حافظ مغربي وترويض النقد!

عبد السلام فاروق

ما الذي يحدونا إلى الكتابة عن كتاب بعينه دون سواه؟ هل هو الافتتان بموضوعه، أم التقدير لصاحبه، أم تلك الرغبة في استعادة لحظات من العمر نقشتها الذاكرة فصارت جزءًا لا يتجزأ من كياننا؟

وفي حالة هذا الكتاب، تتوحد الدوافع وتتضافر، فأنا أكتب عن كتاب لمؤلف عرفته عن قرب، ورافقته في دروب طوال، وشهدت معه لحظات التكوين الأولى التي صاغت وعينا النقدي وحددت ملامح مسيرتنا الفكرية. ولذلك، فإن هذا المقال لن يكون دراسة أكاديمية جافة تلتزم بما ألفه الناس في مثل هذه المواضع، وإنما هو شهادة صديق عرف المؤلف إنسانًا قبل أن يعرفه ناقدًا، وعاش معه زمن السؤال قبل أن يقرأه في زمن الجواب.

من ذاكرة البدايات

في بدايات الطلب، حين كنا ننتقل بين حلقات الدرس في أروقة كلية دار العلوم، كان النقد الأدبي يبدو لنا جبلًا شامخًا، نرفع إليه رؤوسنا بخشوع المتأملين، ونسائل أنفسنا في همس خفي: أنى لنا أن نصعد؟ وهناك، في محافظة المنيا، حيث تتدفق مياه النيل كسرد لا ينقطع، نشأت صداقاتنا النقدية الأولى، وتشكلت مساراتنا بين دفاتر المتنبي وصولًا إلى حداثة الرواية. ومن بين تلك الوجوه التي لا تمحوها الأيام، كان الدكتور حافظ مغربي يطل كشجرة ظل وارفة، يجمع بين صرامة الأكاديمي ودفء الصديق، وبين دقة المنهج ورحابة الأفق.

واليوم، بعد أن اكتملت مسافاتنا وتشعبت طرقنا، يعود بنا كتابه الجديد «غواية السرد وترويض النقد» إلى تلك اللحظات الأولى، حين كنا نختبر سحر النص معًا، ونتبادل الأسئلة التي لا تنتهي: كيف نقرأ؟ ولماذا نكتب النقد؟ وما موقع الناقد من دائرة الإبداع؟ وفي هذه السطور، سأحاول أن أتتبع خيط الذاكرة هذا، كوني رفيق درب عرف مؤلف الكتاب إنسانًا قبل أن يكون ناقدًا، وصاحب سؤال قبل أن يكون صاحب جواب. فالنقد – في نهاية المطاف – ليس سوى حكاية أخرى نرويها عن حكايات الآخرين، وحين يكون الراوي صديقًا قديمًا، تصبح السطور أكثر دفئًا، والقراءة أشبه بلقاء بعد غياب.

الفكرة المركزية

لا يكف السرد عن إغوائنا. هذه هي الفرضية الأولى التي ينطلق منها الدكتور حافظ مغربي في كتابه «غواية السرد وترويض النقد»، وكأنه يهمس لنا منذ العتبة الأولى: انتبهوا، فالنقد ليس تقطيعًا جافًا للنصوص، ولا محاكمة باردة للدلالات، إنما هو استجابة لإغراء الحكاية، وانسياق وراء نبضها الحي، ثم محاولة لاحقة لضبط هذا الانسياق بأدوات لا تفسد سحره.

والكتاب، الصادر عن دار كفاءة للنشر والتوزيع بمصر، يقدم نفسه بوصفه «مزيجًا متنوعًا» – كما يصفه مؤلفه – من الدراسات التحليلية التي تتناول أجناسًا سردية متعددة، من الرواية إلى القصة القصيرة، وربما ما يتجاوزهما إلى تخوم السرد في أشكال تعبيرية أخرى. غير أن هذا التنوع لا يخفي وحدة عضوية تجمع فصوله، وهي تلك النظرة إلى السرد بوصفه فضاء للتفاوض بين القارئ والنص، وبين المبدع والمتلقي، وبين النقد والإبداع؛ فضاء تتقاطع فيه السلطات وتتعدد فيه الأصوات.

