سبع دقائق أمام الجبل

art

بولص آدم

  من مدينته كمغترب في أوروبا، بدأ سفره الأول إلى باريس بقائمة: برج إيفل، واللوفر، والشانزليزيه، وقوس النصر، وقهوة فرنسية «أصيلة» وجد اسمها في كتيب سياحي. في الفندق فتح الكتيب قبل أن يفتح النافذة. قرأ أن باريس مدينة الفن والثقافة والثورات. وضع خطًا تحت كلمة «الثورات» لكي يوظفها لاحقًا، ثم خرج.

وقف أمام برج إيفل، التقط سبع صور، ثم اختار واحدة ظهر فيها البرج كاملًا، وظهر هو في زاوية الصورة. أعاد النظر فيها طويلًا، ثم حذف صورتين كان البرج فيهما أكثر حضورًا منه. وجلس في مقهى قريب، وكتب افتتاحية أول نص رحلوي: «للمدن العظيمة قدرة غريبة على أن تجعل الإنسان صغيرًا أمامها». أعجبته الجملة، فوضع تحتها خطًا.

بعد عودته نشر مقالًا بعنوان «باريس التي لا يراها السياح». كان المقال عن البرج واللوفر والشانزليزيه، وهي الأماكن نفسها التي زارها آلاف السياح قبله، لكنه منحها في كتابته أسماء أخرى: البرج صار «سؤالًا»، واللوفر «ذاكرة»، والمقهى «طقسًا إنسانيًا». لم يتغير شيء في باريس، سوى أنها دخلت قلمه.

وكان الرجل قد بدأ يقدّم نفسه على نحو أوسع قليلًا مما تحتمله الرحلة. في بطاقة التعريف صار «رحالة، مترجمًا، شاعرًا، صحافيًا، وباحثًا في شؤون الإنسان». أما «موسوعة فكرية متنقلة» فكان يتركها للأصدقاء كي يقولوها عنه. وإذا امتدح أحدهم فقرة من مقاله، سارع إلى الإشارة إلى أنها «من أهم ما كُتب عن باريس في السنوات الأخيرة». وإذا سأله أحد عن مصدر فكرة ما، ابتسم ابتسامة من يعرف أن المصادر تقلل من هيبة الاكتشاف، وقال إن الكاتب لا يشرح كل ما يفعله.

ثم جاءت فينيسيا وإسطنبول وبرشلونة وأمستردام. كان يركب القوارب والحافلات، ويدخل المتاحف، ويلتقط الصور أمام المعالم، ويعود إلى الفندق متعبًا من المشي. وبعد العشاء يفتح الكتيب ليعرف أين كان طوال النهار. كان يقرأ عن الجسور في فينيسيا، وعن التقاء الشرق والغرب في إسطنبول، وعن الفن في برشلونة، وعن القنوات في أمستردام، ثم يضع خطًا تحت الكلمات التي تصلح للحياة الأدبية. في فينيسيا قرأ عن الجسور، فوضع خطًا تحت الكلمة وكتب: «فهمت أن الإنسان لا يكتمل إلا حين يصل بين ضفتين». كان الجسر موجودًا منذ قرون، أما الفهم فقد حدث في غرفته بالفندق.

شيئًا فشيئًا تحولت المعلومة إلى تجربة، والتجربة إلى ذكرى، والذكرى إلى حكمة، والحكمة إلى اكتشاف شخصي لا يعرف أحد كيف وقع له. وكلما أعجبته جملة في كتيب أو كتاب، وضع تحتها خطًا، ثم نقلها إلى دفتره، ثم أعاد صياغتها حتى تختفي ملامحها الأولى، وتظهر في مقاله كأنها خرجت إليه أثناء المشي تحت المطر، أو وهو يتأمل البحر، أو في لحظة نادرة من صفاء الروح.

أما الشعر، فلم يكن عنده طارئًا على الرحلة، بل كان، بحسب سيرته التي أخذت تتسع مع الأيام، قد وُلد معه. كان يقول إن القصيدة ترعرعت في أزقة مدينته القديمة، وإنه والقصيدة عاشا معًا وشربا من ماء نهر مدينته، ثم تغربا معًا ورقدا على أرصفة الغربة في ليالي الشتاء الثلجية. وكان يستطيع أن يروي طفولته والقصيدة جالسة إلى جواره، ثم ينتقل منها إلى باريس، ومن باريس إلى أمستردام، دون أن يحتاج إلى تفسير كيف قطعت القصيدة كل هذه المسافات معه.

