طارق فراج
يبدو أن وحيد الطويلة يكتب نصوصه السردية على مهل، حيث يتضح اهنامامه بأدق التفاصيل، والاعتناء الواضح بكل كبيرة وصغيرة فلا تفوته فائتة. عينه اللاقطة جعلتنا نستطيع بكل سهولة أن نشاهد الأحداث ونسمع الأنفاس ونتحرك داخل النص. واستكمالا لمسيرته الروائية؛ تعد رواية “كاتيوشا” نصًا سرديًا يغوص في أعماق السيكولوجيا الأنثوية المحملة بعبء الخيانة، حيث تتحول الكتابة فيه إلى أداة لتشريح الذات وتفكيك بنية الوعي المتشظى. ينتمي هذا العمل ـــ بحسب ظني ـــ إلى ما يمكن تسميته بـ “سرديات الأزمة النفسية” أو “المونودراما السردية”؛ إذ تدور الرواية في فلك مشيرة وهي صوت أنثوي مهيمن (الساردة/ البطلة) التي تحاول جاهدة إعادة بناء عالمها المنهار بعد صدمة اعتراف زوجها الروائي “رشيد” بخيانته لها مع صديقتها المقربة. في “كاتيوشا” يتداخل الزمن، ونقع بين رحى جدلية الأمان والخيانة، وتوظيف الأقنعة ومحاولة تعرية وتفكيك الواقع الإنساني.
تبدأ الرواية بعتبة نصية بالغة الدلالة والإحالة، وهي اختيار اسم “كاتيوشا” كعنوان. كاتيوشا في الوعي الجمعي اسم سلاح سوفييتي فتاك، لكن النص يفكك هذا الاختزال التاريخي ليعيده إلى جذوره العاطفية عبر تقنية التناص مع الأغنية الروسية الشهيرة التي تحمل الاسم ذاته للفتاة التي تنتظر حبيبها المحارب على الجبهة. تقول البطلة مستحضرة هذا التناص:
“صحيح أن الاسم التصق بالصاروخ الذي كان يرعب الألمان، لكن المرجح أنه يعود إلى الأغنية ذات الشعبية الواسعة آنذاك في الاتحاد السوفييتي… كاتيوشا فتاة حسناء، تطوع حبيبها في الجيش… تعاهد كاتيوشا حبيبها بأنها ستبقى بانتظاره، وفية له… أحببتك وصنتك وغنيت لك طوال الوقت أفكر فيك في الحب وأنت تفكر في الرصاص”.
هذا التناص يعكس المفارقة المأساوية التي تعيشها البطلة؛ فهي كاتيوشا الوفية التي حرس الحب أركانها، بينما كان زوجها يوجه إليها رصاصة الخيانة الأشد فتكًا من قذائف الحروب.
تعتمد الرواية استراتيجية زمنية تقوم على كسر الخطية؛ فالحدث المفجّر (الانفجار السردي) يبدأ من نقطة متقدمة: لحظة الذهاب إلى المطار، والاعتراف الصادم، ثم حادثة السيارة التي تدخل الزوج في غيبوبة. هذا الترتيب لا يهدف إلى التشويق البوليسي بقدر ما يهدف إلى تصوير “الزمن النفسي للبطلة” ـــ إذا جاز لنا التعبير ـــ والذي تجمد عند لحظة الصدمة، حيث يتضح المجاز التدميري للغة، عبر تشبيه الاعتراف باللغم والقنبلة:
“وهي، كمن داست على لغم… لم ينظر إلى الأمام وهو يلقي قنبلته، هدأ السرعة، نظر ناحيتها بقوة وأسى، قال: أنا أحب واحدة غيرك. وصمت… أحستها في قلبها كرمح”.
يتحول الحادث الفيزيقي (انقلاب السيارة) إلى معادل موضوعي لانقلاب الوجود الداخلي للبطلة. إن السرد هنا يتحرك عبر ارتدادات الذاكرة واستباق الظنون، ليصبح المشهد المتكرر محاولة من الوعي لترميم الفجوات التي خلفتها صدمة الكشف.
أيضًا، تمثل “الغيبوبة” التي سقط فيها الزوج رشيد فضاءً رمزيًا محوريًا داخل النص. إنها حالة برزخية تضعه في موضع العاجز عن الكلام، لكنها في الوقت ذاته تمنح البطلة سلطة مطلقة وقاسية لاستنطاق صمته وتفتيش لغته وجهازه. تقع البطلة في مأزق الإبستمولوجيا العاطفية: هل تريد أن تعرف أم تفضل العيش في الوهم؟ تقول مشيرة في مناجاتها له في المشفى:
“أفكر في أن أفتح عينيك، ربما أعثر على نفسي في واحدة منهما، لكنني أخشى أن أعثر على الثانية في الثانية… حزن كبير حين أراك في غيبوبتك، وحزن أكبر حين لا أعرف الحقيقة، والأشد حزنًا أنني أعيش الآن في انتظار شيء لست واثقة من وجوده”.