وما يلفت النظر في منهج الدكتور حافظ مغربي، أستاذ البلاغة والنقد الأدبي بكلية دار العلوم، هو تحويله النقد من خطاب وصفي إلى خطاب سردي. فالناقد هنا لا يكتفي بتشريح النص، بل يحاوره ويسايرة ويقع في غوايته، ثم يحاول – بعد ذلك – أن يروض تلك الغواية عبر أدواته التحليلية. وهذا الانزياح من لغة التقعيد إلى لغة الحكي هو ما يجعل الكتاب أقرب إلى نقد روائي، إذا جاز التعبير، حيث يصبح الناقد شبه راو ينسج حكايته الخاصة من خيوط النص المقروء، فلا تعود القراءة شرحًا للنص بقدر ما هي إعادة إنتاجه في ثوب جديد.

وليست هذه النقلة من الوصف إلى الحكي ترفًا أسلوبيًا، بل هي موقف معرفي من طبيعة النقد ذاته؛ إذ يدرك الدكتور حافظ مغربي أن النص السردي لا يكشف عن أسراره لمن يقف خارجه موضع المتفرج، وإنما يفتح أبوابه لمن يدخل فيه مشاركًا، ويعايش شخصياته، ويتنفس هواءه، ثم يخرج منه بعد ذلك محملًا بالرؤية لا بالحكم.

وحدة الرؤية وتكامل الأدوات

ولا يغيب عن الناقد المتخصص في البلاغة العربية أن يربط بين الأدوات البلاغية والرؤية السردية، فيكشف كيف تتحول الاستعارة إلى بناء حكائي، وكيف يصبح الانزياح اللغوي بوابة لانزياح الدلالة، وكيف تتسع الكناية لتصبح استراتيجية سردية كاملة. وهنا تبرز أهمية الكتاب في كونه لا يفصل بين الشكل والمضمون، بل يجعلهما وجهين لعملة واحدة، تمامًا كما يفعل السرد العظيم حين يذوب فيه المتلقي فلا يعود يميز بين القصة وطريقة سردها، ولا بين المعنى وأداة إنتاجه.

وهذا المزج بين البلاغة والسرد ليس جديدًا على الدكتور حافظ مغربي؛ فقد ظل مشغولًا به منذ سنوات دراسته الأولى، حين كان يسائل النصوص عن سر قدرتها على الإغواء، ويبحث في ثناياها عن تلك الطاقة الخفية التي تجعل القارئ يهجر عالمه ليدخل عالمًا من صنع الكلمات. واليوم يعود إلى ذلك السؤال القديم، لكن بمنهج أنضج وأدوات أحد، ليقدم لنا كتابًا يقف على الحدود بين البلاغة والسرديات، مستفيدًا من التراثين معًا.

تابع أم مبدع؟!

وثمة إشكالية ظلت تطفو بين سطور الكتاب، هل النقد تابع للسرد أم هو نص جديد؟ يبدو أن حافظ مغربي يميل إلى الخيار الثاني، فهو لا يرى النقد مجرد مرآة تعكس النص، بل يمنحه استقلاليته بوصفه «نصًا مبدعًا» قائمًا بذاته، له لغته وبناؤه ورؤيته. وربما لهذا السبب جاءت لغته في الكتاب شاعرية أحيانًا، تحليلية أحيانًا أخرى، وكأنه يقول إن النقد فن قبل أن يكون علمًا، وممارسة إبداعية قبل أن يكون إجراء منهجيًا.

وهذا الموقف من هوية النقد يضع الكتاب في سياق نقاش قديم متجدد حول العلاقة بين الإبداع والتنظير، وحول حدود كل منهما. فإذا كان السرد يغوي، فهل يعني ذلك أن النقد مطالب بمقاومة هذه الغواية، أم مطالب بالاستجابة لها ثم ترويضها؟ يبدو أن حافظ مغربي يختار الطريق الثالث: أن يستجيب الناقد للغواية أولًا، فيسلم نفسه للنص، ثم يعود بعد ذلك إلى أدواته ليحول هذه التجربة الذاتية إلى معرفة قابلة للتداول.

