د. قحطان جاسم*
ديوان مبين خشاني هو قصيدة واحدة تتشابك فيها الأصوات بالأحداث، والمشاعر بالأفكار، الطفولة بالشباب، العائلة بالأفراد، الألم بتلك الأفراح الضئيلة غير المرئية، وقمع الشارع بقمع السلطة. لا ترسم لها مرحلة زمنية لكي تنتهي عند أخرى، بل تشرع من الممكن، مما تستطيع الذاكرة الإنسانية أن تسرده، أو بصورة أكثر دقة، ما يسرده الواقع عبر الصورة والكلمة. تمثل الحرب الجزء الأكبر في هذا الانسياب الشعري، إن لم تكن ثيمته الرئيسية التي تلتف حولها باقي الموضوعات الأخرى فيه. والحرب هنا ليست حدثاً طارئاً، بل تشكل خلفية لكل تلك المشاعر المتأججة التي تحملها روح الشاعر بكل ما فيها من فظائع وعبء وخراب نفسي وإنساني، بل هي بمثابة قوة مدمرة تعيد صياغة الوجود وحيوات الناس وأيامهم ومستقبلهم.
يرى بعض النقاد أن شعر الحرب الحقيقي هو الذي يصور “تشوه الروح”، لا مجرد دمار المدن. ففي الحرب، يتوقف الوقت عن كونه خطاً مستقيماً، ويصبح دائرة من الكوابيس؛ حيث تغدو الشمس مثلومة، والليل مشانق. ومن هذا المنطلق، نلج إلى عوالم خشاني الكابوسية، حيث يعاد صياغة الطبيعة لتلائم حجم الألم؛ فسماء آذار لا توحي بالربيع، بل تبدو كـ “قشرة برتقال ذابلة”، وظلام الليل ليس سكناً، بل هو “مشانق مدلاة” (ص. 15). وحتى حين ترتفع الأبصار نحو الأعلى، بحثاً عن أفق مجهول، فإنها لا تلتقي بمدى مفتوح، بل تصطدم بـ “عناقيد الصواريخ” وغيومٍ لا تمطر ماءً، بل “تنزف” دماً وناراً. هنا تظهر “الأقدام التي نسيت أن تهرب” من فرط الذهول، حيث يمتزج الحسي بالمادي، والمتخيل بالموضوعي، لتذوب جميعاً في سردية واحدة للحرب والاضطهاد.
تتحول المعاناة عند خشاني إلى انفجار وجودي حين تقتحم الذاكرةُ المشهدَ. وإذا كان سُقراط يرى أن “المعرفة تذكر”، فإن التذكر عند خشاني ليس استعادةً للمعرفة بقدر ما هو مواجهة مع الجرح؛ فالتذكر لديه ليس راحة، بل هو “سياطٌ مرتخية” يجهد في دفعها بعيداً عنه (ص. 14). إنه يطبق رؤية كيركگورد الذي يرى التذكر عبئاً حين لا تطيق الروح تكرار الألم، فيسعى خشاني لنفي “المعجزة” ومنح “الكارثة تعريفاً”، مثمناً دور “الصدفة” في نجاةٍ ليست قدراً، بل ضربة حظ في مسرح كوني محكوم بالانكسار (ص. 15). وقد تجلى قبح هذا المسار في احتضار الوقت، حيث الغد يطل بـ “شمس مثلومة”، والزمن شيء “شاخص بكل ما هو لا إنساني ومؤلم” (ص. 16)، نعيش فيه تحت ضوء القذيفة ونسكن في رشقات الرصاص.
أمام هذا الهول، يتنحى الشاعر مؤقتاً ليمنح رواية آلام جيله إلى آخرين، كأنه يعلن عن عجزه في التعبير عن هول الكارثة، فيسلم لسان الحال إلى الأم التي تناجي: “إلهي نجنا من هذه الأمطار المسلحة، فما نحن بظالمين” (ص. 17)، مطالبةً بأقل الحقوق: “هناءة الوسادة، ورضا المعدة، ودوام النفس”. ويقابل هذا العجز صمتُ الأب المثقل بمرارة ثلاث حروب، وهو يطلق وصية العدم: “لا أحملُ لكم في هذه الليلة وعداً، ولا أحملكم وصية”، متمنياً لهم فقط “أياماً لا تشبهني، وسماءً لا تجرحها أصابع النار” (ص. 19). وكأن خشاني هنا يستحضر انتقائية شوبنهاور الصارمة، مؤكداً أن الوقت هو أثمن الممتلكات، وهدره في ملاحقة أوهام النجاة الزائفة هو خيانة للذات.
