عبدالله السلايمة
أحيانًا تكفي حركة صغيرة كي تستعيد الذاكرة حياة كاملة: بندول ساعة، أو هيئة قط نائم، أو صفارة قطار. أشياء عادية، لكنها حين تدخل الحكاية تتحول إلى مفاتيح تفتح أبوابًا على الفقد والحنين والخوف وما تركه الغائبون وراءهم. من هذه المنطقة قرأتُ «الملهمات التسع (ميوزيس)» للكاتب والقاص أمل سالم؛ مجموعة لفتني فيها انشغال الكاتب بالإنسان في تفاصيل حياته اليومية، والبحث عن الحكاية في الأشياء التي لا نتوقع أن نجد فيها حكاية.
والعنوان، كعتبة أولى، يبدو مفتاحًا مناسبًا لهذه القراءة. فـ«الميوزيس» في الأسطورة الإغريقية هنّ آلهات الفنون والتاريخ، لكن أمل سالم ينقل الفكرة من عالم الأسطورة إلى الحياة اليومية؛ فمصدر الإلهام هنا قد يكون شيئًا صغيرًا، أو شخصًا عابرًا، أو ذكرى قديمة. ويؤكد الإهداء هذا المعنى منذ البداية: «إليه.. إليها.. إلى هذا الوطن الحبيب.. إلى الإنسان».
في قصة «البندول» تتحول الساعة القديمة إلى طريق للعودة إلى الأب الراحل. يقول الراوي: «تلك الساعة التي أصرت أمي على الاحتفاظ بها على الرغم من تخليها عن أشياء كثيرة من منزلنا لمواصلة الحياة، نظرت فرأيت بندولها يتحرك مع كل دقة، ومنذ هذه اللحظة وأنا أتذكر موته كلما نظرت إلى ذلك البندول».
توقفتُ عند هذا التفصيل؛ فالأب لا يعود من خلال استدعاء مباشر للذكريات، وإنما من خلال حركة البندول. الزمن نفسه، بحركته المنتظمة، يصبح وسيلة لاستحضار من رحل. وهنا تبدو الأشياء في هذه المجموعة ليست مجرد خلفيات للأحداث، بل تحمل في داخلها أثر أصحابها وشيئًا من ذاكرتهم.
وتأتي قصة «قط أبيض» لتواصل هذا الخيط، ولكن من زاوية أكثر بساطة. حركة القط تستدعي الأب: «تذكرت أبي؛ قلت إنها الحركة نفسها، يبدو أن الطبيعة تصر على تذكيرك بأبيك». لا حدث كبير هنا، ولا مناسبة استثنائية؛ مجرد حركة صغيرة تفتح بابًا واسعًا للذاكرة. وهذا ما أعجبني في القصتين معًا؛ ففي كلتيهما يعود الأب من خلال شيء عابر، لا من خلال استدعاء مباشر للذكريات. في «البندول» كانت الساعة تحمل أثره، وفي «قط أبيض» تستعيده حركة القط، وكأن الذاكرة تعرف كيف تختبئ في الأشياء الصغيرة، ثم تفاجئنا بالغائبين حين لا نتوقع.
لكن الأشياء لا تستعيد الغائبين فقط؛ أحيانًا تحتفظ بأثر الغياب. وهذا ما وجدته في «السرير»، حيث يتحول السرير إلى شاهد على الموت: «كانت بقعة دم أكثر اتساعًا من سابقتها على السرير… همهمة أعقبها صراخ، أسرعت نحو الحجرة، كانت بقعة دم أكبر من سابقتها تملأ السرير، لقد انفجر الكبد». الصورة قاسية، لكنها واضحة ومكتفية بذاتها تقريبًا. فالسرير، وبقعة الدم، والصراخ، تكفي لكي تصل إلينا فداحة اللحظة من دون حاجة إلى تفسير طويل.
ومن أثر الموت ننتقل إلى أثر المكان في الإنسان. في «التركة» تختصر جملة واحدة مسافة طويلة بين الشخصية وماضيها: «البهيمه مَاتَتْ يا أحمد أفندي». يحمل اللقب «أحمد أفندي» معه التعليم والطموح ومحاولة الخروج من عالم القرية ، لكن الجملة تعيده فجأة إلى ذلك العالم. وفيها شيء من السخرية، لكنه ليس بعيدًا عن الأسى؛ لأن الإنسان، مهما ابتعد، قد يجد ماضيه في انتظاره عند أول التفاتة.
ومن الماضي الشخصي إلى الماضي العام تأتي «سيرة غير مبررة»، حيث يدخل التاريخ إلى الحكاية من خلال عين طفل: «سادت الثورة، فرح الناس الشهود، تثعلبت الثورة المضادة، غير انتماءها الناس، أخمدت الثورة». عبارات مكثفة؛ فالأحداث الكبرى تمر سريعًا، بينما يبقى الإنسان العادي في مواجهة نتائجها. وكأن الكاتب، حتى حين يقترب من التاريخ، يظل معنيًا بما يفعله التاريخ في حياة الناس.
ثم تضيق الدائرة مرة أخرى في «الراهبة»، لنرى الإنسان في مواجهة الآخر، لا بوصفه مختلفًا عنه، وإنما بوصفه إنسانًا يحتاج إلى الحنان. يبدأ الطفل بالخوف من «سير كُولُتا»، ثم تتغير العلاقة حتى يقول لها هامسًا: «حاضر يا ماما. فتوهجت، وقبلتني». هذه لحظة إنسانية جميلة في المجموعة؛ لأن الاختلافات التي بدت في البداية حاجزًا تتراجع أمام علاقة أكثر بساطة وصدقًا: طفل وجد في امرأة غريبة صورة الأم.
أما «مبدأ الريبة»، فيعيدنا الكاتب إلى المشهد الصغير، لكنه يفعل ذلك بطريقة تلفت إلى قدرته على ترك الصورة تعمل وحدها. القطار، والطفلة، والرجل العجوز، وقلق الأم، ثم صفارة القطار الطويلة؛ كل هذه العناصر تتضافر من غير حاجة إلى كثير من الكلام. وهنا شعرت أن المشهد يقول أكثر مما تقوله الكلمات، ويمنح القارئ مساحة لالتقاط ما وراء الصورة من خوف وقلق.
ومن هنا تحديدًا جاءت الملاحظة التي بقيت معي وأنا أتنقل بين قصص المجموعة. شعرت أحيانًا أن الكاتب لا يثق بما يكفي في الحكاية التي بين يديه. فإذا وجد موقفًا مثيرًا أو معنى يحتمل أكثر من قراءة، يميل إلى شرحه وملاحقته بالكلمات، بدل أن يترك للقارئ مساحة لاكتشافه بنفسه.
ويظهر ذلك، مثلًا، في قصة «نفر العزبة – نيويورك»: «يا للحظ التعس، لماذا ولدت في هذه الحياة؟ قال ذلك في سره ثم زاد: هل لأعطى اسم ودين وجنسية أظل أدافع عنهم طيلة حياتي، وألهث كالأبله وراء رزقي غير الثابت!»
المقطع يعبّر بوضوح عن أزمة الشخصية، لكنني شعرت أن جزءًا من هذا القلق كان يمكن أن يصل إلينا من خلال الموقف نفسه. وربما لو بقيت بعض الأسئلة معلقة، لمنح ذلك القارئ فرصة أكبر للمشاركة في اكتشاف الشخصية ومعناها.
ومع ذلك، بقيت القصص، رغم اختلاف أمكنتها وأزمنتها، متصلة في ذهني بخيط واحد؛ فالبندول يعيد الأب إلى الذاكرة، والقط يستدعي الغائب، والسرير يحتفظ بفظاعة الموت، وجملة واحدة تعيد الإنسان إلى قريته، بينما يمر التاريخ من عين طفل، وتتحول الراهبة من امرأة غريبة إلى أم، وتحمل صفارة القطار خوفًا قديمًا لا نراه كاملًا. تبدو هذه الصور متباعدة، لكنها تلتقي في قدرتها على تحويل اللحظة العابرة إلى أثر يبقى في النفس بعد انتهاء الحكاية.
في هذه المجموعة، لا تأتي الحكاية دائمًا من حدث كبير؛ قد تبدأ من حركة عابرة أو صورة صغيرة، ثم تتسع في الذاكرة حتى تفتح على حياة كاملة. وهذا ما يمنح قصص «الملهمات التسع» قدرتها على البقاء بعد القراءة؛ فالبندول ليس مجرد ساعة، والقط ليس مجرد قط، وصفارة القطار ليست مجرد صوت عابر، وإنما تتحول هذه الأشياء إلى علامات تستدعي ما غاب وما بقي في النفس.
ولعل أجمل ما تفعله الحكاية أن تجعل القارئ ينظر إلى الأشياء من حوله بعين مختلفة؛ فيرى في الحركة العابرة ذكرى، وفي شيء صغير أثرًا لإنسان غاب. وحين تنتهي الصفحات، لا تنتهي الحكايات بالضرورة؛ فبعضها يواصل حضوره في ذاكرة القارئ، مثل بندول يظل يتحرك، دقة بعد دقة، حتى بعد أن يسكن كل شيء من حوله.