نحو مفهوم جديد للقراءة

يفتح كتاب الدكتور حافظ مغربي «غواية السرد وترويض النقد» أبوابًا لم نكن نعرف أنها موجودة. فالفكرة الجوهرية التي يطرحها – عن «ترويض» النقد للسرد – تحمل في طياتها إشكالية أعمق: ماذا لو كان النقد هو ذاته ضربًا من «الاستجابة للغواية»، وليس مجرد أداة ضبط؟ هنا يتحول المشهد النقدي من ساحة قتال – حيث يحاول الناقد إخضاع النص – إلى فضاء تآلف، أشبه بجلسة صوفية يذوب فيها السارد والسامع في لحظة إبداعية واحدة، ويتعذر فيها الفصل بين الذوات.

ولعل هذه الرؤية تنبع من خلفيتنا المشتركة في المنيا، حيث تعلمنا أن النص الأدبي – كالنيل – لا يقهر بالعنف، لكن يفهم بالانسياب معه، وحيث أدركنا أن القراءة الحقة مصاحبة للنص. والمؤلف، كونه خريج مدرسة البلاغة العربية، يعيد اكتشاف «البيان» بوصفه «إيقاعًا حيويًا» يربط بين القارئ والمقروء، ويجعل من عملية القراءة تجربة وجودية لا مجرد نشاط ذهني.

واللافت في تحليلات الكتاب أنها لا تقف عند حدود الشكل الأدبي، بل تتعداه إلى السرد بوصفه تجربة إنسانية. فحين يكتب الدكتور حافظ مغربي عن «الانزياح السردي» في رواية ما، أو عن «تعدد الأصوات» في أخرى، فإنه في الواقع يكتب عنا نحن القراء، وعن كيف نعيش حياتنا كحكايات متشابكة، تتداخل فيها الأزمنة وتتعدد فيها الرواة. وهذا ما يجعله قريبًا من تودوروف في نظرته إلى الأدب بوصفه مرآة للوجود، لكنه يضيف لمسة عربية تتمثل في التماهي بين البلاغة والحياة، وفي النظر إلى البيان بوصفه أسلوبًا في الوجود لا مجرد أسلوب في القول.

التماهي النقدي

وثمة فصول في الكتاب – مثل تحليله لنصوص سردية معاصرة – تكشف عن تكتيك سردي خاص بمغربي الناقد؛ فهو لا يشرح النص من خارجه، بل يتقمصه، كأنه ممثل يؤدي دورًا في مسرحية النص، يتكلم بلسان شخصياته، ويتحرك في فضاءاته، ويستنطق مسكوتاته. وهذه التقنية تجعل قراءة النقد أشبه بالاستماع إلى حكاية مزدوجة: حكاية النص الأصلي، وحكاية الناقد وهو يعيد سردها بصوته الخاص.

وهنا نتذكر أيامنا في دار العلوم، حيث كنا نلعب دور «الرواة الجدد»، نحول المحاضرات الجافة إلى حكايات تتناقلها الأجيال، ونضيف إلى النصوص المقروءة نصوصًا موازية من صنع خيالنا. وكان حافظ مغربي من أبرع من عرفت في هذه اللعبة؛ إذ كان يقرأ النص فيعيد خلقه، ويسمعه فيحوله إلى تجربة سمعية وبصرية معًا. واليوم يعود إلى تلك اللعبة القديمة، لكن بأدوات الناقد المتمرس، ليقدم لنا نصوصًا نقدية تقرأ كأنها حكايات، وتحلل كأنها دراسات.