تتحول الغيبوبة إلى سجن متبادل؛ سجن واقعي للزوج، وسجن احتمالي للزوجة التي باتت تتأرجح بين رغبتها في استيقاظه ليعلن براءتها، وخوفها من أن يستيقظ ليهذي باسم الصديقة.
“ما تمنيت في هذه اللحظة… كان يمكن أن تقع في جب الغيبوبة قبل أن تعترف. أسأل نفسي سؤالا برروح مكلومة: هل كان من الأفضل أن يقع في الغيبوبة قبل أن يخبرني؟”
تقدم الرواية نقدًا مبطنًا وحادًا للمجتمع الثقافي والنخبوي من خلال رؤية البطلة (التي تعمل مديرة لمجلة ثقافية). هناك تعرّي ذلك البرج العاجي للمثقفين، وتوضح كيف يمكن أن تُستخدم الكتابة والإبداع كأقنعة لتمرير نزوات إنسانية شديدة الخسة والأنانية؛ تقول:
“كنت أخاف أن أتزوج كاتبًا… رأيت الحقد والحسد والنفسنة على أصولها، رأيت الأنانية في الأعين عرفت القلوب المتلونة واللسان الزائف… امرأة واحدة لا تكفيه، كانوا يقولون، يبدو أنك نسيت في عز افتتانك بنفسك أيها المعجباني أنني كنت مرغوبة بشدة في أعين الآخرين”.
الأدب هنا لا يطهر النفس بل يمنح الخيانة لغة شعرية مواربة تحتمي خلف مجازات “الخيال الإبداعي”. حيث تكشف مقارنة الإهداءات على كتب الزوج في مكتبة الصديقة “النحيلة” كيف تطوع الاستعارة الأدبية لخدمة الغواية السرية:
“أبحث عن رواياتك، خطفتها واحدة تلو الأخرى وبسرعة البرق تتبعت الإهداءات التي كتبتها لها: جميلة الجميلات، مع خالص مودتي، حلوة الحلوات، هذا ماء ساعاتي، لعله يطفئ نار أيامك. عميقة العينين، أم روح ملونة. لا تطرقي النافذة، الباب مفتوح”.
لا تكتفي الرواية برصد تجربة “مشيرة” الفردية، بل تعمد إلى توسيع الدائرة من خلال إدراج تيار حكائي موازٍ يتمثل في حكاية “أسماء” وحكاية “الصديقة النحيلة صهباء الشعر”. إن حكاية “أسماء” تمثل التطرف الانقامي والجسدي للمرأة المغدورة التي ترد على الخيانة بخمسين خيانة مضادة لتستعيد توازنها الجريح. بينما تمثل “النحيلة” طعنة الصداقة المقربة التي نمت في مناخ من “الأمان المزيف”:
“إنه الأمان يا عزيزي الأمان لا يعطينا فرصة لنرى الخطوط المائلة والأيدي الخفية. الأمان وربما الحب أيضًا، الحب يمنعنا من رؤية التفاصيل السيئة أو المربكة. هذه النحيلة الهيفاء كانت مدللتنا… مسحنا وجعها وشددنا ضحكتها… كيف لم أنتبه لجهاز اللاب توب… صورنا معًا في ملف صور حفلات توقيعك… هناك واحدة لا تظهر في الصور، يبدو أنها من تلتقط”.
إن مشهد “عيد ميلاد الطفل” مع وجود الأقنعة، يمثل ذروة المسرحة السردية؛ حيث تتحول الحياة الاجتماعية بأسرها إلى حفلة تنكرية يرتدي فيها الأصدقاء وجوه الشياطين والوحوش والملائكة، في إشارة إلى الانهيار القيمي الشامل الذي يحيط بالبطلة.
تتميز رواية “كاتيوشا” بلغة سردية حارة وشاعرية، لغة مبللة بالدموع والتفاصيل الحسية التي تميز الكتابة الأنثوية حين تلامس مكامن الوجع. لقد أبدع الكاتب في إدارة المونولوج الداخلي وتوسيع أفق الحكاية الفردية لتصبح سردًا أعمق يعالج الهشاشة الإنسانية، ويرصد بدقة شديدة البحث الأنثوي الأزلي عن “الأمان”، في عالم تحكمه أمزجة متبدلة ونزوات خمسينية مأزومة. تخبرنا الرواية أن أخطر أنواع الحروب ليست تلك التي تُستخدم فيها صواريخ “كاتيوشا” الحربية، بل تلك التي تنفجر داخل غرف النوم وعلى مقاعد السيارات الفارهة، تاركةً أرواح هؤلاء شظايا مبعثرة، عاجزة عن الالتئام.