وفي جزيرة تنريفا استأجر سيارة صغيرة، ووضع الكتيب إلى جواره، واتبع جهاز الملاحة إلى موقع مشهور قرب الجبل. نزل، والتقط صورتين، ثم عاد إلى السيارة لأن الريح كانت شديدة. وفي الفندق كتب: «جلست طويلًا أمام الجبل وأصغيت إلى صمت الطبيعة». كان قد وقف سبع دقائق، معظمها وهو يمسك قبعته. قرأ الجملة، فأعجبته، ووضع خطًا تحت «طويلًا»، ثم وضع خطًا آخر تحت «صمت الطبيعة».

وفي اليوم التالي أخذ الحافلة السياحية. ظل المرشد يتحدث عن الجزيرة وبركانها وتاريخها، بينما كان هو يكتب بسرعة. وعندما وصلوا إلى إحدى المحطات، ابتعد مئتي متر عن المجموعة، ثم عاد بعدما تذكر تحذير المرشد من الضياع. في المساء كتب مقالًا بعنوان «تنريفا التي يراها المغترب…». تحدث عن الطرق الخفية والعزلة واكتشاف الذات، ولم يذكر أن أكثر ما ابتعد به عن المجموعة كان ممرًا يؤدي إلى دورة مياه عامة.

نُشر المقال، وبدأت صورته تتقدم على الأماكن في صوره. لم يعد يكفي أن يكون خلفه بحر أو جبل أو ساحة قديمة؛ كان المكان مطالبًا بأن يؤدي دوره في إظهار الرجل وهو يتأمل. رأس مائل قليلًا، وعينان إلى الأفق، وملامح توحي بأنه يحمل في داخله سؤالًا لا تستطيع الجغرافيا الإجابة عنه. والحقيقة أنه كان أحيانًا لا يفكر في شيء، سوى في المكان المناسب للصورة التالية.

ومع كل رحلة كان يتحول أكثر إلى شخصيات كثيرة في رجل واحد: موسوعة فكرية متنقلة حين يتحدث عن التاريخ، ورحالة حين تُفتح أمامه خريطة، ومترجم حين يسمع لغة أجنبية، وشاعر حين يرى بائع زهور، وصحافي حين يجد جملة تصلح عنوانًا. وكان يستطيع أن يكون هذه الشخصيات كلها في اليوم نفسه، من دون أن تتعارض عنده مع حقيقة أنه أمضى صباحه في طابور المتحف، وتغدى في مطعم موصى به، واشترى تذكارًا من متجر بجوار الفندق.

ثم دخل الشعر إلى الأشخاص الذين مر بهم. بائع البطاطا أصبح «حارس ذاكرة المدينة»، وبائعة الزهور «امرأة تحمل رائحة الأرض»، ورجل عجوز سأله عن سعر بطاقة بريدية تحوّل في كتابه إلى شيخ فقد ابنًا في البحر. وحين وصلت نسخة من الكتاب إلى العجوز وسُئل عن القصة، قال إنه لا يملك ابنًا أصلًا. لم يتراجع الكاتب عن الفقرة. بالنسبة إليه كان الرجل قد امتلك، في الأدب، ابنًا لم يمتلكه في الحياة. وكان هذا النوع من الحقائق يعجبه؛ فهي أكثر قابلية للكتابة من الحقائق التي يمكن التحقق منها.

صدر كتابه الأول بعنوان «رحلات رجل يبحث عن الإنسان في الجهات البعيدة». اختار صورته للغلاف بنفسه، بحقيبة في يده ونظرة إلى الأفق، وحرص على ألا تبدو الحقيبة جديدة أكثر من اللازم. وفي حفل التوقيع، حين سُئل عما تعلمه من السفر، قال: «كلما ابتعدت عن وطني اقتربت منه». صفق الحاضرون. أعاد الجملة مرة أخرى، وكأن التصفيق الأول لم يمنحها حقها الكامل. وفي الفندق كتبها في دفتره، ووضع تحتها خطًا.