رفض معادلة القتل

غير أن الكتاب يطرح سؤالًا مقلوبًا: إذا كان السرد يغوي، والنقد يروض، فهل يعني هذا أن النقد يقتل سحر الأدب؟ يبدو أن الدكتور حافظ مغربي يرفض هذه المعادلة، ويقدم بديلًا عنها مؤكدًا أن النقد ليس مقصلة، بل هو «رقصة جديدة» على أنغام النص. وهذه الفكرة تعيدنا إلى جذورنا الصوفية في النقد العربي القديم، حيث كان الشرح تماهيًا مع النص، لا تفكيكًا له، وحيث كانت القراءة مشاركة في الإبداع لا انتزاعًا لأسراره.

وهذا الموقف له ما يبرره في السياق النقدي المعاصر؛ فقد عانى النقد العربي طويلًا من ثنائية التقديس والتدنيس، حيث يتأرجح النقاد بين الإعجاب المنفعل الذي لا يرى عيوب النص، والتفكيك البارد الذي لا يرى محاسنه. أما حافظ مغربي فيقترح طريقًا ثالثًا هو طريق المصاحبة النقدية، حيث يسير الناقد إلى جوار النص لا خلفه ولا أمامه، يحاوره ولا يحاكمه، يشاركه أسئلته ولا يفرض عليه أجوبته.

وربما يكون هذا الكتاب – في بعده الشخصي – رسالة من زمن مضى، حيث كنا نتناقش في مقاهي المنيا عن دور الناقد هل هو حارس للنص أم مشارك في صنعه؟ واليوم، يجيب الدكتور حافظ بأن الناقد ضيف دائم على مائدة السرد، يأتي حاملًا خبرته، لكنه يترك للقارئ حق إكمال الوليمة. وهكذا يتحول النقد من نشاط أكاديمي إلى طقس إنساني، تمامًا كما كنا نفعل حين كنا نقرأ النصوص معًا، ثم نتركها تعيش فينا، كذكرى لا تنتهي، وكسؤال لا ينغلق.

وفي هذا الجواب ما يشي بنضج طويل؛ فقد أدرك حافظ مغربي أن النقد الذي يغلق النصوص ويمتلكها هو نقد ميت، بينما النقد الذي يفتحها ويتركها تتنفس هو نقد حي. وهذا ما يجعل كتابه يطرح أسئلة نقدية مفتوحة، ويدعو القارئ إلى المشاركة في صنع المعنى بدلًا من تلقيه جاهزًا.

دعوة إلى إعادة التخيل

وفي نهاية المطاف، هذا الكتاب دعوة لإعادة تخيل النقد بوصفه فنًا قادرًا على استيعاب سحر السرد دون أن يفقد أدواته النافذة، وعلى ممارسة الصرامة المنهجية دون أن يفقد روحه الإنسانية. فالدكتور حافظ مغربي يفتح نوافذ تطل على أسئلة أكثر إثارة: ماذا لو تخلى النقد عن صرامته وقبل دعوة السرد للرقص؟ ماذا لو تحولت القراءة من فعل تفسيري إلى مغامرة عاطفية؟ ماذا لو أصبح الناقد راويًا من رواة الحكاية التي يقرؤها؟

أسئلة يطرحها الكتاب، ويترك لنا نحن القراء مهمة الإجابة عنها، أو ربما مهمة الاستمرار في طرحها. وهذا هو جوهر اللعبة النقدية كما يفهمها الدكتور حافظ مغربي؛ لعبة لا تنتهي بإغلاق المعنى، إنما تبدأ بفتحه على مصراعيه.

والشهادة لله أنني لما فرغت من قراءة هذا الكتاب، عادت بي الذاكرة إلى تلك الأيام الأولى في المنيا، حين كنا نقرأ النصوص معًا، ونحلم بنقد يعرف كيف يستمع قبل أن يتكلم، وكيف يشارك قبل أن يحكم. فإذا كان هذا الكتاب ثمرة تلك الأحلام، فهو ثمرة ناضجة تستحق القطاف.

وبعد، فإني أحمد الله الذي أبقى بيننا هذه الروابط الفكرية والوجدانية، وسأظل أرقب مسيرة صديقي الدكتور حافظ مغربي بمحبة المتابع ودهشة المكتشف، ترقب من يعرف أن لكل نص حكاية، وأن لكل ناقد حكاية مع الحكاية.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع