عبدالله السلايمة
ثمة قصص قصيرة لا تنتهي بانتهاء قراءتها؛ تظل عالقة في ذهن القارئ، لا بما قالته فقط، وإنما بما تركته من أسئلة. وقصة «عبدالله الحُب» لجلاء الطيري من هذا النوع. فهي، على قصرها، لا تقدم حكاية مستقيمة يمكن الإمساك بخيوطها منذ البداية، وإنما تضع القارئ في قلب حالة نفسية مضطربة، يتداخل فيها الواقع بالذاكرة، والحقيقة بالظن، والحب بالذنب، والماء بالموت.
منذ السطر الأول: «ورأى في ماء الساقية ما رأى»، تضع الكاتبة أمامنا فعل رؤية مؤجلًا. لا نعرف ماذا رأى عبدالله، ولا نعرف لماذا اختفى، ولا لماذا عاد صارخًا «الحب.. الحب». ثم لا تقدم لنا القصة تفسيرًا مباشرًا، بل تعيدنا إلى الماضي، وتكشف لنا شيئًا فشيئًا عن فاطمة وعن الواقعة التي يبدو أنها شكّلت نقطة الانكسار في حياة عبدالله. وفي النهاية تعود العبارة الأولى تقريبًا: «خرج عبدالله بعدما رأى في الساقية ما رأى». بذلك تبني الكاتبة قصتها على حركة دائرية؛ فالنهاية تعيدنا إلى البداية، لكننا لا نعود إليها بالمعنى نفسه. ما كان في البداية غموضًا يصبح في النهاية غموضًا محمّلًا بالمعرفة والاحتمال.
وهذا البناء الزمني ليس مجرد حيلة سردية. إنه يتوافق مع الحالة النفسية لعبدالله. فهو رجل عاجز عن الخروج من الماضي، ولذلك تتحرك القصة كما تتحرك ذاكرته. إلى الأمام قليلًا، ثم تعود إلى الوراء، ثم تستعيد اللحظة نفسها من زاوية أخرى. وكأن الساقية التي تدور بلا ثور ليست سوى صورة مكثفة للزمن داخل وعيه. «دار معها»؛ عبارة تختصر وضع الشخصية كلها. فلم يعد عبدالله خارج الحدث، بل أصبح جزءًا من دورانه.
يضيف العنوان «عبدالله الحُب» إلى هذه الدائرة طبقة أخرى من الدلالة. فالرجل لم يُعرف بهذا الاسم من البداية، وإنما صار «عبدالله الحُب» بعد أن خرج من الساقية يهتف بكلمة واحدة. وهنا يتحول الاسم إلى أثر من آثار المأساة، وإلى نوع من الاختزال القاسي لشخصية كاملة. لقد اختزل الناس عبدالله في كلمة نطق بها في لحظة انهيار، لكن المفارقة أن هذه الكلمة نفسها هي التي تجعل القصة مفتوحة على احتمالات عدة. هل كان يهتف بحبه لفاطمة؟ هل كان يستعيد حبًا لم يدرك قيمته إلا متأخرًا؟ هل كان يطلب الغفران؟ أم أن «الحب» أصبح الاسم الذي أطلقه على الحقيقة التي رآها في الماء؟ لا تقدم الكاتبة جوابًا، وربما كان ذلك أحد أسباب قوة القصة.
الساقية هي المكان الذي يجمع هذه الاحتمالات كلها. في البداية تبدو مجرد جزء من البيئة: ماء، نخلة، خشب، رطب، عطش وحر. لكن سرعان ما تتحول إلى فضاء رمزي تتجاوز فيه الأشياء وظائفها الواقعية. «دارت الساقية بلا ثور.. دار معها». وهنا لا تعود الساقية مجرد آلة ترفع الماء؛ إنها آلة للذاكرة أيضًا. دورانها يستدعي دوران الزمن، ودوران الزمن يستدعي دوران الذنب.
ولذلك يصبح نزول عبدالله إلى الساقية أشبه بنزول إلى أعماق نفسه. هو يطلب السكون، لكن السكون لا يمنحه النسيان. بل إن الكاتبة تصف حاجته إلى ذلك بعبارة شديدة الدلالة: «الرغبة المستميتة للبقاء بلا ذاكرة، واسترضاء النفس اللوامة». يريد أن يتحول إلى شيء بلا تاريخ، «كورقة شجر يابسة سقطت؛ فذرتها الرياح». غير أن الإنسان يستطيع أن يبتعد عن المكان، لكنه لا يستطيع أن يهرب من ذاكرته.
وهنا يكتسب الماء وظيفته المركزية. إنه ليس ماءً للارتواء فقط، وإنما مرآة للداخل. عبدالله «رأى في ماء الساقية ما رأى»، وما يراه ليس بالضرورة صورة مادية يمكن وصفها، وإنما شيء يقع في المنطقة بين الرؤية والاستبصار. لذلك نراه يرى «عتمة تضيء، وليلاً يتهاوى، وشمسًا حانية تبزغ من قعر الماء». إنها صور لا تخضع لمنطق الواقع، لكنها تخضع لمنطق النفس حين تصبح الذاكرة أقوى من الحاضر.
والأهم أن الماء لا يمحو الماضي، كما قد نتوقع، بل يكشفه.
من هنا تأتي فاطمة. دخولها إلى النص لا يضيف شخصية جديدة فحسب، وإنما يعيد تعريف عبدالله نفسه. فقبل ظهورها يمكن أن نراه رجلًا غامضًا يبحث عن السكون، أما بعدها فيتحول إلى رجل يواجه نتيجة ما حدث. فاطمة «قُرَّة عينك، ربيبتك وصغيرتك»، وهذه العلاقة تجعل المأساة أكثر قسوة، لأن القضية لا تتعلق بغريبة، وإنما بإنسانة كان يفترض أن تكون في دائرة الحماية والثقة.
وتذهب فاطمة طلبًا للماء، فتتعرض لما هو أخطر من العطش: تتعرض لتأويل الآخرين. تنزلق قدمها، ويقع ظل النخلة بين ساقيها، ثم تتحول اللحظة العابرة إلى مادة للشائعة. وهنا تبلغ القصة ذروتها الأخلاقية. فاطمة لا تُدان بما فعلت، وإنما بما ظن الناس أنها فعلته.
«أنا الطاهرة في باطني، المدنسة في ظاهرهم»
هذه ليست مجرد جملة دفاعية؛ إنها ربما أكثر جمل القصة اختصارًا لمأساتها. فالظاهر ينتصر على الباطن، والصورة تنتصر على الحقيقة.
والظل هو الأداة التي يحدث بها هذا الانقلاب. الظل شيء لا جسد له، لكنه في القصة يصبح أكثر تأثيرًا من الجسد نفسه. «كان للنخلة ظل باعد بين ساقيها، وسكن بينهما». ما هو طبيعي ومحايد يتحول في عين المجتمع إلى دليل. ومن هنا تتجاوز القصة حكاية فاطمة إلى سؤال أوسع: كم من إنسان حوكم بما بدا عليه، لا بما كان عليه؟
لكن جلاء الطيري لا تجعل فاطمة مجرد ضحية صامتة. تمنحها صوتًا طويلًا ومباشرًا، فتخاطب عبدالله: «أترتوي يا عبدالله وتتركنني ظمأى؟»، و«ألقني في بئر الساقية»، و«أعلم أنك لا تستطيع». وهذا الخطاب يستحق التوقف؛ لأن القارئ لا يعرف على وجه اليقين من أين يأتي صوت فاطمة. هل هي تستعيد كلامًا قالته بالفعل؟ أم أن عبدالله، بعد أن صار وحيدًا مع ذنبه، يعيد بناء صوتها في ذاكرته؟ أم أن الكاتبة تجعل صوت الضحية يتجاوز الموت والغياب لكي يصل إلى الجاني؟
هذا الغموض يزيد الشخصية حضورًا بدل أن ينتقص منه. ففاطمة قد تكون غائبة عن العالم، لكنها حاضرة داخل وعي عبدالله. وربما لهذا السبب لا يحتاج النص إلى أن يخبرنا صراحة بمصيرها. يكفي أن نعرف أن عبدالله لم يعد يستطيع التخلص من صوتها.
