سما شاهين*
يعود من عمله محمّلًا بأكياس الهدايا، يخرج من جيبه المفتاح… ويفتح باب المنزل، يخلع معطفه الأسود الطويل، يعلّقه على الشماعة، ويضع الأكياس من يده برفق على السرير.
ـ ها أنا عدت، يا صغاري…
ولا أحد يجيبه، كالمعتاد.
يمضي إلى المطبخ، يُعدّ وجبة الغداء لأطفاله الثلاثة، ويضع الأطباق على الطاولة.
ـ تفضلي، يا زوجتي العزيزة.. أتمنى أن يُعجبك الطعام هذه المرة، فقد أعددته بيديّ هاتين.
ويجلس وحده على الطاولة، ينهي طعامه، ثم يذهب ليأخذ حمامًا ساخنًا يعيد له الذكريات، جلس مسترخيًا على الأريكة، يجول بنظره في أروقة البيت.
هنا، عند ذلك الحائط المهدوم، والمسدول بدلًا عنه قطعة نايلون بالكاد تحجب أشعة الشمس في الظهيرة، وقطرات المطر في الليل، كانت طفلته الأولى، ذات الاثني عشر عامًا، تعلّق شهادة التفوق الخاصة بها.
وفي الأعلى، فتحة قطرها متران ونصف في سقف المنزل، حيث ينير القمر ظلمة البيت في الليل، وتلمع النجوم فوقه، لتذكره بنجومه الصغار…
فكل شيء حوله يذكره بهم، حتى انعكاس صورته في المرآة!
ويقطع حبل أفكاره صوت إشعار الهاتف، يمسك هاتفه ويتفقد الإشعارات، ليجد رسالة تقول:
“يرجى التوجه إلى نقطة الاستلام الموجودة في (…) لاستلام صندوق مساعدات، من الساعة العاشرة صباحًا حتى الساعة الحادية عشرة ظهرًا. لا تنسَ إحضار الهوية!”
قال صارخًا:
ـ ومن قال إنني أريدها؟!
واصل النظر في أنحاء البيت:
ـ أوه!! نسيت أن أسقي الصبّارة…
اتجه نحو صنبور المياه، وملأ كأسًا كبيرة، وأخذ يسقي الصبّارة على حافة النافذة. وهو يعيد يده إلى الداخل، جُرحت بسبب قطع الزجاج العالقة في إطار النافذة، بعد أن تحطمت حين قُصف المبنى المجاور للبيت. إنه يعتني بهذه الصبّارة كتذكار لابنه الأوسط، فقد زرعها قبل استشهاده بمدة قصيرة. فتح درجًا في الأعلى ليعيد الكأس إلى مكانها، فوجد أمامه علبة حليب الأطفال الخاصة بطفلته الرضيعة، وهن قلبه في تلك اللحظة، فقد فاق وجعه أيَّ وجع في هذا العالم.
لديه هموم أكبر من هموم رئيس دولة بأكملها. وجهه ذو الملامح الحادة يخفي خلف تجاعيده وهنًا واشتياقًا.. بعد أن كان محاربًا شجاعًا في وجه الحياة… من أجل عائلته.. كان أطفاله يُحسدون على هذا الأب الحنون، أما الآن، فهو يحظى بشفقة الجميع.. حتى على شاشة التلفاز، وإذاعة الراديو، وكاميرات الصحافة والإعلام، حيث يُذاع خبر استشهاد أطفاله وزوجته في غارة إسرائيلية، في كل مكان، وفي كل زاوية يهرب إليها!
…………………..
*كاتبة من فلسطين، مواليد 2010






