بولص آدم
صدر ديوان «سارة مراد» للشاعر طارق هاشم عن شركة مدبولي، في طبعته الأولى عام 2026، ويقع في 111 صفحة، ويضم خمسة وعشرين نصًا تتجاور عناوينها بين الشخصيات والحكايات والذكريات والأمكنة والأزمنة. ومن «مريم» إلى «نهاية»، يضع الشاعر قارئه أمام عالم شعري تتعدد فيه الأصوات والوجوه، فيما تنتظمها رؤية واحدة إلى الإنسان وهو يواجه الفقد والانتظار والمحو، ثم يبحث عن وسيلة يستعيد بها أثره وصوته.
منذ الإهداء يضع طارق هاشم مفتاحًا يمكن أن تقرأ القصائد من خلاله: «وإلى كل الذين سُرقت أصواتهم / فاستعادوها بالغناء» (ص 5). تبدو هذه العبارة في ظاهرها إهداءً، لكنها بعد الدخول إلى عالم الديوان تتحول إلى بيان شعري مختصر. فثمة أصوات سُلبت، ووجوه تركت أثرها في الذاكرة، وحكايات تعرضت للحذف، وأحبة تأخر حضورهم حتى صار الغياب جزءًا من صورتهم. أمام هذا العالم تأتي القصيدة بوصفها مساحة لاستعادة الكلام، وحفظ الذاكرة، ومنح الغائب وجودًا آخر.
ولعل العبارة التي تكشف قانون هذا العالم بأوضح صورة تأتي في قصيدة «تجر عربة الحياة بمفردها»: «أن من ننتظرهم / إما يأتون متأخرين / أو لا يأتون أصلًا..» (ص 17). هذه الجملة تتجاوز سياقها الحكائي لتصبح قاعدة زمنية تحكم كثيرًا من شخصيات الديوان. فالانتظار هنا تجربة تتصل بالحب والذاكرة والمصير، والزمن يتحول إلى قوة تؤجل اللقاء أو تجعل الوصول مستحيلًا. وما يصل متأخرًا يحمل معه أثر السنوات التي انقضت، وما لا يصل يبقى حاضرًا بطريقة أخرى داخل الذاكرة واللغة.
من هذه النقطة يمكن النظر إلى «سارة مراد» بوصفه ديوانًا عن الذين تأخر عنهم ما انتظروا، وعن الذين وجدوا في القصيدة صيغة ثانية للحضور. إن الشاعر يلتقط الشخصيات في لحظة يكون فيها الواقع قد ترك أثره عليها، ثم يعيد تشكيل هذا الأثر داخل اللغة. لذلك تبدو قصائد الديوان أقرب إلى مشاهد شعرية ذات قلب حكائي؛ شخصية تتكلم، أو ذكرى تستعاد، أو حادثة تُروى، ثم تنفتح الحكاية على معنى يتجاوز حدودها المباشرة.
في «مريم» يدخل الشاعر إلى عالم العامل من خلال صوته وذاكرته وعلاقته بالكرامة والحب. يقول: «أنا العامل يا مريم / اعتدت أن أقبل الموت / كما أقبل يد حبيبتي في الصباح» (ص9). في هذه المقابلة بين الموت ويد الحبيبة تتجاور أقصى درجات القسوة مع أكثر لحظات الحميمية، ثم تتسع التجربة الفردية لتصل إلى معنى جماعي: «العمال يا مريم كالزجاج / أي خدش لكرامتهم / هو الموت ذاته» (ص 10). وتستمر اليد بوصفها علامة مركزية في النص، حتى تبلغ دلالتها العاطفية ذروتها في قوله: «فيدي تحبك / ولن يمكنها أن تغادر راحتك» (ص 12). اليد هنا يد العامل، ويد الحبيب، وأداة الفعل والإمساك، ولذلك يصبح فقد القدرة على الفعل أحد وجوه الفقد التي تتكرر في الديوان.
في «تجر عربة الحياة بمفردها» يتخذ الفقد صورة أخرى، حين يعود عمر إلى طفولته وإلى نرجس التي تركها خلفه في الصفحة الأولى من كتاب قديم. يقول: «أنا عمر / خرجت منذ خمسين عامًا / من كتاب القراءة العربية الجديدة / إلا أنني / سرعان ما اكتشفت / أنني تركت وجه حبيبتي / عالقًا بالصفحة الأولى» (ص 14). هنا تتحول الصفحة إلى مستودع للذاكرة، ويصبح الكتاب مكانًا يستطيع الماضي أن يظل فيه حيًا بعدما تعجز الحياة عن إعادته. عمر يخرج من الكتاب، بينما يظل وجه الحبيبة داخله، وكأن الزمن نفسه قد انفصل إلى واقع مضى وذاكرة تحفظه.
ويزداد هذا الإحساس كثافة حين يقول: «أنا حبيب الطفولة / الذي أضاع تاريخه / حين لم يبحث عنك / لم يلتقط أثر براءتك / التي ما زالت تغرق ذاكرته / بحنان يمكنه أن يمحو القهر / من خرائط الجغرافيا» (ص 16). الذاكرة ليست مخزنًا للماضي، وإنما قوة قادرة على إعادة رسم العالم. الحب القديم يصبح طاقة لمقاومة القهر، والقصيدة تمنح الذاكرة مجالًا لتستعيد ما أخفق الواقع في الاحتفاظ به.
ثم تأتي العبارة المحورية: «أن من ننتظرهم / إما يأتون متأخرين / أو لا يأتون أصلًا..» (ص 17). بعدها مباشرة تقريبًا يصل الفقد إلى الجسد والروح: «حين تركت يديك / أدركت وقتها أن روحي ضاعت» (ص 17). ثم تتسع الخسارة في قوله: «خمسون عامًا أضعتها / دون أن أصل إلى شيء / ماذا يصنع الواحد منا يا نرجس / حين يفقد روحه في الطريق / حين تصبح كلمة أحبك / جريمة يعاقب عليها القانون / حين نخرج من كتب القراءة / بلا يدين» (ص 18). صورة «الخروج من كتب القراءة بلا يدين» من أكثر صور الديوان دلالة؛ فاليد هنا تتصل بالقدرة على الإمساك والفعل والحب، وفقدها يعني أن الإنسان خرج من ذاكرته ومن تجربته وهو يحمل عجزًا أصاب علاقته بالعالم.
وتتوج القصيدة مشهدها بالرقابة والدموع: «فالرقابة بالباب / ودموعي على الحافة / في انتظار أن تمطر» (ص 19). يصبح الحب محاصرًا، ويصبح الانتظار نفسه حالة معلقة. إن المطر المنتظر في نهاية المشهد يستعيد صورة الانتظار الأولى، ويؤكد أن عالم الديوان يضع شخصياته دائمًا أمام شيء قادم يحمل وعد الخلاص أو يستمر غيابه.
في «صفية» ينتقل سؤال الفقد إلى مساحة أكثر تعقيدًا: مساحة الرواية والشهادة. صفية شخصية غائبة، بينما يحاول الآخرون تفسير ما حدث لها. وحين يقول النص: «إن أقل توصيف للجريمة / هو القتل العمد، / قتل صفية» (ص 26)، تتحول الحكاية من واقعة إلى سؤال عن اللغة التي تصف الواقعة. من يملك حق رواية الضحية؟ ومن يستطيع أن يحفظ حقيقتها وسط تعدد الأصوات؟ هنا تكتسب الكتابة وظيفة أخلاقية؛ فهي تعيد للغائب مساحة من الكلام، حتى حين يكون الكلام صادرًا عنه بصورة غير مباشرة.
وفي «جملة عشاق» يصل فعل المحو إلى التاريخ نفسه. تقول القصيدة: «القصيدة التي أجبرت شاعرها / على حذف جملة / في نهاية النص / وكانت في الأصل امرأة / حُذفت من تاريخها / جملة عشاق» (ص 70). المرأة هنا محذوفة من تاريخها، والقصيدة تعيد فتح الموضع الذي جرى حذفه. يصبح الشعر وسيلة لمقاومة النسيان التاريخي، وتصبح الجملة المحذوفة أثرًا يحتاج إلى استعادة. ومن خلال هذا الانتقال من الصفحة إلى التاريخ، تتسع فكرة الصوت المسروق التي وضعها الإهداء في صدر الديوان.
وفي «ظل الحائط» يتخذ استرداد الوجود صورة بصرية واضحة: «صورتك المحفورة على الحائط / تخبر العابرين / بأننا كنا هنا» (ص 72). إن الصورة المحفورة تتحول إلى شهادة. الإنسان الذي يخشى أن يمحى أثره يترك علامة تقول للعابرين إنه مر من هنا. وتبدو هذه الجملة قريبة جدًا من جوهر المشروع الشعري في الديوان؛ الكتابة نفسها أثر محفور في جدار الزمن، ووظيفتها أن تمنع الغياب من التحول إلى محو كامل.
وفي «اللصوص» تتخذ مقاومة المحو شكلًا حكائيًا رمزيًا. تُسرق الشجرة التي يرسمها صاحبها، فيعود إلى رسم شجرة أخرى. هنا يتكرر فعل الخلق في مواجهة السرقة. ما يمكن أن يؤخذ ماديًا يستطيع الخيال أن يعيد إنتاجه. ولهذا تبدو القصيدة في هذا الموضع كأنها تقدم تعريفًا ضمنيًا لفعل الكتابة: الإبداع قدرة على إعادة خلق ما يتعرض للفقد.
أما «أنشودة البحار الأخيرة» فتضع الذاكرة في مواجهة الرحيل. تبدأ القصيدة من اللحظات التي تسبق الإبحار: «قبل أن يبحر بساعات قليلة / أعد لها شاي الصباح / كي لا تنسى يده / أعد لها الفطور..» (ص 83). ويتكرر التركيب «قبل أن يبحر بساعات قليلة» في القصيدة، كما تتكرر عبارة «كي لا تنسى». التكرار هنا يحمل وظيفة دلالية عميقة؛ فالشخصية تعرف أن الرحيل يقترب، ولذلك تحاول أن تحفظ التفاصيل قبل أن يصبح الغياب أقوى من الذاكرة. الشاي، والفطور، والوجه، والضوء، والرائحة، والبيت، تتحول كلها إلى وسائل لمقاومة النسيان. البحر فضاء للرحيل، والقصيدة تصبح وسيلة لتثبيت ما يخشى عليه من الضياع.
وهكذا تتضح بنية الديوان في صورتها العامة. فالنصوص تتعدد في الحكايات والأصوات، لكنها تعود إلى مجموعة من العلامات المتكررة: اليد، الصفحة، الكتاب، الطريق، الباب، الحائط، البحر، الصوت، الأغنية، الانتظار والرحيل. هذه المفردات لا تظهر باعتبارها زخارف لغوية؛ إنها مفاتيح لعالم إنساني واحد. اليد ترتبط بالعمل والحب والفعل، والصفحة تحفظ الذاكرة، والحائط يثبت الأثر، والبحر يحمل الرحيل، والباب يرمز إلى الحصار والانتظار، والصوت يمنح الشخصية حقها في الوجود.
ومن الناحية الفنية، تعتمد قصائد الديوان على مزج واضح بين الشعر والسرد. الشخصيات تحمل أسماء، والأحداث تتحرك في الزمن، والذاكرة تستعيد وقائع سابقة، والحوار يظهر أحيانًا في بنية النص، ثم تتحول هذه العناصر إلى صور واستعارات كثيفة. وبذلك تتشكل قصيدة النثر عند طارق هاشم من نواة حكائية تتسع إلى سؤال شعري. الحكاية تمنح النص حركته، والصورة تمنحه عمقه، والتكرار يمنحه إيقاعه الداخلي.
ويكتسب هذا البناء أهمية خاصة في نهاية الديوان، حين يبدأ النص في التأمل في فعل الشعر نفسه. ففي «صافرة النهاية» يقول الشاعر: «الشعر يلعب في الساحة / بينما ينتظر الشاعر / أن يطلق النص / صافرة النهاية» (ص 76). هنا يصبح النص كائنًا يتحرك، ويصبح الشاعر منتظرًا لقرار القصيدة. إنها لحظة ميتاشعرية تضيء تجربة الديوان كلها؛ فالشاعر الذي كتب عن شخصيات تنتظر، يصبح هو نفسه في موقع المنتظر أمام النص.
وبذلك يمكن فهم عنوان الديوان بوصفه جزءًا من لعبة الحضور والغياب التي تحكم الكتاب. «سارة مراد» ليست مجرد تسمية لكتاب، وإنما اسم يفتح مساحة من الأسئلة حول الشخصيات والذاكرة والهوية. وكلما تقدم القارئ في النصوص وجد نفسه أمام أسماء كثيرة وأصوات مختلفة، لكنها تتجمع في النهاية حول سؤال واحد: كيف يستطيع الإنسان أن يحافظ على أثره حين تتكفل الحياة بمحو الكثير من آثاره؟
الإجابة التي يقترحها طارق هاشم تبدو واضحة منذ الصفحة الأولى: يستعيد الإنسان صوته بالكلام، وبالشعر، وبالغناء. وحين يقرأ القارئ الديوان في ضوء إهدائه، تصبح الشخصيات التي فقدت أحباءها، أو انتظرت طويلًا، أو تعرضت حكاياتها للحذف، أو واجهت الرحيل، جزءًا من مشروع واحد لاستعادة الصوت.
لهذا فإن العبارة «أن من ننتظرهم / إما يأتون متأخرين / أو لا يأتون أصلًا..» تكتسب في نهاية القراءة معناها الأوسع. الذين ننتظرهم قد يتأخرون، وقد يغيبون، وقد تصبح عودتهم مستحيلة، لكن القصيدة تستطيع أن تستعيد صورتهم. وما يفقده الإنسان في الواقع قد يستعيده في اللغة، وما يمحوه الزمن قد تحفظه الصفحة، وما يسرقه الغياب قد يعود صوتًا.
وهنا تكمن ميزة «سارة مراد»: في تحويل الانتظار من حالة عاطفية إلى رؤية للعالم، وتحويل الفقد من نهاية إلى مادة للكتابة، وتحويل الصوت المسروق إلى صوت قادر على العودة. الديوان في جوهره رحلة بين الغياب والأثر، بين من رحل ومن ينتظر، بين الحكاية التي كادت تضيع والقصيدة التي أعادتها إلى الوجود. وإذا كان الذين ننتظرهم قد لا يأتون، فإن الكتابة تظل قادرة على أن تحفظ مكانهم، وأن تقول عنهم، وعن أصحابها أيضًا: كنا هنا.



