وهنا يبرز أحد أجمل جوانب القصة: الكاتبة لا تقدم لنا الحقيقة كاملة، بل تجعلنا نشارك في البحث عنها. نحن نعرف أن عبدالله «اقترف ما اقترف»، لكننا لا نعرف كل ما اقترفه. نعرف أن فاطمة متهمة، لكننا لا نعرف بدقة ما الذي حدث لها بعد ذلك. نسمع صوتها، لكننا لا نعرف هل هو صوت الماضي أم صوت الضمير. نرى الماء، لكننا لا نعرف ماذا رأى فيه عبدالله.
وهذا يجعل القارئ نفسه قريبًا من وضع عبدالله، يبحث عن الحقيقة في مكان لا يعطيه إلا شظاياها.
ومن اللافت كذلك أن القصة لا تحسم مصير فاطمة بصورة مباشرة. وقد يكون ذلك مقصودًا؛ إذ يظل مصيرها معلقًا في منطقة بين الغياب والحضور. فمصير فاطمة، أيًّا كان، لا يمثل نهاية القضية، بل بدايتها داخل عبدالله. المهم ليس أن نعرف ما آل إليه مصيرها فقط، وإنما أن ندرك أن حياتها، أو غيابها، أصبحت الجرح الذي لا يستطيع التخلص منه. ومن هنا يصبح مصيرها احتمالًا سرديًا، بينما يتحول الذنب إلى يقين نفسي.
وفي هذا المستوى تحديدًا يمكن أن نستعيد ملاحظة التناص مع قصة مريم العذراء، لكن بحذر. فالنص لا يعيد كتابة قصة مريم، ولا توجد مطابقة حكائية تسمح بمثل هذا الحُكم، إلا أن اجتماع الماء والنخلة والرطب، إلى جانب محنة امرأة تؤكد طهارتها بينما يصنع الآخرون حولها تهمة، يجعل الذاكرة القرآنية لمريم حاضرة بوصفها احتمالًا تأويليًا مشروعًا.
والأهم أن جلاء الطيري لا تستخدم هذه العلامات كما هي، وإنما تعيد شحنها بدلالة مختلفة. ففي قصة مريم ترتبط النخلة بالرعاية، ويرتبط الرطب بالرزق، ويحضر الماء في لحظة المحنة بوصفه علامة عون ورحمة، بينما نجد في قصة فاطمة أن الماء يتحول إلى موضع للمأساة، وأن ظل النخلة يدخل في صناعة التهمة، وأن الرطب الذي ارتبط في الذاكرة المريمية بالحلاوة والرزق ينتهي هنا إلى المرارة: «صار رُطبها مُرًّا.»
وهذه المفارقة بالذات تجعل الإشارة إلى مريم أكثر من مجرد تشابه في المفردات، دون أن تجعلها في الوقت نفسه حقيقة نهائية عن قصد الكاتبة. إنها أقرب إلى تناص رمزي محتمل، تستدعي فيه القصة بعض العلامات الموروثة ثم تقلب دلالاتها.
ولا تتوقف الذاكرة التراثية عند مريم؛ فالنص يستدعي بلقيس صراحة في قوله: «كبلقيس كشف الثوب عن ساقين كالمرمر»، كما يستدعي المخيال الشعبي من خلال «جنية الساقية» والخوف القديم من الماء والأماكن المعزولة. وهذا يجعل الساقية نقطة التقاء بين الواقع والذاكرة الشعبية والمرجع الديني، ويمنح المكان كثافة تتجاوز وظيفته الجغرافية.
