، استفاد سيلين من عطف العديد من الشخصيات المؤثرة في الدانمارك. رفض الدانماركيون، في آخر المطاف، تسليمه. وبفرنسا تم الترافع عن الكاتب من قبل السيد ألبير نود، ثم السيد جان لوي تيكسييه فينانكور. هذا الأخير ـ عبقرية حقيقية في الترافع ـ هو الذي سيحصل على العفو لفائدة سيلين، بفضل حيلة محبوكة. بعد إدانته بالسجن بسنة من قبل محكمة العدل، طالب تيكسييه المحكمة العسكرية بالعفو لفائدة واحد من موكليه، لويس ديستوش، محارب قديم، من دون تحديد أن الأمر يتعلق بلويس فرديناند سيلين. انطلت الحيلة على القضاة وفي 20 أبريل 1951، أصدروا في حقه حكما بالعفو.
ماذا فعل سيلين إذن؟
ف.ج.: فكر في مجموعة من الحلول، التحق بروبير لوفيغان بالأرجنتين، بصديقه زلواغا بإسبانيا، أو الإقامة بالمغرب ! أخيرا، افتقد لغته الفرنسية بشدة، قرر العودة إلى فرنسا. ركب الطائرة لأول مرة، وهو في سن 57، وبعد بضعة أسابيع بين أحضان عائلة لوسيت ببلدية مونتون وعند أصدقاء ببلدة نوييه، اشترى الزوجان جناحا، طريق الحرس، بمدينة مودون، بفضل بيع الضيعات التي كانت في ملكية عائلة زوجته بالنورماندي. وهناك، سيأتي على إكمال شخصية كلبه الأجرب للآداب الفرنسية. إنه نوع من المنفى الطوعي. نادرا ما كان يذهب إلى باريس، لم يزر إلا بعض الأصدقاء، مثل مارسيل أيامي أو روجر نيمييه.
ماذا حل بعمله ما قبل الحرب؟
ف.ج.: على إثر اغتيال ناشره، روبير دونويل، عام 1945، سيعارض بشدة وريثته جان لوفيتون. منع أي إعادة نشر للكتيبات، واسترجع أخيرا حقوق رواية رحلة في الهزيع الأخير من الليل و موت بالتقسيط. قام صحافي شاب، هو بيير مونييه، بإعادة نشرها بجرأة منقطعة النظير، في طبعات محدودة جدا، أثناء منفاه بالدانمارك. لكن سيلين استشاط غضبا بألا يتم المساس عمليا بأي حق من حقوق المؤلف. ” تستحق رواية رحلة مزرعة، ومزرعة تدير نفسها بنفسها، مزرعة سحرية ! ” كتب إلى محاميه الدانماركي، سنة 1946. كذلك، وبمجرد وصوله إلى فرنسا في 18 يوليوز 1951، فإن أول خطوة من خطواته ـ سيقوم بها، هي توقيع عقد مع غاستون غاليمار، والذي لم يكن سيلين يرغب في ” تفويت ” ذلك مرة أخرى. قبل الناشر بكافة شروط الكاتب، على الرغم من تكلفتها المرتفعة: إعادة نشر رواياته القديمة، مع تقديم دفعة مالية قدرها خمسة ملايين فرنك قديم، ودفعات شهرية و18 بالمائة من حقوق المؤلف بخصوص العناوين القادمة. الشيء الذي لن يمنع سيلين من شتم ناشره. ضمن نصوص ذاع صيتها، معتبرا إياه ” بقالا مشؤوما ” أو ” سمك ميرلان قديم مقلي شهواني “…
هل عثر سيلين على مركزه ك” نجم ” للآداب؟
ف.ج.: كانت البدايات صعبة. تغيرت الظروف، امتلك كل من كامو وسارتر مكانة مرموقة في المجتمع، وكان يتم النظر إليه مثل بقايا ماقبل الحرب إلى حد ما. شكلت، روايتا سحر لوقت آخر (1952) و نورمانس (1954)، على الرغم من كونهما كتابين رائعين، إخفاقا كبيرا، فقد بيع منهما بضعة آلاف من النسخ فقط. سيتوجب انتظار رواية من قلعة لأخرى، سنة 1957، التي انتشرت بفضل حوار أجري معه بالمجلة الأسبوعية L’Express) (، كي يصبح معروفا من جديد. تم إبلاغه بالموافقة على نشرها بمجموعة لابلياد في وقت لاحق. ومنذ ذلك الحين فقد ضاعف من اللقاءات في الصحافة، وكثف من ظهوره المتميز بالتلفزيون. وأمام الكاميرا، يبالغ في أدائه دور شخصية كاره للبشر. إلا أن شخصيته كانت أكثر تعقيدا من ذلك: فقد كان شخصا بخيلا وجوادا في الوقت نفسه، فوضويا ومحبا للنظام، مسالما، وعسكريا، مفعما بالإنسانية و، مع ذلك، كان قادرا على كتابة منشورات سياسية مثيرة للجدل…
هل أنهى هذا المغامر القديم حياته الأدبية؟
ف. ج.: طبعا. فقد وضع لوحته المعدنية التي تحمل اسمه كطبيب ثم انخرط في هيئة الأطباء، كي يحصل في يوم من الأيام على معاشه التقاعدي، لكن الزبناء كانوا قليلي العدد، مشمئزين من مظهره الجسدي. سوف يشتغل حتى آخر رمق من حياته، بينما المرض كان ينخر جسده ثم إن كتابته أصبحت مرتجفة بشكل متصاعد. سوّد آلاف الصفحات، كان يمسكها بمشبك غسيل. وفي 30 من شهر يونيو 1961، أتى على إنهاء روايته ريغودون، مخبرا غاستون غاليمار عن ذلك عبر البريد. أكمل أثره، لذلك بإمكانه الخلود إلى الراحة الأبدية. وفي اليوم الموالي، فاتح يوليوز، أسلم الروح لبارئها في صمت. لم تعلن لوسيت عن خبر الوفاة على الفور. ثلة من الأقارب، من بينهم أرلوتي ومارسيل أيامي، حضروا مراسيم الدفن بالمقبرة العتيقة بمودون. نقشت لوسيت على ضريحه مركبا شراعيا بثلاثة صواري ـ تخليدا لذكرى البريتاني العاشق للبحر والموانئ ـ ثم هذا النقش الجنائزي البسيط:
” لويس ـ فرديناند سيلين
دكتور ل.ف. ديستوش 1894 ـ 1961 “.
ــ
مصدر النص: مجلة “اقرأ ” الفرنسية Lire magazine) (في ملف عن كبار الكتاب الفرنسيين في القرن العشرين: كامو، سيلين، كوليت، دوراس، إلوار، غاري، بروست… عدد 8 أبريل ـ ماي ـ يونيو 2025















