أ.د. صالح سليمان عبدالعظيم
ثمة أفلام عن الحرب تبدأ من الجثة، وأخرى تبدأ من القنبلة، لكن فيلم “نازا” (NAZA) يبدأ قبل ذلك كله. من المكتب الذي تُصنع فيه الجثة قبل أن تصبح جثة، ومن الشاشة التي يتحول فوقها الإنسان إلى إشارة، والبيت إلى إحداثيات، والأسرة إلى رقم، والموت المتوقع إلى خانة داخل عملية حسابية. ولهذا لا يبدو الفيلم مجرد عمل آخر عن دمار غزة، بقدر ما يبدو محاولة للدخول إلى الغرفة الخلفية للحرب؛ حيث تُجمع المعلومات، وتُحدد الأهداف، وتُراقب الهواتف، وتُقدَّر أعداد المدنيين، ثم تصدر الموافقة على الضربة.
أخرج الفيلم يوفال أبراهام (Yuval Abraham) وراشيل زور (Rachel Szor)، وهما من المشاركين في إخراج “لا أرض أخرى”(No Other Land) ، ويستند “نازا” إلى شهادات جنود وعاملين سابقين في الاستخبارات الإسرائيلية. يظهر معظمهم في الظلام، بعد إخفاء ملامحهم وتغيير أصواتهم. وكأن الظلمة لا تحمي الشهود فقط، بل تلخص عالم الفيلم كله. أشخاص يتحدثون من قلب منظومة لا تريد أن تُرى كاملة.
أما عنوان الفيلم، فهو مفتاحه الأهم. “نازا” اختصار عسكري يشير إلى “الضرر الجانبي” collateral damage، أي عدد المدنيين الذين قد يسقطون أثناء استهداف هدف عسكري. هنا يبدأ التحول الحقيقي. الطفل لم يعد طفلا، والأم ليست أما، والأسرة لا تعود أسرة. الجميع يصبحون جزءا من رقم متوقع. ومن ثم فإن الفيلم ليس فقط عن القتل، بل عن اللغة التي تسبق القتل، وعن الكيفية التي يتحول بها الإنسان إلى مصطلح تقني يخفف حضوره الأخلاقي.
هناك فرق كبير بين أن تقول: سيموت عشرة أشخاص في هذا المنزل، وأن تقول: “النازا عشرة”. العبارة الأولى تستدعي البشر، والثانية تستدعي الحساب. وكلما ازدادت اللغة برودة وتجريدا ابتعد صاحب القرار عن الجسد الذي سيحمل نتيجة القرار. وهنا تكمن إحدى أفكار الفيلم الأكثر قسوة: العنف لا يبدأ دائما بإطلاق النار؛ أحيانا يبدأ بالكلمة التي تجعل إطلاق النار أسهل.
وتزداد هذه القسوة عندما يكشف الفيلم أن القتل ليس فعل شخص واحد، بل حصيلة سلسلة كاملة من الأعمال الصغيرة. هناك من يجمع المعلومات، من يراقب الاتصالات، من يحدد الموقع، من يراجع الاسم، من يقدّر عدد الموجودين في المنزل، من يجيز الضربة، ومن ينفذها. في نهاية السلسلة يستطيع كل فرد أن يقول إنه لم يكن صاحب القرار الأخير.
هذه هي منطقة “تفاهة الشر” The Banality of Evil التي تحدثت عنها هانا أرندت .(Hannah Arendt). ليس بمعنى أن الشر بسيط أو قليل الأهمية، بل بمعنى أن الجرائم الكبرى يمكن أن تتحول إلى أعمال يومية موزعة بين أشخاص يؤدون وظائفهم. موظف يجمع البيانات، وخبير يحلل، وضابط يراجع، ومشغل ينفذ. كل خطوة تبدو إدارية إذا نظرنا إليها وحدها، لكن جمعها معا ينتج الموت.
وهنا يكتسب وصف بعض المشاركين لأنفسهم بأنهم مجرد “تروس صغيرة” داخل آلة أكبر دلالة عميقة. فهذه العبارة تبدو دفاعا، لكنها تكشف المشكلة نفسها. الآلة لا تعمل إلا بالتروس الصغيرة، والعنف المؤسسي لا يحتاج دائما إلى شخص متعطش للقتل. يكفي أن يؤدي كل فرد وظيفته، وأن يتوقف عند حدود اختصاصه، وألا يسأل كثيرا عما يحدث بعد ذلك.
يدخل الذكاء الاصطناعي والخوارزميات في قلب هذه المنظومة. فالحرب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على عين الجندي أو تقرير الضابط، بل على نظم تستطيع تحليل كميات ضخمة من البيانات والاتصالات والعلاقات والحركات. لكن السؤال الأخلاقي لا يتوقف عند ما إذا كانت الخوارزمية قد أخطأت في تحديد الهدف. السؤال الأخطر هو: ماذا لو كانت دقيقة، لكن السياسة التي تستخدمها تقبل أصلا بسقوط عدد كبير من المدنيين؟ التكنولوجيا لا تمنح القرار شرعية أخلاقية. قد تجعل الاستهداف أسرع وأكثر دقة، لكنها لا تحدد وحدها ما إذا كان القرار عادلا أو غير عادل. بل ربما تكمن الخطورة في أنها توسع القدرة على إنتاج الأهداف وتنفيذ الضربات، فتحول الحرب من عملية محدودة إلى نوع من الصناعة المنظمة.
يطرح الفيلم مفارقة أشد إيلاما: ماذا لو لم يكن المدني ضحية نقص المعلومات، بل ضحية وفرتها؟ ماذا لو عرفت المؤسسة مكانه، وهاتفه، ومن يعيش معه، ثم أدرجت وجوده ضمن الحساب واستمرت العملية؟ في الحروب القديمة كان يمكن تفسير موت المدني بالجهل بوجوده. أما الحرب الرقمية فتفتح احتمالا أكثر قتامة: أن يكون وجوده معلوما، ومحسوبا، ثم يُعامل رغم ذلك باعتباره كلفة مقبولة.
هنا يقترب الفيلم من مفهوم “الحياة العارية” عند جورجيو أجامبين (Giorgio Agamben)، أي الحياة التي تصبح معرضة للموت بعد أن تُدفع إلى منطقة تضعف فيها الحماية السياسية والقانونية. لكن الحرب الخوارزمية تضيف إلى هذا المفهوم شيئا جديدا. الحياة لم تعد فقط قابلة للقتل، بل أصبحت قابلة للحساب. يمكن تقديرها رقميا، ووضعها داخل معادلة، ومقارنتها بما يسمى أهمية الهدف.
لهذا يصبح الفلسطيني في الفيلم مرئيا ومختفيا في الوقت نفسه. مرئي في البيانات. هاتف، موقع، اتصال، منزل، عدد أشخاص. لكنه مختفٍ بوصفه إنسانا. النظام قد يعرف عنه الكثير، لكنه يعرفه كمعلومة لا كسيرة حياة. يعرف مكانه ولا يعرف معنى البيت بالنسبة إليه. يعرف عدد أفراد أسرته ولا يعرف خوفهم. يعرف توقيت تحركه لكنه لا يعرف ما الذي يعنيه موته لمن سيبقون بعده.
ومع ذلك، يحتاج الفيلم نفسه إلى قراءة نقدية. فالشهادات مجهولة الهوية، وهذا مفهوم لحماية أصحابها، لكنه يجعل المشاهد غير قادر على التحقق بنفسه من موقع كل شاهد أو درجة اطلاعه. ولذلك لا ينبغي التعامل مع “نازا” باعتباره حكما قضائيا نهائيا. بل باعتباره تحقيقا يطرح أسئلة خطيرة تستحق الفحص والمقارنة بوثائق وشهادات أخرى. قوة الفيلم تأتي من تراكم الشهادات، لا من تحويلها إلى حقيقة مقدسة لا تقبل النقاش.
ثمة مفارقة أخرى، الفلسطيني هو مركز المأساة، لكن الإسرائيلي هو الذي يتحدث في معظم الوقت. وهذا يمنح الفيلم قوة، لأنه يكشف المنظومة من الداخل، لكنه يكشف أيضا مشكلة أوسع. لماذا تصبح المعاناة الفلسطينية في الإعلام الدولي أكثر قابلية للتصديق عندما يؤكدها صوت إسرائيلي؟ كأن شهادة من فقد بيته أو أسرته تحتاج إلى ختم إضافي حتى تُسمع. ولهذا ينبغي أن يُقرأ “نازا” بوصفه إضافة إلى الأرشيف الفلسطيني، لا بديلا عنه.
كما أن شهادات الجنود والعاملين السابقين تفتح سؤالا أخلاقيا صعبا. هل من يتحدث اليوم عن الآلة كان بالأمس جزءا منها؟ وهل تتحول الشهادة تلقائيا إلى براءة؟ الفيلم لا يقدم جوابا سهلا، وهذا من نقاط قوته. من المهم أن يتكلم من يعرف، لكن الكلام اللاحق لا يمحو بالضرورة المشاركة السابقة. أحيانا تكون الشهادة مهمة تحديدا لأنها تقترب من الاعتراف.
لهذا فإن أضعف قراءة للفيلم هي اعتباره قصة عن “جنود سيئين”. لو كانت المشكلة أفرادا منحرفين لكان الأمر أسهل. أما ما يقترحه “نازا” فهو أخطر بكثير: المشكلة قد تكون في اللغة، في التكنولوجيا، في تقسيم العمل، في تسلسل الأوامر، وفي الطريقة التي تجعل كل شخص بعيدا بما يكفي عن الجثة. وهنا يلتقي الفيلم مع نقد الحداثة عند زيجمونت باومان (Zygmunt Bauman). فالتقدم التقني والتنظيم الإداري لا يقفان دائما في مواجهة البربرية. يمكن للعنف أن يكون دقيقا ومنظما وفعالا، وأن يعمل ببرامج متطورة وجداول محسوبة. البربرية لا تحتاج دائما إلى الفوضى؛ أحيانا تكون أكثر خطورة حين تصبح جيدة الإدارة.
لهذا لا تكمن قيمة “نازا” في أنه يخبرنا بأن مدنيين قُتلوا في غزة؛ هذه حقيقة يعرفها العالم. قيمته الحقيقية أنه يحاول أن يكشف ما يوجد قبل الصورة: القرار، اللغة، الخوارزمية، والتقسيم البيروقراطي للمسؤولية. يبدأ الأمر بإنسان له اسم وبيت وعائلة، ثم يصبح “مدنيا”، ثم “ضررا جانبيا”، ثم “نازا”، ثم رقما. وما إن يتحول إلى رقم حتى يصبح من الممكن جمعه وطرحه وموازنته برقم آخر. وربما هنا تكمن الفكرة الأشد قسوة في الفيلم كله. كان نزع الإنسانية قديما يعني ألا ترى الآخر إنسانا. أما في الحرب الرقمية، فقد تستطيع أن تراه بدقة شديدة، وأن تعرف عنه الكثير، ثم تختصره مع ذلك في رقم. وهذا الرقم هو “نازا”.
…………………………
*أستاذ علم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة عين شمس