أما اللغة، فهي من أكثر عناصر القصة تميزًا. جلاء الطيري لا تستخدم لغة سردية محايدة، وإنما لغة كثيفة بالحواس والاستعارة والإيقاع. «نسمة هواء، وظل نخلة، ورطب تساقط؛ فاختمر في البئر، سكر بلا شراب». وفي «خشبها وسائد من حرير، وماؤها أنهارًا من عسل مصفى» يتحول المكان إلى فضاء حسي يكاد يلامس الحلم.
ومع قوة هذه اللغة، فإن كثافة الصور في بعض المواضع تستحق وقفة نقدية؛ فالتتابع السريع للاستعارات، على جماله، يكاد أحيانًا يزاحم حركة السرد ويصرف الانتباه عن الحدث نفسه. كما أن الغموض الذي يمنح القصة جانبًا من قوتها يقترب في بعض اللحظات من حافة الإبهام، خصوصًا فيما يتعلق بالفعل الذي اقترفه عبدالله ومصير فاطمة. ويمكن أن يُقرأ هذا الغموض بوصفه اختيارًا فنيًا يترك للقارئ مساحة لملء الفراغات، غير أن تقليل بعض كثافة الصور، ومنح بعض المفاصل السردية مساحة أوسع، كان يمكن أن يجعل البناء أكثر توازنًا.
هذه اللغة الكثيفة، فيما أري، لا تأتي من فراغ؛ فهي ترتبط بالطريقة التي تبني بها جلاء الطيري عالم الساقية، حيث تتحول الأشياء البسيطة إلى علامات تحمل دلالات أبعد من حضورها الواقعي. فهي تمنح الماء والنخلة والظل والرطب دلالات تتجاوز حضورها في المكان؛ فالماء يعيد عبدالله إلى ذاكرته، والنخلة تصبح شاهدة على ما حدث، والظل يتحول إلى سبب في الاتهام، بينما ينتهي الرطب، الذي ارتبط بالحلاوة، إلى المرارة. وهكذا لا تبقى هذه التفاصيل مجرد خلفية للأحداث، وإنما تصبح جزءًا من المأساة، وتكشف شيئًا من الحالة النفسية التي يعيشها عبدالله بعد ما حدث لفاطمة.
وهذا التغير لا يحدث في المكان بقدر ما يحدث في عين عبدالله.
وهنا يمكن فهم «الحب» الذي يهتف به في النهاية. فالكلمة لا تبدو مجرد إعلان عاطفي، وإنما تبدو نتيجة لكل ما سبقها. لقد اكتشف عبدالله أن الحب، إذا لم يقترن بالثقة والرحمة والإنصات، يصبح كلمة بلا قدرة على الإنقاذ. وربما لهذا يظل يرددها.
النهاية، إذن، ليست حلًا للغز، وإنما تعميق له. فحين تقول الكاتبة: «خرج عبدالله بعدما رأى في الساقية ما رأى.. من يومها وهو يهيم صائحًا: الحُب.. الحُب..!»، لا تغلق الدائرة، بل تتركها تدور. لقد خرج عبدالله من الساقية جسدًا، لكنه لم يخرج منها نفسيًا؛ خرج من الماء، وبقي الماء داخله.
خرج من المكان، وبقي المكان فيه.
خرج من اللحظة، وبقيت اللحظة سجنه.
ولعل هذه هي المفارقة الأكثر قسوة في القصة: أن عبدالله لم يعرف قيمة الحب حين كان قادرًا على أن ينقذ به فاطمة، وإنما عرفه حين لم يعد قادرًا على إنقاذ أحد.
ومن هنا تبدو قصة «عبدالله الحُب» في جوهرها قصة عن الذنب والذاكرة أكثر مما هي قصة عن الحب، وعن قوة الظن أكثر مما هي قصة عن الساقية.
أما عبدالله، فقد منحته القرية اسمًا جديدًا: «الحُب.»
لكن المفارقة أن هذا الاسم لا يبدو في النهاية تتويجًا لعاشق، وإنما عقوبة رجل لم يفهم الحب إلا بعد أن صار الندم هو الشكل الوحيد المتبقي منه.