وفي لحظة الانفجار، وبينما يكشف اللهب المجنون “خرائط عظامنا المذعورة” (ص. 22)، تتحول العائلة إلى سلسلة إنسانية تتشبث ببعضها، لينتهي بهم الأمر في لوحة مرعبة، نياماً كأنهم “قبرٌ بأطرافٍ عديدة” (ص. 24). هذه الحرب لا تكتفي بدمار الخارج، بل تمتد لتصبح “حرباً تشرق من دواخلنا” (ص. 27)، حيث يسأل الشاعر في لحظة هامشية: “من نحن اليوم؟”، ليأتي الجواب: “نحن ضحايا أمل، وخوف، وموت يأتي على غير هدى” (ص. 28).
يستمر التهاوي حتى “نصل إلى خلاصٍ لا نفهمه”، حيث كنا “نلهو بروائح الخطر، مرغمين لا أبطالاً” (ص. 29). ومن وسط هذا الزيف، تنبثق سيرة سردية تستعيد بعضاً من الطفولة، أو أياماً مع الصديق “حسام” وعصاري “التراب المرشوش”، في تساؤلٍ عن “وطن جديد” يقطعه أزيز الطائرات (ص. 30). لكن الموت لا يتوقف عند الرصاص، بل يمتد لـ “حرب الخُطب”: “وهكذا قتلتنا الخُطَب” (ص. 34)، لتتوج المأساة بحروب الإخوة وتيه الاحتلال الأمريكي، وتلاشيء كل ما هو إنساني.
وعندما تغيب الأسماء والصور، يصل خشاني إلى “لحظة شك مريرة” يصفها بـ “اللحظة الشبحية”؛ تلك التي لا تعود به إلى الوراء، ولا يصل بها إلى أمام (ص. 54). هنا يقر الشاعر بالحتمية الوجودية القاسية: “الزمن لعبة تخسر فيها المدن، والتاريخ حجة البليد، إذا ما قالت الحرب كلمتها المحصنة” (ص. 55). إنه يدرك أن كل محاولات “الولادة الثانية” قد لا تتحقق إلا في المنام، لأن الواقع محكوم بلعبة زمنية خاسرة سلفاً.
ليقف الشاعر وحيداً في مواجهة حقيقة تاريخية مرّة: “وبقيتُ وحدي.. وما زالت باقيةً فيك ذنوب البرابرة وسيوف المغول” (ص. 41). ثم يتقدم نحو الوداع الأخير، محاولاً “تشذيب عاصفة”، وهو يخاف أن ينسى أو يتذكر (ص. 65). وفي ذروة هذا التيه، يختم خشاني رحلته بإعلان التحرر النهائي: “، لكنه تحرر مراوغ” والآن أتخفف من ثقل التفاؤل، وأستريح في فراديس خطرة، لا يزعجني فيها سوى نباح الأمل” (ص. 67).
إن هذا التخفف من “ثقل التفاؤل” ربما هو الإجابة الممكنة على سؤال احتجاجي: لماذا “ضد الأمل”؟ الشاعر ينحاز إلى الصراحة الخطرة، واليأس الصادق، بدلاً من جحيم الوعود الكاذبة، متمثلاً عبثية ألبير كامو في أن الاعتراف بلا جدوى الخلاص هو أولى خطوات الحرية. وكأنما يختار الشاعر هنا مسؤولية الفظائع التي عاشها، ويحمل على عاتقه تلك الخطيئة الإنسانية الأزلية المتمثلة في اختيار “الحرية المشوهة” التي انبثقت من ارتكاب الإنسان الشر والخطيئة. إن هذه العودة للوحدة ليست رثاءً ذاتياً، بل هي مواجهة مع الذنب التاريخي الكامن فينا جميعاً. كما تتجلى في هذه الإجابة الممكنة تورية لغوية تبتغي حث القارئ على استقصاء المعنى؛ فالشاعر ليس ضد الحياة، بل هو “ضد الأمل” الزائف والملفق الذي يغطي على “ذنوب البرابرة”. إنه يدعونا للخوض في تجربة اليأس الصادق كطريق وحيد للوصول إلى الحقيقة وتطهير الروح، لنشهد في النهاية، رغم كل هذا الركام، أننا عشنا.
………………………
*مبين خشاني، قصيدة ضد الامل، برلين، منشورات خان الجنوب، 2025
*شاعر ومترجم وباحث في علم الاجتماع السياسي