ومنذ ذلك الوقت صار الوطن يظهر في كل مكان. قطار أوروبي يصل في موعده فيذكّره «بكرامة الإنسان التي نحلم بها في أوطاننا»، وسوق إسباني يوقظ فيه «دفء أسواقنا القديمة»، وامرأة تتحدث لغة أجنبية تجعله يتأمل «ثراء لغتنا»، وحتى المطر في أمستردام يجد طريقه إلى حنينه. كان يسافر إلى بلد آخر، ثم يعود من الرحلة وفي حقيبته مدينة واحدة: وطنه.

وفي إحدى الندوات سأله رجل لماذا لا يترك المدينة التي يزورها تتحدث عن نفسها. قال بهدوء: «أنا أحمل وطني معي». نظر الرجل إلى جيبه، وكان طرف الكتيب السياحي ظاهرًا منه، ثم ابتسم. لم يحتج إلى قول شيء. ضحك الحاضرون، وضحك الكاتب معهم، ثم عاد في المساء إلى غرفته وكتب مقالًا عن «السفر بالجسد والسفر بالروح»، ولم يذكر الكتيب.

ومع السنوات قلّت رحلاته وكثرت كتبه. صار يكتب عن مدينة لم يزرها اعتمادًا على مقال قرأه عنها، فإذا سأله المحرر عن الرحلة قال إن بعض الرحلات تبدأ قبل الوصول..

وصار وصف السوق الذي كتبه في برشلونة يصلح لسوق في إسطنبول، وحنين إسطنبول ينتقل إلى تنريفا، والجبل الذي جلس أمامه سبع دقائق يزداد ارتفاعًا كلما أعاد طباعة الكتاب.

وفي أحد الأيام فتح حقيبته القديمة. وجد التذاكر، والفواتير، وبطاقات المتاحف، والكتيبات. فتح كتيب باريس، فوجد الخط الأحمر لا يزال تحت «الثورات». فتح كتيب فينيسيا، فوجد «الجسور» تحته خط. ثم عثر على ورقة صغيرة كتب عليها بخطه القديم: «برج إيفل، اللوفر، الشانزليزيه، سان ماركو، ريالتو، آيا صوفيا، البازار». قرأ القائمة، وضحك.

كانت القائمة بسيطة إلى درجة محرجة، مثل رحلة عادية يمكن لأي سائح أن يقوم بها. أما الكتب التي خرجت منها فقد امتلأت بالروح والذاكرة والاغتراب والإنسان والوطن، وصار الطريق القصير إلى دورة المياه «طريقًا خفيًا»، وصارت سبع دقائق أمام الجبل «جلوسًا طويلًا»، وصارت معلومات الكتيب «اكتشافات»، وصار سؤال بطاقة بريدية بداية مأساة عن ابن غارق في البحر.

أعاد الكتيبات إلى الحقيبة، وبقي قليلًا ينظر إلى الورقة. لم يتذكر متى صار ما قرأه ذكريات، ومتى صار ما عاشه أكثر اتساعًا مما عاشه فعلًا. لكنه تذكر شيئًا واحدًا: كان منذ البداية يضع خطًا تحت الأشياء. تحت كلمة في كتيب، ثم جملة في دفتر، ثم ذكرى لم تحدث.

وباستمرارية من أدمن حب الظهور، أعلن عن كتاب جديد بعنوان «ما علّمتني إياه الطرق». وكتب: «منذ طفولتي وأنا أشعر أن العالم يناديني». توقف قليلًا. ثم أضاف: «وكان وطني أول من علّمني كيف أجيب».

ثم أرسل إلى الناشر صورته الجديدة. لم يكن في الصورة برج، ولا متحف، ولا جسر، ولا سوق. فقط رجل يقف أمام نافذة وينظر إلى أفق ضبابي، كأن وراء الضباب قارة لم تطأها قدم من قبل. كان يريد أن يبدأ من جديد، برحلة أخرى، ومدينة أخرى، وكتيب آخر، وكلمة جديدة يضع تحتها خطًا.

بولص آدم

97 مقال
أديب وفنان سينمائي عراقي، من أعماله: ـ كتاب: «ضراوة الحياة الآمتوقعة»، (القاهرة 2010). ـ «اللون يؤدي إليه»، (بغداد 2013). ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع