عبد السلام فاروق
أعترف أنني لم أكن أعرفها.. ولم أسمع عنها من قبل. وحين بدأت أقرأ أوراقها القديمة، وأطارد صورها الباهتة، وأبحث عن أعمالها المتناثرة هنا وهناك، اكتشفت أنني أمام امرأة من نوع نادر.. امرأة اختارت أن تعيش حياتها كاملة في الظل، بينما كان بوسعها أن تقف في الشمس.
إنها (رعاية حلمي).. فنانة تشكيلية من جيل الرواد، عاشت وماتت دون أن يعرفها أحد، ودون أن ترفع صوتها يومًا لتقول: أنا هنا.. أنا موجودة.
فهل كان ذلك ضعفًا منها؟ أم قوة ؟ هل كان هروبًا من المواجهة؟ أم اختيارًا واعيًا لطريق آخر؟
هذا ما حاولت أن أفهمه.. وهذا ما سأحكيه لكم.
البداية.. بيت يحترم عقل المرأة
في ديسمبر سنة 1923، وُلدت رعاية حلمي في حلوان. كانت مصر يومها تتنفس هواء جديدًا بعد ثورة 1919.. ثورة لم تكن مجرد هبة سياسية، بل كانت انفجارًا حقيقيًا في العقل المصري كله. وفجأة، بدأ الناس يتكلمون عن حقوق المرأة، وعن تعليم البنات، وعن مستقبل جديد لا يشبه الماضي.
في ذلك البيت، كان هناك رجل يؤمن بهذه الأفكار فعلًا لا قولًا. محمد حلمي أحمد حلمي.. أبوها.. كان رجل قانون، ووطنيًا من الحزب الوطني، لكن الأهم من كل ذلك أنه كان يؤمن بأن البنت إنسان كامل.. لها عقل يجب أن يحترم، ومستقبل يجب أن يصنع. قال لبناته السبع: “تعلمن ما شئتن، ولكن تعلمن”.
كلمة بسيطة.. لكنها في ذلك الزمن كانت قنبلة. كانت كافية لأن تغير مصير سبع بنات، وتفتح لهن أبوابًا كان المجتمع يغلقها في وجوه النساء.

المعهد.. حيث تكتشف البنت نفسها
في سنة 1941، دخلت رعاية معهد الفنون الجميلة للبنات. تصوروا.. فتاة من بيت محترم تدخل معهدًا للفنون! في ذلك الزمن، كان الرسم والموسيقى عند البنات نوعًا من الكماليات.. زينة اجتماعية تتعلمها البنت كما تتعلم الإتيكيت.. لكن الاحتراف؟! أن تصبح البنت فنانة؟! أن تقف أمام الجمهور وتعرض أعمالها؟!
كان ذلك شيئًا آخر تمامًا.
رعاية لم تكتفِ بدخول المعهد.. بل اختارت النحت. النحت!
أصعب فنون التشكيل وأكثرها صرامة.. فن يتطلب قوة جسدية، ومواجهة مباشرة مع الحجر والطين، وصبرًا لا ينتهي. لماذا اختارت البنت الرقيقة هذا الطريق الوعر؟
ربما لأنها كانت تريد أن تثبت شيئًا.. ربما كانت تريد أن تقول إن المرأة قادرة على كل شيء، حتى على حمل الإزميل وضرب الحجر. وربما كانت تحاول أن تكسر قيدًا آخر من تلك القيود التي تلف حول جسد المرأة وعقلها معًا.
الرجل الذي أحبها.. قصة حب بلا ضجيج
في أواخر الأربعينيات، التقت رعاية ببدر الدين أبو غازي. كان شابًا من عائلة فنية عريقة.. ابن أخت المثال العظيم محمود مختار. كان يحمل في دمه عشق الفن، وفي قلبه شغفًا نادرًا بالجمال.
أحبها.. وأحبته. لكنهما لم يجعلا من حبهما قصة صاخبة تملأ المجالس. تزوجا في صيف 1950.. بلا مهر ولا شبكة ولا حفلة. شقة صغيرة في المعادي، جمعا فيها لوحاتها وكتبه، وبدآ حياة مشتركة كان عنوانها الأكبر: الفن.
كان زواجهما غريبًا على زمانه.. لم تكن رعاية تبحث عن رجل يصرف عليها، ولا كان بدر يبحث عن امرأة تخدمه. كانا شريكين.. كل منهما يكمل الآخر. هو يكتب عن الفن، وهي تصنعه.
لكن الزواج كان له ثمن.. وسيظهر هذا الثمن بعد سنوات.

سنوات الضوء
من سنة 1941 إلى منتصف الخمسينيات، عاشت رعاية أجمل سنواتها الفنية. كانت تنحت وترسم وتشارك في المعارض. كانت أعمالها تلفت النظر، وموهبتها تتحدث عنها قبل أن يتحدث الناس عنها.
كانت تعشق وجه مصر.. النيل وهو يشق القاهرة كشريان من فضة، وأسوان برمالها الذهبية، ورأس البر بنسماتها المالحة. كانت تمسك الضوء المصري بيديها وتضعه على لوحاتها، فيتوهج كما لم يتوهج من قبل.
في فن البورتريه، كانت تعرف كيف تدخل إلى روح الشخص الذي أمامها.. كيف ترى خلف العينين، وخلف الابتسامة، وخلف الصمت. كانت تنحت الوجه وكأنها تحفر في أعماق النفس.
كانت فنانة حقيقية.. وكانت ستكون واحدة من أهم فنانات جيلها لو استمرت. لكنها لم تستمر.
لماذا توقفت؟ هنا السؤال الذي حيرني طويلًا.. لماذا توقفت رعاية حلمي عن الفن وهي في أوج عطائها؟
في منتصف الخمسينيات، اختفت من المعارض، واعتزلت النحت والتصوير، واكتفت بالتدريس في المدارس. لم تشرح لأحد الأسباب، ولم تكتب مذكرات، ولم تترك اعترافًا.
لكن حين ننظر إلى حياتها عن قرب، نجد الإجابة ماثلة أمامنا في تفاصيل صغيرة: ثلاثة أطفال يحتاجون إلى رعاية، وزوج مشغول بكتاباته ونقده، وبيت يحتاج إلى من يديره، ومجتمع لا يغفر للمرأة أن تنجح في الفن بينما يقبل نجاحها في أي شيء آخر.
كانت رعاية حلمي امرأة من جيلها.. جيل النساء اللواتي تعلمن أن التضحية واجبهن الأول. ضحت بأحلامها من أجل أسرتها.. انسحبت من الضوء لتعيش في الظل.. توقفت عن النحت لتتفرغ للحياة. هل كان ذلك صحيحًا؟ هل كان خطأ؟ من أنا لأحكم؟! لكن ما أعرفه أن شيئًا ما مات في داخلها يوم توقفت عن الفن. شيء ما ظل ينزف بصمت طوال السنوات التالية.

مدرسة في الصباح.. ومعرض في المساء
لكن رعاية لم تمت كفنانة.. بل تحولت إلى نوع آخر من الفن. أصبحت معلمة تفتح عيون تلميذاتها على الجمال.
في المدرسة السنية، كانت تعلم البنات تذوق الفن وتاريخه، وتشرف على أعمال الحفر والطباعة. كانت تأخذهن إلى المتاحف والمعارض، وتكتب لهن مقالات صغيرة في مجلة المدرسة عن الفن والفنانين. كانت تزرع في عقولهن بذرة حب الجمال.. تلك البذرة التي زرعها فيها أبوها يومًا.
وفي البيت، كانت تصنع مع أطفالها معارض منزلية. تضع شريطًا على باب الغرفة، وتدعو زوجها ليفتتح المعرض رسميًا. كان يمشي بين اللوحات الطفولية بجدية، يمنح الجوائز ويعلن “الاقتناء”.. وكأنه في متحف كبير.
كانت تعلمهم أن الفن شيء جاد.. يستحق الاحترام. يا لروعة هذه المرأة!
الموت في عينيها
في سنة 1979، مات ابنها الأكبر مختار في حادث سير.
من يومها تغير كل شيء. تقاعدت من عملها.. انسحبت أكثر من الحياة.. عاشت سنواتها الأخيرة بين ذكرياتها وأحزانها.
وحين ماتت شقيقتها منحة سنة 2005، كتبت عنها كلمات تقطر ألمًا: “جمعني بمنحة مصير واحد وعلاقة مركبة.. كان تقارب السن بيننا وسط أسرة كبيرة العدد دافعًا إلى توطد علاقتنا، ثم كان تقارب الميول والاتجاه نحو دراسة الفنون نتيجة لتلك العلاقة الحميمة”.
كانت تكتب عن شقيقتها.. لكنها في الحقيقة كانت تكتب عن نفسها، وعن مصيرها، وعن علاقتها المركبة بالفن الذي أحبته ثم تركته.

في النهاية.. من هي رعاية حلمي؟
هي واحدة من آلاف النساء المصريات اللواتي عشن ومتن دون أن يعرفهن أحد.. نساء حملن مواهب كبيرة ودفنّها في صدورهن.. نساء ضحين بأحلامهن من أجل آخرين.. نساء اخترن الصمت في زمن كان فيه الكلام ممكنًا.
لكن الفرق أن رعاية حلمي تركت أثرًا.. تركت أعمالًا فنية مبعثرة هنا وهناك، وتركت تلميذات يحملن حب الفن في قلوبهن، وتركت أبناءً وأحفادًا يسيرون على درب الجمال من بعدها.
في 28 أكتوبر 2014، توفيت رعاية حلمي بهدوء، كما عاشت.
ورحلت معها أسئلة كثيرة لن نعرف إجاباتها أبدًا: لماذا توقفت عن النحت؟ هل كانت سعيدة بحياتها؟ هل ندمت على قرارها؟ هل كانت ستختار طريقًا آخر لو عاد بها الزمن؟
لا أحد يعرف. لكن ما أعرفه أن حياة مثل حياتها تستحق أن تروى.. لا لأنها كانت نجمة، بل لأنها كانت إنسانة حقيقية.. عاشت حياتها كما تملي عليها الظروف، لا كما تملي عليها الأحلام.. وضحت وصمتت وتحملت.. وفي النهاية، تركت خلفها حكاية تشبه حكايات كثيرات من نساء مصر.
رحم الله رعاية حلمي.. ورحم كل امرأة مصرية حملت الفن في قلبها ولم تستطع أن تعيشه. فهن البطلات الحقيقيات.. بطلات الصمت والظل والتضحية.











